رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

العلمانية الشكلانية.. واليونيفورم العلمانى



كما ألزم التيار الدينى أتباعه بزى محدد يحجبهم أو يخفيهم تمامًا.. وكما أصبحت الصورة المطبوعة فى الأذهان للشاب المختلف أن يرتدى «شورت وفانلة وكاب»، وأن يرتدى الشاب الثورى كوفية، صيفًا وشتاء.. أصبح لنشطاء العلمانية- المبشرين الجدد من حماة صحيح العلمانية- نظرتهم ونظريتهم وفكرهم الشخصانى والخاص جدًا والمرتبط ببعض الممارسات الشخصية الفردية التى صدرها هؤلاء باعتبارها جوهر العلمانية وجل أمانى متبعيها.
أصبحت العلمانية كنظرية فى المعرفة، وكصيغة رحبة تحتوى وتقبل الجميع أشبه بماسورة الصرف الصحى، التى يصرف فيها هذا وتصرف فيها تلك كل ما لديهم من هلاوس أو ضلالات أو عُقد منذ الطفولة أو مشكلات فى التنشئة أو رغبات جسدية مكبوتة أو مشاكل نفسية متراكمة أو ضغوط اجتماعية.
أصبح من لديه أحلام خاصة أو خيالات تراوده على شكل أحلام يقظة، ومن لديه أهداف محددة، يلصق كل ذلك وكل ما سبق بالعلمانية ويعمم ما يراه على غيره، فمن يريد اللجوء مثلًا أو العيش فى الخارج من أجل الحرية الجنسية أو الحقوق المثلية يلصق ذلك بالعلمانية، وكأن العلمانى مثلى بالضرورة أو يميل حتمًا لحفلات الجنس الجماعى!!.
ومن يريد الثراء أو التربح ويحلم بأن تنهال عليه التمويلات داخليًا أو خارجيًا- عربيًا أو حتى صهيونيًا- يلصق ذلك بالعلمانية.. فتصبح العلمانية لصيقة الصلة بالصهيونية، وتصبح شائعة وأكذوبة «علمانية الكيان الدينى»، الذى قام على أساس دينى وهو الكيان الصهيونى، حقيقة يزرعها هؤلاء فى ذهنية أتباعهم ومريديهم!!.. ويصبح الكنيست هو بيت العلمانية بالضرورة!!.
ومن لديه توجه نيوليبرالى ويحلم بجمال مبارك رئيسًا للجمهورية ويهجو خالد منتصر فى نفس ذلك الوقت!! يلصق ذلك أيضًا بالعلمانية.. وكأنها جُعِلَت من أجل السيد جمال ومن على شاكلته، أو كأنها جعلت من أجل رجال الأعمال ومصالحهم فى المطلق وفى الأساس، وقبل الجميع من يريد انفلاتًا سلوكيًا أو يريد ممارسة خبل أو جنون أو مجون ما أو حتى يريد الانتحار- فعليًا أو مجازًا- يلصق ذلك أيضًا بالعلمانية.. فمن يريد الخبل له ما يريد، ولكن ليس كل مخبول أو مجنون أو ماجن هو علمانى بالضرورة.. ولن يصبح العلمانى أيضًا منتحرًا بالضرورة أو مشروع منتحر.. أو لا بد له أن يُقبّل فتاةً ما قبلة ساخنة لا يستطيع فعلها فى الواقع، فيضعها صورة لبروفايله الشخصى فى العالم الافتراضى، وتصبح من تريد الرقص العلنى نموذجًا للفتاة العلمانية.
وكأن على كل علمانية أن تكون راقصة بالضرورة، أو أن عليها تعلم الرقص أولًا لتحصل على صك العلمانية، ومن لا تجيده ليست علمانية ولن تكون، وكأن مارلين مونرو مثلا وعارضات الأزياء وفتيات الاستعراض- على اختلاف أنواع الاستعراض بالطبع- هم النموذج الأوحد للمرأة العلمانية، ولا يمكن أن تكون المرأة العلمانية أمًا لك، أو أن تكون هى جارتك الطيبة أو المرأة العاملة البسيطة أو الأم المعيلة والمرأة التى تربى أبناءها وتزرع حقلها أو الأستاذة الجامعية التى لا تجيد الرقص ولا تضع فيديوهاتها الراقصة على السوشال ميديا.. كل تلك النماذج التى أشرت لها وبالمناسبة هى غالبية أفراد الشعب، ليست لديها مفاتيح العلمانية، التى تستحوذ عليها هذه وتلك، فتصبح العلمانية فكرة نخبوية غير شعبوية بل لصيقة بالانحلال والفسق بالضرورة عند ذوى النظرة المحدودة أو من يريدون تشويه العلمانية وشيطنتها.
وتروج ناشطة ما بأن ارتداء البنطال تشبُّه بالرجال، شأنها فى ذلك شأن رجال الدين الذى يلعنون على منابرهم ليل نهار المتشبهين بالرجال من الليبراليات العلمانيات، فتحرم تلك الناشطة لبس البنطال بالضرورة، وكأن من ترتديه ليست علمانية ولن تكون، وتصبح العلمانية تساوى بالضرورة البكينى والجونلة القصيرة وعلَم الرينبو الذى تحمله أو يحمله من يريد لفت الأنظار إليه فى مشهد يراه هو مشهدًا سينمائيًا يقوم فيه بدور البطولة، وأن تصور الفتاة نفسها عارية على السوشيال ميديا، وتمارس الجنس خارج منظومة الزواج أيضًا بالضرورة.. وكأن كل تلك الممارسات وغيرها هى الممارسات المؤهلة والضرورية للحصول على دبلومة العلمانية، وأن من لا يريد ممارسة كل ذلك سوف يجبره الفكر والتوجه العلمانى على ممارستها عنوة!!.
تسطيح وتقزيم فكرة العلمانية بهذه الطريقة والربط بينها وبين بعض الممارسات التى لا تخلو فى الكثير من الأحيان من فجاجة أو مراهقة متأخرة أو ولدنة اختيارية قد أضرت بالعلمانية ضررًا بالغًا، وتصبح العلمانية على يد هؤلاء مرتعًا لمن يريد التجريح أو الافتئات والسخرية من العلمانية وشيطنتها، وكأنها الغول والعنقاء، ويصبح العلمانى هو فلان الفلانى، وتصبح الفتاة العلمانية هى فلانة التى صدَّرت نفسها بنفسها كنموذج تظن أنه مثال يحتذى به، فى حين أنها أصبحت وبالفعل نموذجًا يخاف كثيرون أن يتشبهوا به، أو أن تقول لها عائلتها: هل تريدين أن تكونى مثل فلانة أو علانة!!.