القاهرة : الخميس 13 ديسمبر 2018
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
الجمعة 07/ديسمبر/2018 - 05:16 م

د. حسن راتب يكتب: في حب الشيخ زايد.. حكيم العرب

د. حسن راتب يكتب:
dostor.org/2426426

-أخذ من الصحراء أفضل خصالها وهى الصدق والإخلاص والمثابرة والحكمة والتواضع
- كان قائدًا فذًا وزعيمًا فى قومه يتمتع بكاريزما خاصة جذبت إليه الجميع وكان أمينًا على الكبار والصغار


هناك بيت شعر شهير لأمير الشعراء أحمد شوقى يقول فيه: دقات قلب المرء قائلة له.. إن الحياةَ دقائقٌ وثوانى ‏فارفع لنفسك بعد موتك ذِكرها.. فالذِكرُ للإنسان عُمرٌ ثانى
تذكرت هذا الشعر الملىء بالمعانى الإنسانية الفياضة التى تحمل فى طياتها معانى نبيلة، حينما كنت أتابع عن كثب تلك الاحتفاليات العديدة التى أقيمت، سواء هنا فى مصر أو هناك فى دولة الإمارات العربية المتحدة، من أجل إحياء ذكرى مرور مائة عام على ميلاد الشيخ زايد، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.. فما شهده هذا العام، الذى أطلق عليه «عام زايد»، يؤكد، وبما لا يدع مجالًا للشك، أن الإنسان بمقدوره أن يصنع لنفسه وبيده ما يجعله حاضرًا بين الناس وبقوة، حتى وإن كان قد رحل عن عالمنا بالجسد فإن روحه ستكون باقية فى الأذهان، وأعماله ستظل تعيش وتنبض بالحياة فى الأفئدة.

فى السياق نفسه، فإن الله، عز وجل، قد قال فى محكم آياته، بِسْم الله الرحمن الرحيم: «إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التى كُنتُم توعدون. نحن أولياؤهم فى الحياة الدنيا والآخرة».. صدق الله العظيم.
فلكل أمة رجالها، ولَكل زمن رموزه، ولكل مرحلة يسوق القدر رجالًا يتسمون بمواصفات خاصة ليتحملوا مسئوليتها، كما أن المولى عز وجل يهب من يستخلفه فى أمور البلاد والعباد، وكما هو معروف أن واحدًا كألف.. وألفًا كألف.. كما أن سيدنا إبراهيم، عليه السلام، كان بمثابة أُمَّة بأكملها، ومن بين الشخصيات الفذة والمؤثرة التى ساقتها الأقدار للأمة العربية كان حكيم العرب، الشيخ زايد، هذا الرجل الذى أقل ما يوصف به هذا الوصف الذى يحلو لنا أن نردده ونعيده على الأسماع، ألا وهو «زايد الخير والنماء والعطاء».
وهذا الأمر لم يأت من فراغ، فالشيخ زايد هو ابن البادية، حيث أخذ من الصحراء أفضل خصالها، وهى الصدق والإخلاص والصبر والمثابرة والحكمة والتواضع مع الاعتزاز بالنفس، هكذا يتسيّد أهل البادية بهذه الخصال، فقد كان الشيخ زايد يحملها بمعانيها السامية، ويجسدها بسلوكه القويم، فأصبح بحق قائدًا فذًا وزعيمًا فى قومه يتمتع بكاريزما خاصة جذبت إليه الجميع، وقبل هذا وذاك، كان خادمًا لقومه، وكان أمينًا على الصغار قبل الكبار، كما أن التضحية والإيثار وإنكار الذات كانت أهم ما يتميز به من خصال بين قومه.. الكرم والجود والتواضع، سمات رئيسية ارتبطت بنهج حياته، فالرجال يُعرفون بالمواقف المشرفة أثناء الشدائد، فكان بحق واحدًا من أعظم الرجال.
ونحن هنا، فى مصر، عرفناه عن قرب من خلال مواقفه النبيلة، التى كان من أهمها وأبرزها ما فعله فى حرب العاشر من رمضان، السادس من أكتوبر، حينما وقف وبكل شجاعة أمام القوى العظمى وتحدى العالم أجمع، واستخدم سلاح البترول فى وجه الغرب المساند لإسرائيل، وقال كلمته المشهورة: «لا يمكن أن يكون البترول العربى أغلى من الدم العربى».
لقد عرفته، رحمه الله، ليس فقط من خلال مواقفه العظيمة النبيلة التى يعرفها الجميع، ولكن أيضًا من خلال من كانوا قريبين منه، وعلى وجه الخصوص من عاشوا معه عن قرب ردحًا من الزمان، وكان من بينهم شيخى وأستاذى د. حسن عباس زكى، رحمه الله، الذى كان مستشارًا له، وكان ممن يتحدث عنه كثيرًا، ومحبًا له قريبًا منه ومن قلبه، وكان د. حسن عباس زكى من العارفين بالله، رجلًا نحسبه من الصالحين، ولا نزكى على الله أحدًا، فقد ورثتُ عنه مكتبة زاخرة بآلاف الكتب والمأثورات والمخطوطات النادرة، كان كثير منها من إهداء الشيخ زايد له، فلقد أسرّ لى د. حسن عباس ذات يوم بأن الشيخ زايد أراد أن يكافئه فى نهاية خدمته فى الإمارات، فسأله: كيف أكافئك؟ فقال له «مكتبتى، أريد أن أعمرها بكتب من التراث»، فقال له الشيخ زايد: اقتنِ ما شئت من كتب من أنحاء العالم لمكتبتك، فهذه هديتى لك.. وكانت مكتبة الدكتور حسن عباس زكى الزاخرة بأمهات الكتب وآلاف المخطوطات ونوادر كتب التراث التى أهدانى إياها قبل وفاته، ولها مقر يليق بها فى برج سما أطلقت عليها اسمه كصدقة جارية لروحه الكريمة، وهى الآن متاحة لمن أراد أن يستزيد علمًا ومعرفةً.
وأيضًا كان فضيلة الإمام محمد متولى الشعراوى مصدرًا مهمًا بالنسبة لى، تعرفت من خلاله على جوانب كثيرة فى حياة الشيخ زايد، فقد كان الشيخ الشعراوى يحب الشيخ زايد حبًا كبيرًا، وتبادل معه حوارات ولقاءات زاخرة، ناهيك عن بعض المقربين الذى قاموا بالتدريس لأولاد الشيخ زايد، ومن بين هؤلاء الدكتور محمود القواسمى، ورئيس الديوان الأميرى فضيلة الشيخ على الشرفة، اللذان جمعتنى بهما لقاءات حظيت من خلالها بالكثير من المعلومات عن تلك السيرة العطرة للمغفور له خالد الذكر الشيخ زايد، حكيم العرب.
وتلك المعلومات التى بداخلى عن الشيخ زايد جعلتنى أشرع، منذ فترة، فى اتخاذ خطوات عملية وعلمية لإصدار موسوعة موثقة بالكلمة والشهود عن مواقف الرجل، وبواطن الحكمة والمعرفة، ومواقف النبل والشجاعة، والغوص فى ملامح الشخصية ومفاتيحها، وأهم مراحل حياته ونشأته، والمناخ المحيط به، وتوثيق هذه الموسوعة بالكلمة الموثقة بالصورة، والمتلفزة بالحدث.. وقيمة هذا العمل أنه نابع من وجدان متحرر، ليس فيه غرض ولا هوى، سوى وجه الله، لإعطاء نماذج من الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.. إنه نموذج من القدوة العربية الناجحة فى العصر الحديث، نموذج من الزعامات التى تسببت فى ثراء شعوبها، وجلبت لها الخير والنماء، ووفرت لها رغد العيش والاستقرار.
كيف استطاعت هذه الزعامة أن تواجه تحديات الفرقة وتجمعها، وتخلق من قبائل متفرقة كانت تحكمها عصبيات وكانت مواردها محدودة، دولة عصرية تنافس وتنمو بمعدلات تفوق الدول المتقدمة، وتتبوأ مركزًا متقدمًا ومرموقًا فى عالم المال والجمال والإعمار والأناقة، وفى عالم التجارة والتسويق والمعارض، وفى عالم النهضة والرفعة والتقدم؟!.
إن العقبات والتحديات التى واجهتها هذه التجربة الرائدة المتفردة تستحق أن توثّق وتدرّس وتعلّم للآخرين، كما أن عظمة هذه الملحمة تتجلى فى عظمة المنتج والمخرجات، وذلك على الرغم من قلة الموارد والمدخلات.
لذا، فإن قيمة هذه النهضة التى شهدتها دولة الإمارات تتجلى بوضوح فى عظمة القائد والمنقاد، فى عظمة الزعيم واستجابة وتجاوب شعبه، وأعظم ما فى هذه التجربة عبقرية حلقات الاتزان التى تحققت بقدرة واقتدار، فقد نجح الشيخ زايد فى أن يقيم دولة فى إطار من القيم العربية الأصلية، وفى ظل موروث ثقافى وحضارى قيمى نابع من العقيدة السمحاء، التى اتسمت بها شخصية الزعيم، وأقيمت الدولة داخل أطر وقيم عظيمة، شكلت ملامح وهوية المجتمع دون أن يكون أسيرًا لها أو يقع فى أسرها، وتطلع للحداثة والتكنولوجيا والتطور والتقدم والمعاصرة فى شتى أنحاء العالم، دون أن يفتن بها.. فبين عدم الأسر فيما هو ماض، وعدم الفتنة بما هو آتٍ، جمع بين الحداثة والمعاصرة والتقدم والرقى، وحافظ على الهوية والشخصية.. وهذا هو أهم وأبرز ما تتسم به عبقرية الشيخ زايد، حكيم العرب، وقيمة تجربة دولة الإمارات فى دولتها المعاصرة والحديثة، ولكن الأمر تعدى ذلك ليشمل أمورًا حياتية كثيرة، شملت، بجانب النهضة العمرانية، التى وفرت المسكن المناسب والمأكل المناسب والتعليم المتقدم بوسائله الحديثة المواكبة للثورة المعرفية وآلياتها وأدواتها والرعاية الصحية المتكاملة، نهضة تشريعية شملت كل جوانب الحياة، بدءًا من استخراج رخصة المرور، إلى الانضباط فى الشارع، إلى استخراج المعاملات من الدوائر الحكومية والرسمية التى تدار جميعًا وفق منظومة محكمة، فالقانون فى الإمارات قدس الأقداس يسرى على الجميع، الأمير قبل الغفير، الكل سواء أمام معايير العدالة.. ولعلى أذكر شيئًا حدث معى شخصيًا، محدد المكان والزمان والحدث، وقت أن كنت أقيم مشروعًا فى دبى مع أحد شركائنا المصريين، عمارة إنتركونتننتال، وهو برج يتكون من ٤٠ دورًا فى دبى، وبالصدفة، الجار بالجنب كان مسئولًا كبيرًا فى دبى، بل هو أكبر مسئول يتابع التراخيص ويصدرها ويمنحها، وشاء القدر أن تكون العمارة التى يملكها هذا المسئول هى المجاورة لنا تمامًا، ويبدو أن المنفذين له قد تجاوزوا فى البروز قليلًا حوالى ثلاثين سنتيمترًا عن المرخص، وإذ بى، خلال أقل من أسبوع، أجد المهندس المسئول من البلدية يزيل المخالفة، ويهد هذا البروز للمسئول الذى بالتأكيد هو رئيسه فى العمل.. هذا هو التحضر بعينه، فالقانون شُرع لينفذ على الجميع، والكل أمام القانون سواء.. هكذا تتقدم الأمم، ليس بالتشريعات فحسب، ولكن بإعمال التشريعات، فالعدالة الناجزة هى فقط التى تحقق العدل والمساواة.
من أجل هذا، أردت أن أكتب وأسجل وأوثق موسوعة حكيم العرب، التى أردت أن تصدر من جهة علمية، هى جامعة سيناء، حتى تصدر هذه الوثيقة وفقًا للمنهج العلمى والأسلوب العلمى، وتتخذ كل الوسائل العلمية للتحقيق والتوثيق، وعلى الجانب الآخر تكون فى متناول كل من يرغب فى اقتنائها، ويحب أن ينهل من تلك التجربة الثرية الناجحة الناجزة والنموذجية.. كما قررت أن تسهم قناة «المحور» الفضائية فى إصدار النسخة المتلفزة، حتى تأتى متكاملة بالصوت والصورة، فليس من رأى كمن سمع.. وعلى الجانب الآخر، إذا كانت الكلمة المكتوبة كلمة مركزة موثقة، فإن الكلمة المسموعة والمرئية تتمتع بقوة تركيز وحجم انتشار أوسع، كما أنها تتعدى المعانى لتشمل مساحات المعانى.
ولذا، فإن الموسوعة وثيقة مكتوبة ومصورة ومتلفزة حتى تحقق الأهداف التى من أجلها أُصدرت.. وإصدار هذه الموسوعة من جهة علمية غير إماراتية يجعلها تحمل رمزية أن حكيم العرب الشيخ زايد لم يكن محليًا فى قومه وبلده فحسب، بل كان إقليميًا لكل العرب، تأثر بهم وأثر فيهم، بل تعدى ذلك للعالمية، حيث إنه تم منحه، من خلال جهات عالمية ودولية، الكثير من الجوائز فى البيئة، إلى جانب حصوله على جائزة أفضل شخصية عالمية.. وبعد كل هذا وذاك، فإننا نكون أمام شخصية احترمت الجميع، فاحترمها وقدرها العالم بأسره.
وهناك مسألة فى غاية الأهمية أتذكرها الآن للمغفور له الشيخ زايد، هى أن عشقه الخاص لمصر لم يتوقف عند علاقته الخاصة بمصر، بل أراد أن تمتد للأجيال المتعاقبة من بعده، فهو القائل: «أوصيتُ أبنائى بأن يكونوا دائمًا إلى جانب مصر، وهذه هى وصيتى أكررها لهم أمامكم، فهذا هو الطريق لتحقيق العزة للعرب كلهم». هكذا يكون الشخص المحب بصدق، وهكذا يكون الشخص الذى لا ينظر أسفل قدميه بل ينظر إلى المستقبل، ويفكر فيما هو قادم، فبحكمته وقدرته على استشراف القادم رأى أن ارتباط أولاده من بعده بمصر بمثابة صمام أمان للجميع، سواء هنا فى مصر، أو فى الإمارات، وهو ما ترجمه بالفعل أبناء الشيخ زايد، من خلال وقوفهم إلى جانب مصر فى أصعب الأوقات التى مرت بها، وعلى وجه الخصوص فى أعقاب اندلاع ثورة ٣٠ يونيو، فقد كانت دولة الإمارات فى طليعة الدول التى ساندت الدولة المصرية من أجل أن تنهض مجددًا وتعود إلى سابق عهدها، دولة قوية ومحورية فى المنطقة، ولقد كان «صالون المحور»، الذى أُذيع فى الثانى من ديسمبر بمناسبة مرور سبعة وأربعين عامًا على إنشاء دولة الإمارات، ومائة عام على ميلاد الشيخ زايد، حكيم العرب، وبتشريف معالى سفير الإمارات جمعة مبارك، والدكتور مفيد شهاب، والأستاذ سليمان وهدان، وكيل مجلس الشعب، ونائب رئيس حزب الوفد، ولفيف من رؤساء تحرير الصحف، والفنانين والمثقفين ورموز المجتمع بكل أطيافه، فى مظاهرة حب وعشق لحكيم الأمة، الشيخ زايد، ولشعب الإمارات، تميزت بصدق المشاعر، ورقى الأحاسيس لكل من شارك وعبّر بكلمات نابعة من القلوب، صادرة من الأعماق.
إن حكيم العرب، الشيخ زايد، الذى نحيى ذكراه ونحتفل بمئويته، كان ولا يزال، بل سيظل حيًا بيننا وباقيًا فى وجداننا بمآثره وبقيمه، وبأخلاقه وبأعماله التى تؤكد يومًا بعد الآخر أنه كان زعيمًا استثنائيًا، استطاع أن يصنع لنفسه ذكرى عطرة، تجبرنا على أن نتذكره دائمًا، وندعو الله، العلى القدير، أن يرحمه ويسكنه فسيح جناته.

ads
ads
ads