القاهرة : الإثنين 16 يوليه 2018
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
الأربعاء 11/يوليه/2018 - 05:55 م
ماجد حبته
ماجد حبته

بريطانيا.. بين «أحلام» الأسود و«كوابيس» الثيران!‏

dostor.org/2245726

الأربعاء، يحاول منتخب الأسود الثلاثة، منتخب بريطانيا لكرة القدم، تحقيق حلمه المؤجل منذ سنة ١٩٦٦ بالوصول إلى نهائي كأس العالم. وعلى عكس مباراته مع منتخب السويد، في دور الثمانية، ربع ‏النهائي، التي قدم فيها المنتخب البريطاني أداء دفاعيًا صلبًا، يتوقع الخبراء (ولست منهم) أن تكون المواجهة مع منتخب كرواتيا، أكثر صعوبة. والتوقع نفسه ينسحب على تيريزا ماي، رئيسة الحكومة ‏البريطانية، التي نجحت، إلى الآن، في الحفاظ على موقعها، بدفاعها الصلب عن رؤيتها للانفصال الناعم عن الاتحاد الأوروبي، لكن ما زالت أمامها مواجهات صعبة مع عدد من أسود (أو ثيران) حزبها، ‏حزب المحافظين، قد تطيح بها، قبل المؤتمر السنوي للحزب، أو خلاله، أو بعده بقليل!.‏

حالة جماهيرية صاخبة، في بريطانيا، أحدثتها مشاركة منتخب الأسود الثلاثة، وحققت مبارياته نسب مشاهدة قياسية. لكنها لا تُقاس بتلك الحالة التي أحدثها المنتخب الكرواتي، مفاجأة مونديال روسيا ‏‏٢٠١٨، وحركات رئيسة كرواتيا، «كوليندا جرابار- كيتاروفيتش» التي خطفت الأضواء، وكان لها النصيب الأكبر من «هبد» الهابدين، وزياط «الزياطين»، بزعمهم أنها أحدثت طفرة سياسية واقتصادية في ‏بلادها، مع أنها ترأس ولا تحكم، بعكس «تيريزا ماي»، التي غابت عن بال وخاطر هواة «الهبد» و«الزياط»، كما غابت عن المونديال بسبب توتر علاقاتها مع روسيا، ولانشغالها بمباريات أخرى داخل ‏حزبها، وداخل مجلس العموم، أو البرلمان البريطاني.‏

مباراة نصف نهائية أخرى، خاضتها «ماي»، فازت فيها بأن تجنبت الإطاحة بها من الحكومة ومن قيادتها للحزب الحاكم، لكن ما زالت أمامها مباراة أخرى مع بوريس جونسون، وزير خارجيتها السابق، ‏وديفيد ديفيز، وزير شئون «بريكست»، السابق أيضًا، وكلاهما استقال بعد ظهر الإثنين، بسبب خلافهما مع رئيسة الحكومة حول رؤيتها لـ«بريكست» ورغبتها في الانفصال «الناعم» عن الاتحاد الأوروبي. ‏واتهما «ماي» بأنها تسير ببريطانيا نحو «نصف بريكست» وستحولها إلى «مستعمرة للاتحاد الأوروبي». قال الأول إنه يخشى أن يكون حلم خروج بلاده من التكتل الأوروبي «في مرحلة الموت». وقال ‏الثاني إن «ماي» تقدم كثيرًا من التنازلات بسهولة.‏

استقالة جونسون وديفيز، جاءت بعد ٧ استقالات من الحكومة البريطانية، منذ الانتخابات التشريعية الأخيرة في يونيو ٢٠١٧. لكن «ماي» امتصت الصدمة بسرعة، وعقدت اجتماعًا لمجلس الوزراء، ‏الثلاثاء، بحضور وزير الخارجية، ووزير شئون «بريكست» الجديدين، جيريمي هانت ودومنيك راب. والأول كان من الداعين لبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي قبل أن يغير موقفه ويدعم بريكست ‏‏(الخروج من الاتحاد الأوروبي). أما الثاني فكان، ولا يزال، من المشككين في جدوى الاتحاد الأوروبي من الأساس. وبعد الاجتماع كتبت «ماي» في حسابها على تويتر: «جرى عقد اجتماع وزاري مثمر ‏هذا الصباح، نتطلع لأسبوع مزدحم». ‏

الاستقالتان كانتا الموضوع الأبرز في الصحف البريطانية، الثلاثاء. وكان التناول الأطرف من نصيب جريدة الـ«تايمز» التي ذكرت أن استقالة جونسون «لم تكن مفاجئة ولا مؤسفة»، ولم تفتها الإشارة ‏إلى أنه كان يعمل صحفيًا بها، وأقيل بسبب «فبركاته». بينما دافعت جريدة الـ«تلجراف» عن قرار جونسون، ودعت تيريزا ماي إلى مراجعة استراتيجيتها. ومع أن جريدة الـ«ديلي ميل» المؤيدة ‏لـ«بريكست»، ذكرت أنها «تتفهم خيبة أمل أنصار الانفصال التام عن الاتحاد الأوروبي وتشاركهم فيها»، إلا أنها حذرت من مخاطر زعزعة استقرار الحكومة في هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها ‏بريطانيا، والتي يتحتم عليها الخروج من الاتحاد الأوروبي في مهلة أقل من ٩ أشهر. والتحذير نفسه طرحته جريدة «فاينانشال تايمز» التي ذكرت أنه «لم يبق سوى بضعة أسابيع لإتمام المفاوضات حول ‏الخروج من الاتحاد الأوروبي. إنها لحظة حاسمة للبلاد».‏

جونسون، ذو الأصول التركية، كان صحفيًا في جريدة الـ«تايمز» التي استغنت عن خدماته بسبب فبركاته، فاتجه للعمل السياسي وأصبح كادرًا مهمًا في حزب المحافظين وتم انتخابه عام ٢٠٠١ نائبًا في ‏مجلس العموم، ثم اختير متحدثًا باسم الحزب ووزير دولة مكلفًا بالفنون، وفي سنة ٢٠٠٤ تم فصله من موقع المتحدث بسبب كذبه، ولذات السبب اضطر إلى الاستقالة من الوزارة. ومع ذلك واصل مسيرته ‏السياسية وكان قاب قوسين من رئاسة الحكومة بعد دوره في حملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وفوق أنه كاذب، وسيئ السمعة، فإن له تصريحات «عبيطة» كثيرة، تسببت في العديد من الأزمات ‏داخل بريطانيا وخارجها.‏

لم يشارك جونسون في اجتماع وزراء خارجية دول البلقان، الإثنين والثلاثاء، في لندن. وتزامنت استقالته مع مشاركة بريطانيا في عدد من الأحداث الدولية المهمة؛ أبرزها قمة حلف شمال الأطلسي ‏‏«ناتو»، التي انعقدت الأربعاء، في العاصمة البلجيكية، بروكسل، بالإضافة إلى زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لندن، التي من المقرر أن تبدأ الخميس. والحدثان، قمة الناتو وزيارته لندن، استبقهما ‏‏«ترامب» بصفعة مزدوجة وجهها إلى «ماي» والاتحاد الأوروبي، بتغريدة كتبها في حسابه على «تويتر» أشاد فيها بـ«صديقه» بوريس جونسون، وزير الخارجية البريطاني المستقيل، سبقتها حرب تغريدات ‏أمريكية- أوروبية كان طرفاها الرئيس الأمريكي ودونالد توسك، رئيس المجلس الأوروبي!. ‏

مع استقالة جونسون، وديفيز، استقال أيضًا ستيف بيكر، الوزير بوزارة شئون الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، ثم نائب رئيس حزب المحافظين، بن برادلي وماريا كولفيلد. غير أن كل هذا الصخب، لم ‏يغير المعادلة الحسابية في مجلس العموم (البرلمان البريطاني)، ولا يزال عدد أنصار الانفصال الحاد والكامل غير كافٍ لسحب الثقة من «ماي»، أو لفرض رؤيتهم لـ«بريكست». إذ إن النظام الداخلي ‏للحزب يشترط موافقة ٤٨ نائبًا، على الأقل، لرفع طلب سحب الثقة إلى اللجنة المسئولة. وحال موافقة اللجنة، فإن إسقاط الحكومة يتطلب موافقة ١٥٩ نائبًا محافظًا، من أصل ٣١٦، ومع صعوبة ذلك، إلا ‏أنه ليس مستحيلًا لو تحققت احتمالات أو توقعات استقالة أعضاء جدد في الحكومة، ولو صدقت التهديدات التي نقلتها جريدة الـ«جارديان» عن وزراء، طلبوا عدم نشر أسمائهم، بأن الاستقالات «ستتواصل ‏تباعًا، واحدة تلو الأخرى، إلى أن يتم التخلص من خطة «بريكست» التي أقرتها حكومة «ماي»، الجمعة، أو إلى أن يتم التخلص من «ماي» نفسها. ‏

في اجتماع الجمعة، عرضت «ماي» رؤيتها التي كانت الدول الـ٢٧ تنتظرها بفارغ الصبر. وبعد الاجتماع زعمت في بيان صدر عن مكتبها أنها توصلت إلى اتفاق وتغلبت على انقسامات حكومتها وأن ‏المناقشات المفصلة انتهت إلى تصور جماعي أو توافق في الآراء بشأن خطة جديدة تتعلق بعلاقة بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي في المستقبل بعد مغادرته العام المقبل، تتلخص في إنشاء منطقة للتجارة الحرة ‏تؤسس لقاعدة مرجعية مشتركة للسلع الصناعية والمنتجات الزراعية، تضمن أن تكون جميع السلع مصنوعة وفقًا لمعايير الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى نموذج جديد للجمارك يرضى قطاع الأعمال ويتيح ‏لبريطانيا حرية عقد اتفاقات تجارية جديدة حول العالم. ‏

مؤشرات كثيرة، تقول إن الإطاحة بـ«ماي» صارت وشيكة، وإنها قد تحدث قبل المؤتمر السنوي للحزب، أو خلاله، أو بعده بقليل. ليس فقط بسبب رؤيتها لـ«بريكست»، ولكن أيضًا لأن المحافظين ‏يريدون مواجهة خطر وصول جيريمي كوربين، رئيس حزب العمال، إلى رئاسة الحكومة في الانتخابات العامة المقبلة، وهو خطر قائم بالفعل. كما أنه ليس بعيدًا أو مستبعدًا أن تحدث دوامات وتقلبات ‏وانقلابات في صفوف حزبي بريطانيا الرئيسيين، المحافظين والعمال، يختفي فيها نجوم، ويصعد خلالها بدلاء آخرون، ربما بصفقات مع مخضرمين في بروكسل سيحاولون الدفاع عن وحدة الاتحاد ‏الأوروبي، وتجنب التبعات السلبية للطلاق البريطاني- الأوروبي التي ستؤثر، قطعًا، على الجوانب السياسية، العسكرية، المخابراتية، الاقتصادية، القانونية، الاجتماعية، البيئية، وغيرها.‏

مع كل ذلك، فإن عقول البريطانيين، قبل قلوبهم، في ملعب «لوجنيكي» بالعاصمة الروسية موسكو. بالضبط، كما غطّى وصول منتخب فرنسا إلى نهائي المونديال، على الاحتجاجات وأعمال العنف التي ‏استمرت أسبوعًا تقريبًا، وتخطت نطاق مدينة «نانت» ووصلت إلى العاصمة باريس، إثر مقتل شاب (٢٢ سنة) برصاص رجل شرطة. وكما ابتلع فوز «منتخب الديوك» أيضًا، مقتل جندي فرنسي وإصابة ‏آخر بجروح خطيرة، الثلاثاء، في تحطم مروحية عسكرية فرنسية قرب أبيدجان، العاصمة الاقتصادية لساحل العاج!.‏


ads
ads
ads