الثلاثاء 25 فبراير 2020 الموافق 01 رجب 1441

أيمن الحكيم يكتب: يسقط عقبة بن نافع.. يحيا نصر أبوزيد!

الثلاثاء 16/أكتوبر/2018 - 09:20 م
جريدة الدستور
طباعة
عزيزى د. محمد الباز
ملف العبث فى أسماء الشوارع، الذى أثرته ببراعة، يبدو أنه أكبر وأخطر من مجرد إهانة لعقولنا وتاريخنا وديننا ووطننا بإطلاق أسماء أعدائه من عتاة الإرهاب والتكفير على شوارعنا.. حسنًا فعلت عندما نبهت وكشفت تلك الفضيحة، وحاولت إزالة هذا التكريم غير المستحق لآباء الإرهاب باسم الإسلام (حسن البنا وسيد قطب)، ومنحه لمن يستحق (المشير المهيب أبوغزالة والمستشار الجليل عدلى منصور).. ولكن صدقنى يا صديقى إن العبث بأسماء شوارعنا، وفى كل محافظاتنا، فيه وقائع وحكايات وأسرار تستحق أن تروى وتُكشف، بل فيه (جرائم) يجب ألا تسقط بالتقادم، لأنها ما زالت تطل علينا من يفط الشوارع وتصفعنا على وجوهنا كل يوم..!
هل أكشف لك سرًا منها؟!
حدث عندما توفى الموسيقار العظيم على إسماعيل، فى ١٦ يونيو ١٩٧٤، أن طلب الرئيس السادات تقديرًا له تحويل بيته بالدقى إلى متحف يجمع آثاره الموسيقية والشخصية، وقام الرئيس السادات وقرينته بافتتاح المتحف فى ذكراه الأولى (١٣ يونيو ١٩٧٥)، ويومها طلب الرئيس إطلاق اسم على إسماعيل على الشارع الذى عاش ومات فيه بحى الدقى (قريبًا الآن من محطة مترو الدقى)، لكن رئيس حى الدقى يومها تحايل على القرار، فلم تستوعب أفكاره السلفية أن يرفع يافطة عليها اسم الفاتح الإسلامى عقبة بن نافع ليضع مكانها اسم فنان!
وبتزوير علنى فاضح وضعوا اسم على إسماعيل على شارع آخر مجاور!.. لا يهم، ما داموا قد حفظوا الإسلام بالمحافظة على شارع عقبة بن نافع!
وما زال ذلك التزوير قائمًا، والحكاية بتفاصيلها سمعتها من شجون على إسماعيل، الابنة الوحيدة لأعظم موزع موسيقى أنجبته مصر!
أما الذى لم تذكره فهو أن الفكر السلفى يومها- منتصف السبعينيات- كان قد بدأ يتسلل ويتسرب إلى أدمغة المصريين، وكان تأثيره سريعًا ومربكًا، فجعل مسئول الحى على قناعة بأن عقبة بن نافع أهم لمصر من على إسماعيل، مع أن الأخير قدم لمصر أجمل ألحانها، والآخر لم نسمع عنه سوى فى كتب التاريخ، وحتى كتب المؤرخين الثقات تحكى كثيرًا عن فظائع ارتكبها الفاتح الشهير، وعن بحور الدم التى أسالها تحت قدميه فى بلاد المغرب، بل وفى مصر عندما كلفه خاله عمرو بن العاص بفتح بلاد النوبة، فقتل من أهلها الكثير بسبب مقاومتهم الشرسة!
ويبدو أن الفكر السلفى ما زال معششًا فى أدمغة المسئولين عن أسماء الشوارع، فتجد لديهم عداءً غير مبرر لأهل الإبداع والفن.. ومؤخرًا حكى لى تامر حمدى، ابن شقيق الموسيقار الراحل بليغ حمدى، أنه تقدم بطلب لإطلاق اسم عمه على شارع بهجت على بحى الزمالك، وهو الشارع الذى كان بليغ حمدى أشهر سكانه، وبه مكتبه فى البناية رقم ٣٤، وفيه لحّن أجمل ألحانه، وكان يزوره فيه نجوم الغناء والطرب، واختاره بليغ لأنه كان على مرمى حجر من فيلا أم كلثوم على نيل الزمالك، ما يسهل عليه الذهاب إليها فى موعد البروفات بالضبط، وكان التأخر عن موعد البروفة جريمة لا تغتفر عند كوكب الشرق.
وكان سكان الشارع فى حياة بليغ يطلقون اسمه على الشارع، فهم يعرفون الموسيقار الكبير، فى حين لا يعرفون اسم بهجت على الذى يحمله الشارع، ولو أجريت بحثًا عنه لن تصل إلى شىء، وقد حاولت بنفسى فكانت أبرز النتائج هى وجود مطرب تركى اسمه بهجت على، وممثل مصرى مغمور اسمه على بهجت، ومرض مزعج يصيب الفم بتقرحات اسمه بهجت!
وتقدم تامر حمدى مرارًا بطلبه إلى المسئول عن الحى، وإلى محافظة الجيزة، وإلى وزارة الثقافة، لكن لم يجبه أحد حتى الآن.. وما زال بهجت على يخرج لسانه لبليغ حمدى!
إن ما أثرته يا عزيزى عن هذا العبث فى أسماء شوارعنا هو فرصة حقيقية لإعادة النظر فيها بالكامل، فأسماء الشوارع جزء أصيل من الهوية ومن الوجدان المصرى، ولذلك فهو أخطر من أن يُترك فى أيدى مسئولى الأحياء وسكرتيرى المحافظات بل والمحافظين أنفسهم.
ولو راجعت أسماء الشوارع ستجد عجبًا وهزلًا وعبثًا لا يجوز السكوت عنه، ولذلك فنحن أمام فرصة للقيام بمراجعة شاملة وكاملة لأسماء شوارعنا وحوارينا، ويكون ذلك من خلال لجنة مركزية دائمة تجمع فى تشكيلها بين رموز الثقافة والإبداع وبين موظفى التكنوقراط من الجهات الرسمية المسئولة، ويمكن أن تتبع رئيس الحكومة مباشرة، وقراراتها نافذة ولا تقبل التحايل.
وعندها يمكن أن نرى على شوارعنا أسماء فرج فودة ونصر أبوزيد وحسن حنفى وجمال حمدان وعاطف الطيب ولطيفة الزيات وسهير القلماوى ونوال السعداوى والشيخ إمام وصلاح عبدالصبور ويوسف شاهين ولويس عوض وزكى نجيب محمود ومئات من المبدعين والمفكرين الحقيقيين.. نرى أسماء قادتنا العسكريين من أبطال معاركنا (المصرية) من الفالوجة إلى أكتوبر.. نرى أسماء شهدائنا فى معارك التحرير والإرهاب.. نرى مصر الحقيقية.
وعندها قد نستعيد هويتنا وذاكرتنا، فلا يحتل حسن البنا وسيد قطب وأبوالأعلى المودودى شوارعنا.. ويصبح على إسماعيل أهم عندنا من عقبة بن نافع.. ويُخرج بليغ حمدى لسانه لبهجت على!