رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

خواطر "سان بترسبورجية"!


عدت من زيارة قصيرة لمدينة "سان بترسبورج"، عاصمة روسيا القيصرية قبل الثورة البلشفية العام 1917، والعاصمة الثانية الراهنة، ومركز الإشعاع الثقافى والحضارى لروسيا، تلك المدينة الآسرة التى بناها الإمبراطور الأشهر "بطرس الأكبر"، (1672 ـ 1725)، واختار لها موقعًا في شمال غرب روسيا، في دلتا نهر "النيفا"، شرق خليج فنلندا، على بحر البلطيق. أرادها مدينة المدن، التى تضارع أفضل مدن العالم: وكان له ما أراد، حيث استقدم المعماريين الأفذاذ، والبنّائين العظام من كل البلدان الغربية المتقدمة، ومن كل حدبٍ وصوب، وأضاف إليها الخصائص الروحية والثقافية الروسية المتراكمة، ووفر لها إمكانات مادية هائلة، مصحوبة بعزيمة من حديد، صنعت هذه القطعة الفريدة من الإبداع الإنسانى، والكمال العمرانى، والروح النابضة بالروعة الجمال.
ورغم بُعد الشقة بين تاريخ بناء هذه العاصمة الثقافية الفريدة، وبين عصرنا، إلا أن المبهر فى الأمر هو حِفاظ أهلوها وأداريوها عليها كلؤلؤة متألقة وكأنها بُنيت بالأمس القريب. فالشوارع واسعة ونظيفة، والمبانى بطُرزها التقليدية المتناسقة وكأن طلائها لم يجف بعد، والنسق المعمارى الأساسى مقدسٌ لا يُمس، وهناك أرادة صارمة على ألا يعبث عابث بجوهرة الروسيا البديعة، من قريب أو بعيد.
ومن أبرز المظاهر الحضارية لهذه المدينة متحف "الأرميتاج"، الذى يُعد واحدًا من أكبر المتاحف في العالم، ويحوي 3 ملايين تحفة فنية هى المقتنيات الأكبر فى العالم، تشمل أعمال عمالقة الإبداع الفنى على مر التاريخ الإنسانى ومنهم: "مايكل انجلو، ليوناردو دا فينشي، روبنس، فان دايك، رمبرانت، بوسان، مونيه، رينوار، سيزان، فان جوخ، جوجان، بيكاسو، وماتيس" وغيرهم، وللمتحف فروع دولية في أمستردام، ولندن، ولاس فيجاس وفيرارا (إيطاليا).
وقد أُطلقت فى هذه المدينة البديعة مبادرة جديدة بالغة الأهمية، هى "هيئة شعوب أوراسيا"، وهى مبادرة لتفاعل آلاف الهيئات والتجمعات الشعبية فى مئات البلدان الواقعة بقارتى أوروبا وآسيا وشمال قارة أفريقيا [أى الدول العربية المطلة على البحر المتوسط]، دون تمييز أو تباغض، بهدف تعميق أواصر التبادل الثقافى والفكرى، وبناء جسور للتواصل الإنسانى بين سُكّان هذه المنطقة الشاسعة من العالم، وخلق روابط اجتماعية تجمع ولا تُفرِّق، وتؤسس لعلاقات بين مواطنى هذه البلدان، تقطع الطريق على نشر ثقافة الترويع والكراهية، وتقف كالسد المنيع فى وجه دعاة الحروب، وتيارات التكفير والإرهاب، والمد اليمينى والعنصرى المعادى للتنوع البشرى والتمازج الإنسانى.
وقد أحسن منظمو هذا المنتدى، أن يكون تركيزهم على العوامل الثقافية والإبداعية، كمدخل للتقريب بين الأوطان والشعوب، فطرحوا مجموعة من العناوين الرئيسية للتبادل الفكرى حولها ومنها: فنون المسرح، والموسيقى، والمشروعات المتحفية، والمعارض، والسينما، والسيرك، ومسرح الشارع، والفنون الشعبية (الفلكلور)، والسياحة، والرقص والباليه، والفنون الجميلة، والمؤثرات الثقافية، والأدب وفنون القراءة، والاتصالات الجمعية، والتعليم، والبيئة الإبداعية والعلوم الحضرية، وآفاق الأعمال، إلى غيرها من العناوين، التى تعكس رؤية بانورامية واسعة، لعشرات الأنشطة التى تفتح الباب أمام كل إنسان، وبالذات من الشباب، لكى يجد مايهمه من مجالات، وما يعنيه من قضايا.
شارك فى هذا العرس الثقافى الكبير 35 ألف شخص، وفدوا من كل البلدان الأروآسيوية، واستطاعت الهيئة المنظمة لهذا المنتدى، الذى يُعقد سنويًا، أن تستفيد من غِنى مدينة "سانت بترسبورج"، بالمواقع الثقافية، لتحل معضلة توفير أماكن لهذا العدد الغفير بأقل التكاليف، فاستخدمت قاعات وساحات وصالات المؤسسات القائمة: كالمسارح ودور السينما والمتاحف والمكتبات والجامعات والأندية، لتوزيع الأنشطة والفعاليات بينها.
وكانت مشاركتى فى هذا المحفل الدولى الثقافى الكبير، موضوعها: "العلاقات الثقافية المصرية الروسية"، وهى علاقات تليدة عمرها أكثر من ألف عام.