رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

ابن يوسف السباعي: اغتاله الفلسطينيون نكايًة في السادات

يوسف السباعي والسادات
يوسف السباعي والسادات

فى ذكرى ميلاد الكاتب الراحل يوسف السباعي الـ101، التقت "الدستور" أسرة فارس الرومانسية، صاحب "رد قلبي" و"إني راحلة" المثال الحي للإنسانية في أجمل معانيها، فهو الأب والأخ والابن والزوج والصديق، والقائل "خير الناس أعذرهم للناس"، لذلك لن تجد له عدوًا، وللتعرف أكثر على ملامح هذه الشخصية الفريدة توجهنا إلى بيته حيث استقبلتنا حديقته التى ضمت أشجارًا نادرة، لنلتقى ابنه إسماعيل، وزوجته منى الجمال.

تقول منى الجمال، زوجة إسماعيل يوسف السباعي، "أونكل يوسف كان بيحب زراعة الأشجار والزهور منذ أن كان في الكلية الحربية، حتى أنه زرع في القوشلاق أشجارًا بعرض الطريق، وكلما مررنا من هذا الطريق يقول إسماعيل (دا الشجر اللي بابا زرعه)، فهو من زرع وصمم حديقة منزلنا وحديقة منزله، وبنى بيتنا أمام بيته، وكانت المانوليا من الأشجار النادرة جدًا التي زرعها في الحديقة".

وأضافت منى أن يوسف السباعي لم يكن يتعلق بشيء مادي كقلم أو كتاب، فكان يكتب بأي قلم، ويجلس على كنبة مريحة وليس على مكتب، أي ليست له متعلقات شخصية يتعلق بها، وكانت مشاعر البشر لديه أهم من فقدان الأشياء المادية وإن كانت ثمينة.

وتروي منى، "ذات يوم كسرت بدون قصد أبريق كريستال كانت أمي أهدته لي فحزن لأني حزنت، وعندما فقدت طنط دولت، زوجة يوسف السباعي، فص خاتمها حزنت كثيرًا، فحزن لكونها حزينة لأن في نظره ضياع أي شيء مادي لا يساوي لحظة حزن يشعر بها إنسان لدرجة أنه قال لها (لو لقيته هكسره بالهون)، لأنه لا يستحق حزنها".


واجه الموت بتبسيطه في أدبه
يقول إسماعيل السباعي، ابن الراحل يوسف السباعي، "إن وفاة جدي محمد السباعي هي أهم أسباب تفكيره في ماهية الموت، فانعكس ذلك على كثير من أعماله الأدبية، وظل يقرب فكرة الموت ليجعلها بسيطة، حتى كتب أن الموت كأنه نوم وراحة، ومسألة التبسيط تلك هي نوع من مواجهة الموت، فكان يواجهه بمحاولة تبسيطه، ولم يكن يشغله عن إنتاجه الأدبي سوى مشاغله الكثيرة".

ويضيف إسماعيل، "أطلق توفيق الحكيم على أبي لقب (رائد الأمن الثقافي)، وأذكر أنه سمع إشاعة بأنهم سيأخذ الكتاب والمثقفين إلى الجبهة، وقيل له (يوسف السباعي هياخدك)، فرد الحكيم (لو هياخدني هيجيب لي فنجان قهوة، ويوجه مدفع الدبابة على الاتجاه البحري)".

ونوه إسماعيل إلى أن السباعي لم يكن له مكان محدد يكتب فيه، فكان يكتب ويبدع في أي مكان، فمثلًا كانت يرش القوشلاق بالماء لترطيبه، ثم يجلس ويكتب.


أبي مزيج بين الواقعية والرومانسية
يقول إسماعيل، "جمع أبي في أدبه بين الواقعية والرومانسية وكانت شخصيته في الواقع تجمع بين كلاهما أيضًا، ففي الناحية الواقعية كان منضبطا عمليا قادر على حل المشكلات، ومن أكبر مآسي حياته وفاة أبيه في سن صغير، أما على الجانب الآخر فهو رقيق القلب حنون يحتوي الجميع على السواء، لا يستهين بمشاكل الصغار أو عواطفهم، ويضعها في الاعتبار كما يضع مشاكل الكبار، ويشعر كل فرد بأنه ذو قيمة، وهو ما جعله أول شخص يلجأ إليه كل أفراد عائلتنا بداية من الكبار حتى المراهقين والأطفال، خصوصًا مشاكل القلوب، ويحاول تقريب وجهات النظر بينهم، أما أكثر من تعلق به من أطفال العائلة وقتها هو عبد الوهاب ابن شقيقتي (بيسا)، فرغم مشاغله الكثيرة كان يعود للمنزل، فى الـ9 مساءً، ويشاركنا وقت الغداء ليتناول الغداء معنا ثم يعود لعمله".

وتلتقط منى أطراف الحديث، قائلة: "حين يأتي معاد العشاء كان يجلس معنا ولا يتناول سوى الفاكهة، لأنه لم يكن يحتمل أي أكلات دسمة على العشاء".


إذا خُصم لموظف عوضه من جيبه
تقول منى: "كان إنسانًا فى غاية اللطف والعطف والحنان، وكان يتصف بالحلم إلى أقصى درجة، ويلتمس الأعذار للآخرين، وفي أقصى حالات غضبه ممكن يقول (يا سخيف)".

ويضيف إسماعيل، "كنا نخشى أن نغضبه ليس خوفًا منه بل خوفًا على شعوره، فقد كان حليمًا صبورًا جدًا ويمتص الغضب حتى مع خصومه، ويعذر الناس ويقول (أحسن الناس أعذرهم للناس)".

وتعلق منى، "كان يلتمس ألف عذر ويقول (لو كنت مكانه ربما فعلت مثله، ولا تنتقد تصرف أحد لم تضع نفسك مكانه)".

ويتابع إسماعيل: "بالرغم أنه كان منضبطا ويصل إلى عمله فى الـ8 صباحًا، إلا أنه لم يفرض ذلك على العاملين معه أبدًا، حيث كانوا يصلون مكاتبهم فى الـ10 صباحًا، لأنه يرى أن العمل لابد أن يكون بلا ضغط نفسي، وإذا عاقب أحدهم بخصم مالي، يرجع له قيمة الخصم من ماله الخاص، كما كانت الواجبات الإنسانية أهم لديه مليون مرة من أي التزامات عمل".

وتؤكد منى، قائلة: "حين أجرت أمي عملية في القلب، بعد زواجي من إسماعيل، كانت أول زيارة للاطمئنان عليها في بيت أبي هي زيارة أونكل يوسف.. أتذكر أن جرس الباب دق في تمام الـ8.30 مساءً، ففتحت الباب لأجده أمامي للاطمئنان على صحتها والوقوف إلى جانبي".

والدي ديمقراطيًا
يقول إسماعيل: "كان أبي متفتح العقل مستنيرًا ومحافظًا في نفس الوقت في تربيته لنا، أذكر أننا كنا نذهب المدرسة أنا وبيسا يوم الجمعة وهو يوم إجازته، فكنا نحزن كثيرًا أننا لا نبقى معه في هذا اليوم، فحتى نشعر بالحزن لكون الجمعة يوم إجازته بينما يوم دراسي لنا، كان يرتدي بدلته ويتهيأ كأنه ذاهب لعمله، وكنا في الطابق العلوي فينزل للطابق الأرضي ويدخل مكتبه، فكنا نعتقد أنه ذاهب لعمله، ونذهب نحن للمدرسة مقتنعين بذلك، حتى علمنا فيما بعد أنه يفعل ذلك مراعاة لمشاعرنا".

وأضاف إسماعيل: "والدي كان ديمقراطيًا معنا لم يفرق في معاملته وتربيته بيني وبين شقيقتي بيسا أبدًا، دللنا كثيرًا وكان يستمع إلينا ونحتكم له دائما، ولكن الفرق الوحيد هو مرافقته لشقيقتي بيسا في كل مكان، فمثلًا عندما تذهب لصديقاتها لابد أن يرافقها أحد منا، وكذلك إذا ذهبت إلى السينما كان يرافقها، ليس رقابة فقد منحنا ثقته، لكن لأنه كان يخاف عليها كثيرًا".

وذكرت بيسا، والدها الراحل يوسف السباعي، في حوار لها، ما يؤكد ذلك، عندما قال لها: "أنتِ زهرتي الحلوة التي أخاف عليها من تقلبات الحياة، يا ليتني أستطيع أن أضعك في حديقة خاصة محاطة بالزجاج وتحتوي على الهواء النقي والإضاءة اللازمة لنموها بعيدًا عن أتربة الجو وملوثاته".


دولت السباعي: شعرت أني فقدت ابني وليس فقط زوجي
يؤكد إسماعيل أنه بالرغم من أن والده كان متفائلًا دائمًا، ولا يظهر عليه الهموم إلا أن أكثر ما كان يؤلمه هو موت الأبناء، فعندما مات ابن أحد أصدقائه انفطر قلب أبي بشدة، أما عندما اغتيل أبي انفطر قلبي أمي وقالت، "شعرت أنني فقدت إبني، وليس فقط زوجي".

وتعلق منى: "إن الحب بين يوسف ودولت السباعي عظيمًا وفريدًا في الوقت ذاته، حتى أنها أحبته كزوج وكإبن، وبعد اغتياله مكثت في شبه عزلة لا تتكلم وترتدي الأسود لسنوات طويلة، وظلت لا تحضر أفراح أو أي مناسبات سعيدة، ولم تخرج من عزلتها قليلًا ولم تتكلم كثيرًا إلا عندما بدأت تجلس مع بناتي دينا ودولت".

سفر أبي كان كارثة لأمي
يقول إسماعيل: "كانت تجربة السفر لبلدان مختلفة تجربة ثرية بالنسبة له، لكنه لا يمكث الوقت الكافي للراحة والاستمتاع، فكان يدعى لمؤتمر مدته مثلًا 3 أيام، يقضي أغلبهم في العمل، وكان من الممكن أن يحول تجاربه في السفر إلى كتب، وقد سجل بعضها في كتابه (طائر بين محيطين)".

ويذكر إسماعيل، "كان سفر أبي كارثة بالنسبة لأمي، فهي تخاف كثيرًا أن يصيبه مكروه، مما يسبب لها الحزن والضيق والقلق، لذا كان يخفي عليها ميعاد سفره ولا يخبرها بميعاد رجوعه، كان يحاول أن يؤجل قلقها وحزنها قدر الإمكان، وكان يحاول تهدئتها مستخدمًا عدم معرفتها بالجغرافيا، فكان مثلًا إذا سافر إلى غينيا، يقول لها (غينيا قريبة منا جدًا)".

وتؤكد منى، قائلة: "استمر قلق طنط دولت على أحبائها حتى وفاتها، وكانت بيدها حقيبتها جاهزة وهي مستعدة دائمًا للبحث عن أي منا إذا قلقت على أحدنا، فذات يوم اتصلت بنا ولم نرد، ففزعت وأسرعت من بيتها بمصر الجديدة لتأتي إلينا في المقطم لتطمئن أننا بخير، وفوجئنا بها تطرق الباب في الـ12 ليلًا، لترانا فقط وتتأكد بنفسها أننا لم يصيبنا مكروه".