رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

التكنولوجيا والتسويق السياسى «2»


يلفت نظرنا الباحث النابه فى شئون تكنولوجيا المعلومات «أ. محمد سيد ريان»، فى كتابه المهم «التسويق السياسى على الوسائط الإلكترونية»، إلى الآفاق السياسية الواسعة، لوضع الوسائل التكنولوجية الحديثة فى خدمة «الدعاية السياسية» و«الإعلام» و«التواصل» مع «الجماهير المستهدفة» بلغة السياسة، أو «الترويج» و«التسويق» وكسب «الزبون» بلغة «السوق» أو «البيزنس»، فالمسعيان يشتركان فى استهداف التأثير على الطرف المُخَاطب، وإقناعه بصواب «الرؤية» أو «الموقف» السياسى أو الاقتصادى أو الاجتماعى، فى الحالة الأولى، أو إقناعه بربحيته، واستفادته، وكسبه، من شراء أو اقتناء، أو التمتع بـ«السلعة» أو «الخدمة» المتاحة، فى الحالة الثانية.
هذا الأمر ليس طارئًا، فكل أصحاب الأفكار الجديدة، حتى الأنبياء والمصلحين، سعوا إلى إقناع الناس بصحة ما يطرحونه من أفكار، وصوابية الانتماء لها، ولزوم الارتباط بها، مستخدمين فى ذلك ما أتاحته الظروف التاريخية من أدوات، كالخطابة والبلاغة، واستفادوا فى ذلك المتاح من مناسبات للتجمع كالأسواق والمحافل والأعياد، ولو عاشوا هذا الزمان، لما كانوا ترددوا فى استخدام المستحدث من سبل جديدة لتوصيل رسالتهم إلى الناس.
بل لماذا نذهب بعيدًا، أو لم يستخدم رجال السياسة والحكم، فى الخارج وفى بلادنا، ما وجدوه أمامهم من أدوات للتخاطب مع الملايين، خطب «تشرشل» الإذاعية أثناء الحرب العالمية الثانية، و«جمال عبدالناصر» فى الخمسينيات والستينيات، والبث الـمباشر لوقائع غزو واحتلال أمريكا العراق على الـ«C.N.N»، وصراعات ومنافسات الانتخابات الرئاسية من «أوباما» و«كلينتون» إلى «تغريدات ترامب»، على مواقع الإنترنت و«الفيسبوك» و«تويتر» فى أمريكا.. إلخ.
والأخطر مما تقدم أن الاتجاهات والتيارات المتخلفة والإرهابية، كانت الأسبق من قوى التقدم والاستنارة فى استخدام هذه الوسائل الفعّالة: انظر إلى لجوء تنظيم «الإخوان» الإرهابى للبث الفضائى التحريضى من تركيا وقطر، وإلى استخدام «داعش» مواقع شبكة الإنترنت، والبث الإلكترونى لأفلام الترويع، كقتل وحرق المعارضين لهيمنته، وفيديوهات عملياته الإرهابية الشهيرة، لاكتساب الهيبة، والتأثير على الأنصار، وإقناع الشباب بالانتساب له ولأفكاره، وقد أثر بواسطة هذه الأدوات على عشرات الآلاف من الشباب فى الدول العربية والإسلامية، والأخطر فى الدول الأجنبية والأوروبية!.
و«التحول» المهم الذى يلفت الكاتب نظرنا إليه، هو الاستخدام المُغرِض للتطور التكنولوجى الخطير، فى تحويل نظر الناس «من التركيز على المنتج إلى التركيز على السوق والعميل»، فبدلًا من تأكيد «جودة» المادة أو السلعة التى يتم تسويقها، كما كان يحدث سابقًا، يتم التركيز الآن على تقنيات «الجذب»، والإبهار بالصورة، والتطور المذهل فى أساليب الدعاية والترويج، وهو أمر يُسَهِّلُ خداع البصر والإدراك، ويخلط الغث بالسمين، ويُشَوِّشُ على المرء لحظة اتخاذ القرار، ويحتاج إلى وعى كبير وثقافة عميقة للإفلات من كمائنه!.
وعودةً إلى الكتاب، يستفيض المؤلف فى شرح الكيفية التى يمكن بواسطتها، للأحزاب السياسية، الاستفادة من هذه التطورات التقنية المتسارعة، المُرشَّحة للتزايد، بالتواصل السريع والمنخفض الكُلْفة «مع مئات الملايين من المستخدمين الذين يتصلون بشبكة الإنترنت يوميًا من جميع أنحاء العالم»، للتعريف بالبرامج السياسية، وطرح المطالب الاجتماعية والاقتصادية، وبتحليل الأحداث، واستعراض المواقف، وتجميع الآراء، وتكوين الأنصار والمتعاطفين.
ويقدم الكتاب عروضًا مستفيضة لكيفية إعداد الحملات الترويجية السياسية من خلال وسائل التواصل الاجتماعى، فى الانتخابات المختلفة، وتجهيز «الحملات الإلكترونية» للتعريف بالأفكار أو «المبادرات»، وطرح «الرسائل الإلكترونية»، ومن أجل «الحشد» وصناعة وتأهيل الكوادر المؤهلة، وهى كلها وسائل سبقتنا إليها الجماعات الإرهابية، ومن المهم أن ينتبه السياسيون الوطنيون إلى أهميتها الكبيرة فى بناء «حائط صد ضد كل محاولات التشتيت والتفرقة، بعيدًا عن قضايا الأمة الحقيقية والمصيرية»، كما يؤكد المؤلف. كتاب مهم ينبغى لكل سياسى وممارس للعمل والخدمة العامة الانتباه لمضمونه.