القاهرة : الخميس 20 سبتمبر 2018
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
تقارير ومتابعات
الجمعة 20/يوليه/2018 - 07:42 م

رأيت الموت فى «شاطئ النخيل»

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية
رانيا حلمى
dostor.org/2256833

تدفعك رغبتك فى قضاء وقت ممتع برفقة عائلتك الصغيرة إلى كتابة «طلب إجازة» من العمل، تراودك أحلام الاستجمام طوال العام، إلا أنك تفضل دائمًا انتظار حلول موسم الصيف بفارغ الصبر.
تبدأ الاستعداد للرحلة التى تتوقع لها أن تجدد نشاطك وحيويتك، لتستمد منها طاقة تتيح لك تحمل «سخافات» العمل لعام آخر، لكنك لا تدرى أنها قد تكون رحلتك الأخيرة فى الحياة، تلك الرحلة التى لا عودة منها على الإطلاق.
هذا المشهد أصبح متكررًا فى كل عام مع توافد المصطافين على شاطئ النخيل الواقع غرب الإسكندرية، فالأرقام المفزعة لحالات الغرق هناك تكشف لماذا سمى هذا الشاطئ بـ«شاطئ الموت».
أصبح هذا هو لسان حال عدد كبير من رواد شاطئ النخيل الواقع غرب محافظة الإسكندرية، مشهد ثابت ومتكرر يبدأ مع توافد المصطافين على «عروس البحر المتوسط»، الأرقام المفزعة لعدد حالات الغرق، تعكس سبب تسمية الشاطئ بـ«المقبرة الجماعية»، فاليوم الواحد قد يشهد غرق ٨ أشخاص، مثلما حدث قبل أيام.
فى ٢٠١٦، انتشرت العديد من الدعوات المطالبة بغلق شاطئ النخيل، بعد غرق ٦ أشخاص خلال موسم عيد الفطر، ودشن البعض حملة على مواقع التواصل الاجتماعى بعنوان «أغلقوا شاطئ النخيل»، فيما دافعت إدارة جمعية «٦ أكتوبر» المسئولة عن الشاطئ آنذاك، عن وسائل الأمان واللوحات الإرشادية المُعلقة فى كافة الأرجاء.
وخرج العميد محمود عبدالحميد، عضو مجلس إدارة الجمعية، ليؤكد أن الشاطئ يستقبل قرابة المليون ونصف المليون مواطن، خلال أيام العيد الثلاثة فقط، وأن الجمعية التزمت بتوفير كافة وسائل الأمان.
وعقب تكرار الأزمة هذا العام، انتقلت إلى شاطئ النخيل، بالإسكندرية، للوقوف على الأسباب الحقيقية لتكرار حوادث الغرق التى تطارد رواد «جمعية ٦ أكتوبر»، فوجدنا شبه إجماع على أن وجود ثغرات بين الأحجار المكونة لحاجز الأمواج الموجود بالشاطئ ما يتسبب فى غرق النزلاء.
وقال بعض المواطنين المتواجدين على الشاطئ إنهم أتوا إلى هنا دون علم مُسبق بشأن حالات الغرق، وإلا لكانوا اختاروا لأسرهم مصيفا أكثر أمانا، بينما رأى البعض الآخر أن الشاطئ وفر عددا كبيرا من المُنقذين والعلامات الإرشادية التى تحدد الساعات المُقررة للسباحة، مؤكدين أن بعض المصطافين يغضون الطرف عن هذه الإرشادات ويسبحون فى المياه خلال أوقات محظور السباحة فيها، مثل الفجر وبعد المغرب.
«هل الحواجز الصخرية مبنية على قواعد هندسية صحيحة؟».. سؤال طرحه عبدالسميع محمد، أحد رواد الشاطئ ومالك وحدة سكنية بالجمعية، بعدما أكد أنه لولا امتلاكه لتلك الوحدة ما بقى فى المكان ليوم واحد، مطالبا إدارة الشاطئ بتوفير سبل الأمان للمصطافين.
فيما قال بلال محسن، مواطن سكندرى، إنه اعتاد الذهاب لشاطئ النخيل كل عام، منذ ١٥ سنة، لأنه يتسم بطبيعة خاصة، مرجعًا تكرار حوادث الغرق إلى قرب الشاطئ من بوغاز الإسكندرية وميناء الدخيلة، ما يخلق العديد من الدوامات، إضافة إلى الأمواج المرتفعة والتى تتسبب فى «سحب» السباح ومن ثم غرقه.
وأشار «محسن» إلى أن كثرة حالات الغرق سببها أيضًا أن معظم رواد الشاطئ من غير السكندريين، الأقل خبرة من أهل المدينة فى إجادة السباحة، مضيفا أن الأمر يتكرر كل عام، والحديث عنه يُثار فى الصيف دائما، وتخرج تصريحات حول إغلاقه إلا أنه يستمر فى استقبال المصطافين لإزهاق أرواحهم.
بينما ترى نجاة السيد، إحدى رواد الشاطئ، أن الضجة الإعلامية وما يُنشر على موقع التواصل الاجتماعى «فيسبوك» يُعطى الأمر أكبر من حجمه، مرجعة كثرة حالات الغرق للسلوكيات الخاطئة من المواطنين، وأن معظم الشباب يرفضون الانصياع لنصائح عمال الإنقاذ واللوحات الإرشادية ويسبحون فى المياه ليلا وبعد حاجز الأمواج.
وعلى الشاطئ، يجلس صلاح، أحد المنقذين، فوق مقعد خشبى مُثبت على قوائم حديدية، متابعا العشرات من السابحين بعينيه، فى محاولة لالتقاط أى إشارة من يد تطلب الاستغاثة، يقول لـ«الدستور» إنه يعمل منقذًا بالشاطئ، وطالما يُحذر المتواجدين فى المياه عن طريق صافرته، إلا أن البعض لا يستجيب لتلك التحذيرات، ويصمم على نزول المياه فى المناطق المعروفة بخطورتها.
وأضاف: «بعض المواطنين يتعاملون مع التعليمات وكأنها حبس لحرياتهم فى قضاء إجازة المصيف، فأثناء محاولته لمنع أسرة من النزول إلى المياه بعد غروب الشمس، فوجئ برفض الأب لتعليماته، وأخبره بأنه لم ينفق كل هذه الأموال ليمنعه أحد من النزول للمياه».
واتفق سائق الـ«جيت سكى» المسئول عن إنقاذ الغارقين، مع ما قاله صلاح، مؤكدًا أن سلوكيات المصطافين هى أكثر ما يرهقهم، وأنه يُفاجأ بتعليقات البعض على التعليمات، حتى إن أحدهم قال له ذات مرة: «لو غرقت ملكش دعوة بيا».
وعن عدد العاملين فى الشاطئ، قال: «يعمل هنا ٢٨ فردًا، بموجب ٢٣ مُنقذا، و٢ مشرفين، و٣ سائق جيت سكى، على مساحة ١٨٥٠ مترًا، يبدأ عملهم فى الثامنة صباحا وينتهى مع غروب الشمس، ومعظمهم جاءوا من سوهاج، أفقر محافظات مصر، وأن ما يُنشر حول الغرق يسبب ضررًا كبيرًا لهم فى موسم عملهم».
وفى ٢٠١٦، بعدما نُشر حول تسبب حاجز الأمواج فى ابتلاع الشاطئ للمواطنين، خرج اللواء أحمد حجازى، رئيس الإدارة المركزية للسياحة والمصايف، وطالب جمعية ٦ أكتوبر، المسئولة عن الشاطئ آنذاك، بموافاته بالأوراق والدراسات الخاصة بإنشاء حواجز الأمواج الموجودة فى الشاطئ، للتأكد من سلامة إنشائها.
وبعد ذلك، أعلن «حجازى» تشكيل لجنة هندسية لمتابعة حالة الحواجز، وتم حل مجلس إدارة جمعية ٦ أكتوبر، بعد اكتشاف تأجيرهم للشاطئ من الباطن، فى ١٥ أبريل ٢٠١٧، وتم طرح الشاطئ فى مزاد علنى بنظام الخدمة لمن يطلبه، بعد إعداد كراسة الشروط الخاصة بذلك، إلا أنه وحتى الآن لم يطرح الشاطئ للمزاد العلنى.
ونشرت الإدارة المركزية للسياحة والمصايف بالإسكندرية على صفحتها بموقع التواصل الاجتماعى «فيسبوك»، نعيا لأسر غرقى الشاطئ، الذين لاقوا حتفهم فى الأيام الماضية، وطالبت المواطنين بعدم النزول إلى الشاطئ فى غير المواعيد المُعلنة حتى لا يتكرر حادث الغرق.
وأكدت الإدارة أن دورها يتلخص فى الإشراف الفنى على الشاطئ من حيث توافر عدد المنقذين وذلك بوجود منقذ كل مائة متر، إذ يوجد بالقرية ٢٨ منقذًا ووسائل إنقاذ سريع مثل «الموتوسيكلات المائية» ولوحات إعلانية توضح حالة البحر من حيث إمكانية النزول أو عدمه، وأبراج مراقبة ونقطة إسعاف بها طبيب وعربة إسعاف، تتولى المحافظة الرقابة عليها.
أما دور محافظة الإسكندرية، فانحصر فى تحذير المواطنين من النزول إلى شاطئ النخيل، لأنه من الشواطئ التى تحمل درجة خطورة عند ارتفاع الأمواج، وأعلن الدكتور محمد سلطان، المحافظ عن نيته غلق الشاطئ بعد ارتفاع أعداد حالات الغرق، مرجعا كثرتها لسرعة الأمواج والدوامات وعدم التزام المواطنين بتعليمات السباحة.

ads
ads