رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
السبت 05 ديسمبر 2020 الموافق 20 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

بالفيديو.. "لا مجال للرفاهية" شعار أطباء المستشفيات الحكومية

الأحد 17/يونيو/2018 - 04:59 م
صورة من الحدث
صورة من الحدث
محمد حيدر
طباعة
فتاة فاقدة للوعي يحملها والدها المسن، ويهرع رجال الأمن إلي مساعدته في إدخالها إلي المستشفى، وطبيب عظام يلتف أهالي المرضي حوله أملا في طمأنتهم علي حالات ذويهم، وطبيب آخر يختل توازنه ويفقد وعيه من قلة النوم، فهو لم ينم منذ يوم الخميس (وقفة عيد الفطر) إلي ثالث أيام العيد...

هذا هو المشهد عند الدخول إلي مبني مستشفي جامعة طنطا في ثالث أيام عيد الفطر المبارك، والتي تشهد تكدسا رهيبا من الحالات الصعبة يوميا، وهي عبارة عن مبني وحيد يعود عمره لـ26 عاما مضت، مسؤول عن الحالات الطارئة في أربعة من أكبر محافظات الجمهورية، وهي: الغربية، والمنوفية، والبحيرة، وكفر الشيخ، لذلك نري أن طاقم العمل دائما في حالة تأهب لأي ظرف مفاجئ قد يطرأ علي المستشفى.

"هالة محمد"، طبيبة جراحة بمستشفي الطوارئ الجامعي بمدينة طنطا، تتحمل أعباء لا يمكن وصفها بالكلمات في عملها، خاصة أنها طبيبة مقيمة، أي تقضي معظم يومها بالمستشفي وتعود إلى منزلها للنوم فقط لتستيقظ بعد ساعات قليلة وتعيد الكرة مرة أخري، وليس لديها وقت للاحتفال بالأعياد مثل باقي المواطنين أو التنزه والترفيه، فقد كرست حياتها لخدمة المرضي والمصابين وتواجه يوميا مشاحنات من الأهالي الذين لا يقدرون مدي الضغط الواقع علي قسم الطوارئ لرغبتهم في توفر الخدمة المتميزة في كل الأوقات دون مراعاة العدد الكبير من الحالات التي يجب إعطاؤها الأولوية أو احترام أسبقية الحجز أو حتي مراعاة ضيق وقت الطبيب.

وهناك مشاكل متعددة تواجهها ولا تستطيع أن تحرك ساكنا لأن الأمر خارج عن إرادتها، مثل عدم توفر أماكن فارغة بالعناية المركزة، الأمر الذي كثيرا ما يؤدي إليّ مشاحنات قد تصل إلي شتم أو ضرب الطبيب المعالج، وقد تداعي إليّ ذاكرتها أحد المواقف الذي ترك أثرا سلبيا في نفسيتها وهو قدوم حالة ليس لها تشخيص طبي في قسم الطوارئ ولا تحتاج إليّ عناية أو تنفس صناعي أو أي شكل من أشكال العلاج الطارئ، وعندما نصحتهم الطبيبة بتحويلها إليّ قسم الأمراض النفسية والعصبية لأنها شكت في وجود سبب نفسي دفعها إليّ ادعاء المرض، قام أهل المريضه بالتقليل من قدرة الطبيبة والتسفيه منها.

"إحنا زي اللي فالجيش فعلا" هكذا وصفت الطبيبة "هالة " عملها، فلا وقت لديها للزيارات أو الشعور بفرحة العيد أو حضور أفراح ومناسبات وغيرها الأمر الذي جعل من غيابها شيئا طبيعيا بالنسبة لأهلها وأصدقائها، فجدول عملها يشمل 5 أيام بالأسبوع وعدد ساعات العمل 12 ساعة، ويتم تبديل الشيفت بين الصباحي والمسائي، ورغم قسوة الوضع إلا أنها تري نفسها في وضع تحسد عليه، فهناك أطباء يعملون لمدة 30 ساعة متواصلة، وآخرون يذهبون إليّ المنزل يوما واحدا فقط بالأسبوع.

حتي ليالي رمضان التي يعتبرها الناس وقتا للمرح والتنزه، لم تكن سوي أوقات صعبة وحابسة للأنفاس نظرا للضغط المهول الذي لا يشهد قسم الطوارئ له مثيلا بالأيام العادية، نظرا لتكدس الشوارع بالمواطنين أيام شهر رمضان والمناسبات، فإن الاحتكاك يؤدي إلى وقوع حوادث كثيرة. وتذكر الطبيبة حالة الطفل الذي اختراق سيخ حديد جمجمته وحضر الي قسم الطوارئ قبل الإفطار في أول أيام شهر رمضان، الأمر الذي جعل الأطباء يهرعون إليّ إنعاشه وإجراء عملية جراحية سريعة له، ونسوا أمر الصيام والإفطار.

"من كتر الحالات الصعبة اللي بشوفها ما اقدرش أقولك إن في حالة معينة هي الأصعب"، كلمات قليلة لكنها كافية لوصف مدي سوء المشاهد التي تقع عيون الأطباء عليها يوميا، فهم معرضون لرؤية أشلاء ودماء لأشخاص تدهسهم القطارات والسيارات ومجبرون علي التعامل معها ومحاولة إنقاذها بشتي الطرق الممكنة.

أما أهالي المرضي فليس لديهم أدني فكرة عن مقدار التعب والضغط الذي يعانيه طبيب الطوارئ، أو ما هي الإمكانيات المتاحة، فهم يرجعون أي تقصير في الخدمات إلى الطبيب نفسه كأنه هو المسؤول عن إدخال وإخراج الحالات، ولا يصدقون أي تبريرات تقدم لهم، ويرفضون أي قرار يأتي عكس رغبتهم، لكن الواقع أن الطبيب مجرد حلقة في سلسلة النظام بالمستشفي وليس من حقه اتخاذ قرار منفرد أو أن يتخطي باقي حلقات النظام.

أما عن أول حالة وفاة قابلتها الطبيبة "هالة"، فكانت لطفل عمره لا يتعدي 6 سنوات، أصيب في حادث سير وباءت كل محاولات إنعاشه بالفشل، ولم تستطع الطبيبة منع دموعها عند رؤية صدمة والد الطفل، فأخذت تبكي بشدة إثر هذا الموقف، وأول حالة تعاملت معها علي الإطلاق عند بدء عملها بالمستشفي كانت لشاب مصاب بحادث قطار، انفصلت قدمة عن جسده كليا، فكانت هذه المرة الأولي التي تري فيها كل هذا الكم من الدماء، ما جعلها تفقد الوعي، لكنها بدأت تتخطي الأمر تدريجيا وتتماسك حتي تستطيع تقديم المساعدة للمرضي.

والسبب في كونها تتمسك بالعمل الحكومي رغم عدم وجود تكافؤ بينه وبين العمل الخاص في المرتب، هو تكامل وترابط الأقسام معا، ما يقصر الطريق علي المريض في تشخيص مرضه ويسرع من رحلة علاجه.

الكلمات المفتاحية