القاهرة : الثلاثاء 21 أغسطس 2018
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
الثلاثاء 12/يونيو/2018 - 10:17 م
محمد العسيري
محمد العسيري

سيد إسماعيل.. رجل الكذبة الخالدة

سيد إسماعيل.. رجل
dostor.org/2208121

قبل وفاة الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودى بعامين تقريبًا كنت فى بيته الريفى بقرية الضبعة بالإسماعيلية.. عزمنى الخال على أكلة «عكاوى».. هو أحد عشاقها ومدمنيها حتى فى أيامه الأخيرة التى كان يعانى فيها من أمراض فى الرئة.. ورغم أن هذه العكاوى بتكبس على مراوح أى حد إلا أنه كان يصر على طهيها ومتابعة أصحابه من ضيوف القاهرة والصعيد وهم يأكلونها معه.. لقمة بلقمة واللى يحصل بعد الغدا يحصل.


كنت قبل أن تدعونا زوجته الإعلامية الكبيرة نهال كمال إلى مائدة صغيرة وضعها وسط «حجرة المكتبة» قد سألته بالصدفة عن المطرب العاطفى الذى كان يحب على أغنياته وهو لا يزال صبيًا فى قنا.. ففاجأنى «أنا عمرى ما حبيت صوت أسمهان.. ولا الأصوات الناعمة.. أنا كنت وما زلت بحب «الأصوات الحرشة».. يعنى كارم محمود.. محمد قنديل.. سيد إسماعيل». مر اسم قنديل وكارم على أذنى بشكل طبيعى.. بينما ظل اسم سيد إسماعيل محشورًا فى زورى وأنا ألتهم «العكاوى».. ولا أعرف سببًا جعلنى أتصور أنه «مطرب دسم».. مثل هذه الوجبة التى يحبها الخال، ولهذا أطلق عليه «صوت حرش».
وقبل أن تفصل منى.. أقول لك إن كلمة «حرش» كلمة عربية فصيحة.. وهى اسم مصدر «حَرَش».. ويقال «ثوب حَرَش» بفتح الحاء والراء.. ومعناها «ثوب خشن».. وحسب معجم المعانى الجامع.. فهى من الفعل.. حرش يحرش حرشًا.. وحرش وجهه أى خدشه.. يعنى بالعربى.. وبالصعيدى سيد إسماعيل صوت خشن حاد يخدش ويجرح.. ليس كأصوات الماء لا طعم لها ولا لون.
عدت من الإسماعيلية وقد ضاع طعم العكاوى مع روائح أشجار المانجو التى خطفت أنفى.. لكن أذنى لم تتوقف عن مناداة ذلك الصوت الخشن الذى دلنى عليه الخال.. كنت أعرفه بالطبع.. لكننى لم أتوقف عنده كثيرًا.. لكن الخال، وهو بالمناسبة صاحب صوت أجش خشن وجارح يجيد الغناء على أصوله، ومن لا يصدق فعليه بالبحث عن أغنية «هيلا.. هيلا» بصوت الخال من بين أحداث مسلسل «ذئاب الجبل».. وكانت إحدى الأغنيات الجماعية، ورأى المخرج مجدى أبوعميرة ألا يغنيها الحجار، «صوت البطل» فى المسلسل.. فهى أغنية للعمال الذين يحرثون أرض «بدرى بدار» فى غيابه، وعندما جاء المطربون التلقائيون الذين اختارهم جمال سلامة لأداء اللحن.. لم يستطع أحدهم التغلب على المقام والوصول إلى «ركوز سليم» فقرر الإبقاء على صوت الأبنودى الذى كان قد سجله «كجايد» للمطربين التلقائيين.. وهى الأغنية الوحيدة المسجلة بصوت الخال تقريبًا.. إلا أننى استمعت إليه كثيرًا وهو يغنى فضلًا عن ذلك، فهو الذى عاشر كمال الطويل ومحمد الموجى وبليغ حمدى دفعة واحدة.. فإذا قال لك إن هذا «المطرب تقيل».. لازم تصدق.. ولأننى لم أكن فى حالة صراع معه قررت أن أذاكر صوت سيد إسماعيل.. وأعماله من أول وجديد.

>

«يا أم التوب أخضر ليمونى» أولى أغنياته من تأليف البندارى
فى رسالة خاصة من بليغ حمدى إلى الكاتب الراحل محمود عوض كتب «أمل مصر فى الموسيقى» نصًا «طب يا اخوانا.. أنا راجل ربنا خلقنى أحب الرق والمزمار والصاجات والربع تون والصبا وراحة الأرواح وعبدالغنى السيد وكارم محمود.. موتسارت ده على عينى وراسى.. لكن أنا مالى بيه؟!».

لم يكن هذا الهوس بالموسيقى الشعبية «حب بليغ» وحده.. كان هناك محمود الشريف وأحمد صدقى.. وسيد إسماعيل أيضًا.. هذه ليست مُزحة.. فأولى أغنيات الرجل القادم من قرية البيروم بمدينة فاقوس بالشرقية.. «الفلاح ابن الفلاح».. اسمها «يا أم التوب أخضر ليمونى».. وملحنها واحد من «ترزية الغناء الشعبى» الكبار هو عبدالعظيم عبدالحق أما مؤلفها فهو جليل البندارى: «شوف كده»:
«يا أم التوب أخضر ليمونى
يا أم التوب..
طال الشوق وزاد الميل
وجفونى ماتنام الليل
واللى قاسى وشاف الويل
من حبك ماتنام عيونى
يا أم التوب..
....
ياللى جمالك ماله مثال
ولا نظرة منك تنطال
وتسهرنى ليالى طوال
من حسنك ما تنام عيونى».
المقطع السابق تبدو فيه لغة البندارى تواقعية، فلا هى من الصعيد، ولا هى من ريف بحرى.. بل هى أقرب إلى لهجة آل الشام أو البدو.. وهو ما جعل عمنا عبدالعظيم عبدالحق يستخدم إيقاعات أقرب إلى الشام.. ولحنا شرقيا مغرقا فى الشعبية رغم ذلك..
ومن أم التوب الأخضر إلى أم القوام مياس ينتقل سيد إسماعيل.. وكأنهما أغنية واحدة.. بتنويعات مختلفة من نفس سكة اللحن.. ونفس بحر الكلام ولهجته حتى فى استخدام الكورال كسنيد للمطرب صاحب الصوت الخشن:
«الصُبحْ ف جبينك
والشَعَرْ كيف الليل
والحشمة بتزينك
وتزين قلب الميل
لكن أنا مخبيه
وانتى ما دارية بيه
م الجنة حبيتى النور
خليتى إيه للحور..
فاكرك يا ست الناس
يا أم القوام.. مياس».
وكان يمكن لسيد إسماعيل الذى تم اعتماده مطربًا وملحنًا بالإذاعة المصرية وقد عرفه الناس بغناء أصعب ألحان عبدالوهاب التى أعاد تقديمها بصوته فى تسجيلات مختلفة- أن يستمر فى الغناء للحبيبة وللعيون والرموش وما شابه، لكن الرجل الفلاح الذى عمل مدرسًا للموسيقى لسبع سنوات قبل أن يقرر الاستقالة والتفرغ للموسيقى ذهب إلى طريق آخر.. والسبب «عواد اللى باع أرضه».



«حبيب بلدى» أكثر أعماله رسوخًا لدى الفلاحين
بعد ثوان من بداية الإعلان: «أنور المشرى يقدم..» يخترقك صوت بكرى.. ولحن قاتل لكمال الطويل ومفردات طرزها مرسى جميل عزيز وكأنه نوال يطرز «طاقية شبيكة»:
«الأرض أرضنا
عن أبونا وجدنا
وبكرة ولا بعده
لعيالنا بعدنا».
هذه الأغنية التى جعلت من صوت سيد إسماعيل تعبيرًا عن الفلاحين والأرض.. لم تكن سوى إحدى أغنيات أوبريت «عواد باع أرضه» الذى قدمته الإذاعة المصرية لتنسف به واقعة حقيقية عكس الحدوتة التى رسخها سيد إسماعيل فى أذهاننا لتصبح واحدة من «حقائق التاريخ».


الحكاية الأصلية تقول إن فلاحًا اسمه عنانى عواد أحمد، من إحدى قرى الشرقية التى ينتمى إليها سيد إسماعيل ومرسى جميل عزيز كلاهما.. اسمها «كفور نجم».. وكان مؤجرًا لثمانية أفدنة من الدائرة السنية دفع فيها ١٦٠ جنيهًا إلا أن مفتش الدائرة طمع فيها وطالبه بتركها.. لكن عواد رفض وطلب إعادة المال الذى دفعه لهم إذا أرادوا استرداد الأرض.. لكنهم اعتقلوه.. وبعد خروجه ظل يمضى أيامه فى نقطة البوليس لتنفيذ حكم المراقبة.. وجاء مفتش جديد أراد أن يستعيد الأرض أيضا لصالح «الباشا اللى مشغله» ورفض عواد مجددًا مفضلًا اعتقاله من جديد إذا أرادوا لكنهم لم يفعلوا.. أخبروه ذات فجر بأن النقطة التى يبيت فيها سيتم تنظيفها لقدوم تفتيش فى الصباح وعليه أن يرحل.. فاستغرب «الدنيا ليل ومافيش مواصلات تودينى قريتى.. لكنهم أصروا، وعلى بُعد خطوات من نقطة البوليس انهال عليه عدد من البلطجية الذين أكراهم المفتش بالفئوس وقتلوه».
هذه هى قصة عواد الحقيقى الذى مات دفاعًا عن أرضه وماله.. لكن الراديو المصرى.. ومرسى جميل عزيز أرادا لها معنى آخر جديدا.. بعد أن واجهت استعمارًا من نوع جديد.. فصارت القصة «معايرة فاجرة وفاضحة لأى شخص يفكر فى بيع أرضه حتى ولو كان ذلك من أجل العمل فى مجال جديد أو السفر للخارج مثلًا».. وظل صوت سيد إسماعيل مرتبطًا بالقصة.. وبالأرض معًا.. ففى سنوات تالية لطرح الأرض واحدة من أندر الأغنيات التى تتغزل فى «زرع القصب».
«يا سِِمِح وسِرِح.. يا بو عود سبارح
يا قصبنا يا حلو..
باستنى الحلو من إمبارح
وماجاش الحلو».
فى تلك الفترة.. كان رجال عبدالناصر قد بدأوا معركة العمل فكتب صلاح جاهين:
«دنا بكتب إليك
صنعة إيديك
كل اللى عينى تشوفه
من صنعة إيديك..
فستان حبيبى والهرم
حديد كبارى النيل
وأسفلت الطريق.. أوتار كمنجات النغم
سيجارتى.. والأتوبيس..
وسارية العلم!! إلخ».
وكان من الطبيعى أن تذهب السينما إلى أبناء الطبقة الجديدة من العمال والفلاحين وتبشر بهم وتبشرهم بالخير القادم.
وبصوت سيد إسماعيل:
«يا حليمة ومعاكو المى
اتلموا وتعالوا
قولوا معايا.. يا أهل الحى
يا صحرا المهندز جى..
يرويكى بعيونه المى..
المهندز جى..
يا صحرا المهندز قال
هيخلى ترابك أموال
الحصوة تنباع بريال
والحجرة بريال وشوى
المهندز جى».
كان الحشد مقصودًا ومؤثرًا.. وفى أكثر من اتجاه..
«يا مهندز دير الطمبور
وابنيلى فيلا لدكتور
والصحرا دى دهب منثور
خد نايبك واملالى إيدى».
ولم يأخذ المهندس نايبه.. ولا امتلأت أيادى الفلاحين الغلابة كما وعدتهم الآلة الغنائية لناصر.. بل جاء العدوان من المستعمر.. وبالتلاتة.. فكان على سيد إسماعيل ورفاقه من أهل الموسيقى أن يحشدوا الشباب للجيش والتطوع أيضًا فيغنى من كلمات محمد حلاوة:
«شيخ البلد جاتله أوامر
يا ولاد بلدنا.. وحنسافر
ونروح الجيش..
هيرحلونا الصبحية
على مصر أم المدنية
يا فرحة الثوار بينا
لما نليق فى الجهادية
دقوا الطبول وهاتوا الأرغول
من بكرة راح نبقى عساكر
ونروح الجيش».
ويستمر غناء سيد إسماعيل «الفلاحى» للجيش والثورة والعمال والثورة الصناعية.. يستمر خطابه إلى عم مجاهد وحبايبه.
«قوم يا أسطى مجاهد
صون عهد الحرية
قوم يلا نجاهد
للنهضة الصناعية.. إلخ».
إلا أن أكثر أغنيات سيد إسماعيل الوطنية رسوخًا فى ضلوع الفلاحين وغيرهم كانت وستظل «حبيت بلدى».. من ألحان محمد قاسم: لمؤلفها محمد فتحى مهدى:
«حبيت بلدى..
وعشان بلدى..
أنا عايزك تكبر يا ولدى..
وأشوفك بتعمر فيها
وبتزرع ورد ف صحاريها
وتبنى مصانع يا ولدى
تبنيها وتسعد أهاليها».

وتتعدد أغنيات سيد إسماعيل الوطنية ذات التوجه الشعبى، ومنها على سبيل المثال لا الحصر.. «ابنى يا ابنى» من كلمات سيد البكرى.. «بلادى أرضها جنة» لمحمود إسماعيل جاد.. «اسم الوطن غنوة».. «بالفاس والمحرات».. و«يا مهون هون».. «أمم يا جمال» التى لحنها محمود الشريف بعد قرار جمال عبدالناصر تأميم القنال.. واستمر سيد إسماعيل فى المشاركة بأغنياته المصبوغة بالسياسة حتى عصر الرئيس السادات الذى غنى له فى أكتوبر «جلاب الخير يا سادات».


لحَّن لـ«شريفة فاضل ومحمد رشدى وعبدالمطلب».. وقدم لـ«الهضبة» أغنيات «ينابيع النهر»
كان يمكن أن أتوقف عند صوت سيد إسماعيل الحرش دون أن أعرج إلى ألحانه.. لو لم تكن تلك الموسيقى التى صنعها لزوجته عايدة الشاعر جزءًا لا يمكن حذفه من تاريخ الموسيقى الشعبية فى مصر.. لم يكن وحده الذى أسهم فى «تكوين وصنفرة» ذلك الصوت «الفرنسى» القادم من المنصورة.. كان هناك العشرات فى مقدمتهم بليغ حمدى وأحمد صدقى.. لكن ألحان سيد إسماعيل لعايدة التى كانت أختًا لصديقه- تمثل علامة فارقة فى أغنية الفرح المصرى.. وفى واحدة من أنبل وأعذب هذه الأغنيات وجد سيد إسماعيل ضالته التى بحث عنها طويلًا.. كلمات مصرية خالصة تشبه طين الأرض الحراجى، وفى نفس الوقت هى كلمات بها من الإيقاعات الشقية والمتفردة ما يسمح له بجمع الوطن.. والأرض.. والحب والفرح فى جملة لحنية واحدة.. هذه الأغنية هى التى صاحبت عودة الجنود المصريين بعد حرب أكتوبر وكتبها عبدالرحيم منصور.. واسمها «جاب لك إيه يا صبية حبيبك لما عاد».. شوفوا كده ذلك المرح المصرى أبًا عن جد.. فى صوت نحاسى يزغرد اسمه «عايدة»:
«جابلك إيه يا صبية
حبيبك لما عاد؟!
جابلى عقد وجلابية
وقالى كفاية بعاد..
قالك إيه يا صبية
حبيبك لما عاد؟
قالى غنوة حب حلوة
تتغنى فى كل البلاد
جابلك إيه يا صبية
حبيبك لما عاد؟..
جابلى قلب أخضر
على كفه.. وقال كفاية بعاد».

وكان يمكن لعمنا سيد إسماعيل أن يكتفى بصوت زوجته عايدة الشاعر التى أنجب منها طفلة وحيدة هى راندا التى أسس لها شركة لإنتاج الموسيقى أطلق عليها اسمها.. لكنه لحن لأصوات كبيرة ومهمة فى مقدمتها سعاد مكاوى.. شريفة فاضل.. محمد رشدى.. محمد العزبى.. محرم فؤاد.. حورية حسنى.. نجاح سلام ومحمد عبدالمطلب.. وحتى عمرو دياب الذى لحن له أغنيات مسلسل «ينابيع النهر».. بل تجاوز المطربين المعروفين ليقدم لنا تجربة من النوادر عندما اكتشف أن صوت لاعب الزمالك ومدربه فيما بعد محمود أبورجيلة يصلح للغناء فقدم له ولفريق الزمالك الذى كان يشجعه واحدة من الأغنيات المجهولة إلا لبعض المقربين اسمها «انتصارك يا زمالك».. وتم تقديمها فى إحدى الحفلات العامة.

ما أريد أن أقوله وأنا فى مواجهة ذلك الصوت صاحب الألحان «الحرشة».. أن مصر الشعبية كنوزها لا تنتهى.. تحتاج منا فقط إلى «شوية محبة» لنزيل الغبار عن جواهرها الدفينة.. ومنها طبعًا «صوت وألحان سيد إسماعيل».

ads
ads
ads