الجمعة 06 ديسمبر 2019 الموافق 09 ربيع الثاني 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

مرشد القرآنيين.. أحمد صبحى منصور: شادية حبى الأول.. وزوجة عمى عقدة حياتى

الأربعاء 15/أغسطس/2018 - 07:22 م
أحمد صبحى منصور
أحمد صبحى منصور
حنان عقيل
طباعة
- هربت من الفقر واليتم بأحلام اليقظة وأعيش أروع قصة حب منذ 41 سنة
- كنت من أوائل الجمهورية وأذهب لجمع «لُطع القطن» فى الإجازة
- ذاكرت لأخى المزارع الإعدادية ثلاث سنوات فتولى منصبًا مرموقًا


مسيرة من المشاكسة للمؤسسات الدينية وأفكارها الجامدة بدأها زعيم التيار القرآنى الدكتور أحمد صبحى منصور منذ السبعينيات، ولقى على إثرها ضربات متتالية من الاعتقال والمطاردة والتكفير.

سيرة قلقة ومشوار صعب للأزهرى الشرقاوى تابعنا بعض فصولها المُعلنة منذ أن أشهر أفكاره فى مواجهة المجتمع ورجال الفقه، إلا أن هذه الفصول السابقة- والتى ربما كان لها التأثير الأكبر على مسار حياته واختياراته- غير معروفة بشكل كبير.

فى هذا الحوار مع «الدستور»، يروى «منصور» فصولًا من مسيرة طفولته ومراهقته وشبابه، نشأته يتيمًا فقيرًا فى ظل سيطرة من قِبل العم الأكبر وزوجته على مجريات حياته، وزوجته الأولى وإهانتها له، ويتطرق للحديث عن ظروف زواجه وأبنائه وإخوته.

■ ولدت فى قرية بمحافظة الشرقية فى أواخر الأربعينيات.. ما الذكريات التى تحملها من طفولتك؟
- طفولتى تأثرت بما حدث لجدى الشيخ محمد على إبراهيم الذى مات قبل ميلادى بربع قرن، كان ميسورًا وكريمًا وشيخ الطريقة الرفاعية الصوفية فى المنطقة وفى بلدنا «أبوحريز» مركز كفرصقر شرقية. تزوج أربع زوجات أنجب منهن ١٤ ولدًا وبنتًا. كان أبى الابن الأصغر للزوجة الأولى التى أنجب منها جدى: عمى الأكبر أحمد وعدة بنات ثم أبى منصور.
كانت أملاك جدى تُجاور أملاك إقطاعى فى بلدة «بنى حسن» المُجاورة، احترف هذا الإقطاعى الربا واستغلال المحاكم للاستيلاء على الأراضى، وصار له ألف فدان بهذه الطريقة، كان جدى أبرز ضحاياه.
هذا المُرابى أعطى سُلفة لشيخ البلد فى قريتنا وطلب أن يضمنه جدى، ووافق جدى، وسرعان ما أعلن الرجل عجزه عن السداد وتعين على جدى أن يدفع الدين بدلا منه. وفوجئ بعد عشر سنوات بقضية ضده للحجز على أراضيه لصالح هذا الرجل. أسرع والدى لتوكيل محام، ولم يكن يعرف أن هذا المحامى عميل لهذا الإقطاعى. خسر جدى معظم أرضه، ومات كمدًا.
بعدها خرج أبى منصور محمد على من التعليم الأزهرى وأرغموه على العمل فى الزراعة، وجرى تقسيم ما بقى من التركة، لكن عمى الأكبر، شقيق أبى، سيطر على ميراث أبى وأخواته، واستغله فى الزراعة وفرض تقتيرًا فى المصاريف حتى استعاد ثمانية أفدنة من أرض جدى، وكتبها باسمه واسم زوجته.
إثر ذلك وقع أبى مريضا فاعتزل الزراعة وتزوج وعمل مأذونًا شرعيًا، وافتتح مكتبًا لتعليم الأولاد وإلحاقهم بالأزهر. وعلى يديه انتشر التعليم الأزهرى فى المنطقة. بيوت جدى تقاسمها الورثة، كانت هناك حجرة كبيرة «مضيفة» مخصصة للغرباء، هذه الحجرة صارت من نصيب أبى، بناها بيتًا نشأت فيه أنا وإخوتى الأشقاء.
■ ما تأثير معاناة والدك على حياتك فيما بعد؟
- مات أبى وأنا فى الصف الثالث الإعدادى فى معهد أبوكبير بالشرقية عام ١٩٦٣، وكان هذا تحولًا جذريًا فى حياتى، وبدأت معاناتى يتيما بوفاة أبى. لم يكن لنا مورد، واضطر عمى الأكبر إلى أن ينفق علىّ فى التعليم، ولكن أمى وإخوتى كانوا يحتاجون الإعالة. كانت زوجة عمى الأكبر مسيطرة عليه. أنجبت أمى أربعة ذكور وبنتا، وحظيت بحب أعمامى فتسبب هذا فى غيرة وكراهية زوجة عمى الأكبر لأمى، ودفعت أنا وإخوتى الثمن بعد وفاة أبى.
كنت أعمل فى الإجازة الصيفية فى جمع القطن ومقاومة دودته. وكان عمى أحيانا يقبض مكافأتى من الجمعية التعاونية فأشعر بالسعادة. ورغم الشعور بالقلق وعدم الأمان كان ترتيبى الثانى على الجمهورية فى الإعدادية الأزهرية، وانتقلت من معهد «أبوكبير» إلى معهد «الزقازيق» لأعيش مع ابن عمى «عبدالحميد» الذى يكبرنى بست سنوات والذى كان يحلو له أن يقدمنى إلى زملائه بأننى ابن عمه الشقيق الذى ينفقون عليه.
■ ألم تفكر فى أى طريقة للخلاص من هذا الوضع؟
- نعم، لم أتحمل الإهانة وهربت إلى القاهرة، وهناك ذهبت إلى جريدة «الأخبار» وطلبت مقابلة الأستاذ محمد زكى عبدالقادر ليبحث لى عن وظيفة، أو من يشترى القصص التى كنت أؤلفها. قابلنى موظف فى الاستقبال وسمع منى ونصحنى بأن أرجع إلى ابن عمى وأتحمل، ورجعت وتحملت.
فجأة توفى عمى الحاج أحمد بأزمة قلبية عام ١٩٦٩. كنت الوحيد معه حين فاجأته الأزمة القلبية. بعث يستدعى ابنه «عبدالحميد» وأوصاه بأن لنا نحن أولاد عمه منصور حقًا عنده، وأن عليه أن يُتم الإنفاق علينا من حقنا عندهم.
حين مات عمى أصبحت تحت السيطرة المباشرة لزوجته، كان هذا قبيل امتحان الثانوية الأزهرية بخمسة أسابيع عشتها فى قلق، ودخلت الامتحان، وكان ترتيبى الرابع على الجمهورية فى الثانوية الأزهرية القسم الأدبى عام ١٩٦٩. وبدأت عهدًا من الاستقلال إذ تقررت لى مكافأة تفوّق قدرها ١٢٠ جنيهًا فى العام الأول، وحافظت على التفوق فكنت أحصل على نفس المبلغ سنويا طيلة سنوات الدراسة بالكلية إلى أن تم تعيينى معيدا عام ١٩٧٣.
■ كيف كان دور زوجة عمك فيما بعد.. خصوصًا مع هذا الاستقلال المادى النسبى؟
- فرضت زوجة عمى علىّ زواجى الأول. بنت بنت عمى الأكبر كانت مخطوبة لابن عمها الذى فسخ الخطوبة. وحلًّا للمشكلة قررت زوجة عمى أن أتزوجها. رضيت اعترافًا بالجميل. كان هذا بعد أن أصبحت مُستقلًا أنفق على نفسى وإخوتى. الزواج لم ينجح لأنها كانت تنظر لى على أننى من كان ينفق عليه جدها والد والدتها، قابلت هذا بمعاملتها بمنتهى العنف. تركت البيت بعد شهرين، وحدث انقسام فى العائلة، فريق معى وفريق مع زوجة عمى.
رفضت بإصرار كل محاولات الصلح، فقد شعرت بإهانة شديدة عوملت بها منها ومن أهلها، وحين تراجعوا كنت قد صممت على الانفصال النهائى عنها. كنت فى السنة الأولى بقسم التاريخ والحضارة بكلية اللغة العربية بالقاهرة. وقد تم الزواج فى الإجازة الصيفية، وبعده بشهرين تركت هى البيت، وانشغلت العائلة بالشقاق والخلاف.
■ ومتى تخلصت من كل هذا؟
- جاءت فرصة لى للعمل مدرسًا للغة العربية فى مدرسة إعدادية خاصة فى مدينة ههيا، فقبلتها لأبتعد عن صداع محاولات الصلح، وكان راتبى ٨ جنيهات، بالإضافة إلى ١٢٠ جنيهًا مكافأة سنوية بعد نجاحى بتقدير جيد جدا فى السنة الأولى. ساعدنى هذا على تحمل مسئولية إخوتى، وصرت أذهب كل شهر إلى الكلية أستطلع الأحوال وأشترى الكتب المقررة. واجتزت الامتحان فى السنة الثانية بتقدير جيد جدا. خلال هذا العام طلّقت زوجتى غيابيا، وكان وقع تسلمهم ورقة الطلاق مؤلمًا.
■ إلى أين كانت خطوتك بعدما أغلقت هذه الصفحة من حياتك؟
- رجعت للعيش فى البلد لأن ابن عمى الحاج عبدالعزيز أشرف على بناء معهد أزهرى ابتدائى فى البلد بأموال سيدة كانت تفعل الخير، وكان وكيل أعمالها فى البلد. عملت مدرسا فى هذا المعهد بلا أجر منتظرًا أن يقوم الأزهر بضمّه. وهو ما حدث وأصبحت قائما بأعمال الناظر وأنا فى السنة الثالثة بالكلية إلى أن تخرجت عام ١٩٧٣ بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، وتم تعيينى معيدا فى ديسمبر من نفس العام.
■ وماذا عن سنوات مراهقتك فى ظل هذه الظروف؟
- نشأتى يتيما فقيرا جعلتنى أهرب من الواقع المرير إلى دنيا أحلام اليقظة، أصوغ فيها عالما خاصا بى أحقق فيه ما أتمناه من أحلام مستحيلة فى الواقع.. قبل زوجتى لم أقع فى الحب. ليس معنى هذا أننى لم أعرف مطلقا الحُبّ، عرفته فى أحلام اليقظة التى كنت أمارس من خلالها حريتى كما أشاء. فى أحلام يقظتى هذه أحببت الفنانة شادية، كانت فى أوج شهرتها وسطوعها. شاهدت كل أفلامها، وتتبعت ما استطعت كل أخبارها. وكنت عندما أخرج من السينما بعد رؤية فيلم لها أصطحبها معى فى أحلامى، وأدخل بها مسكنى وسرير نومى أتحدث معها وتتحدث معى. لم يحدث بيننا مطلقا، فى أحلام اليقظة، ما يسميه الفقهاء «الفحشاء» أو ما تسميه الرقابة «الفعل الفاضح»، مع أننى كنت أقاسى من حرمان جنسى لكنها لم تكن ممن أتخيلهن جنسيا. كنت أحبها حبا عُذريا أفلاطونيا روحيا، وشغلنى هذا الحب عن الواقع الذى كان وقتها خصمًا لى. لم ولن أخجل من هذا الحب، بل حكيته لزوجتى، وما زلنا نتندر عليه حين نشاهد أفلامها القديمة، ولا يزال أولادى وزوجتى يتندرون حين يسمعون أغنيتها «لأ يا سى أحمد لأ يا حمادة.. أنا حبيتك حب عبادة» وأبتسم. وأذيع سرا أقوله لأول مرة: إننى فى أحلام يقظتى عاتبتها عتابًا شديدًا على قولها «أنا حبيتك حب عبادة»، وقد اعتذرت وقالت إنه ذنب المؤلف.
■ كيف سار زواجك فيما بعد؟
- من عام ١٩٧٧ وحتى الآن عشت أروع قصة حب مع زوجتى التى تصغرنى بحوالى ١١ سنة، وأثمرت علاقتنا ستة من الأولاد. تزوجتها نقية القلب، فى فترة الخطوبة كانت تنفر منى وتخاف، وتعلمت أن أصبر عليها حتى نتزوج. بعد الزواج حدث ما كنت أتمناه. أعظم السعادة الدنيوية أن تجد الزوجة زوجًا يحبها وأن يجد الزوج زوجة تحبه. تقاسمت مع زوجتى منيرة محمد أحمد حسين الباز حلاوة الدنيا ومرارتها.
■ فى أى شىء استغللت فترة وجودك فى القرية بجانب عملك بالمعهد؟
- إقامتى فى البلد أحدثت تغييرا هاما، أخرجت أخى السيد رفعت من العمل بالزراعة، والذى لم يتمكن من إكمال دراسته بسبب الظروف المادية وتعنت زوجة عمى، وذاكرت له الإعدادية الأزهرية نظام ثلاث سنوات، وأدخلت أخى الأصغر عبدالرزاق فى التعليم الأزهرى الإعدادى، وفيما بعد وصلا لمناصب مرموقة. أما أخى الثالث محمد علاء الدين منصور الذى تعلم رغم أنف زوجة عمى فصار من الأوائل فى الثانوية العامة على مستوى الشرقية وكرّمه المحافظ. والتحق بقسم اللغات الشرقية بكلية آداب القاهرة، وتخرج بتقدير جيد جدا، وأصبح أكبر خبير فى اللغة الفارسية فى مصر.