القاهرة : الجمعة 16 نوفمبر 2018
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
الثقافة
الإثنين 17/أبريل/2017 - 10:28 م

سمير جريس.. شيخ مترجمى الألمانية

سمير جريس.
سمير جريس.
أشرف عبدالشافى _ حسام الضمرانى
dostor.org/1372429

أنت فى ألمانيا حيث الحرب العالمية، وبينما الليل صامت استيقظت العجوز على جلبة فى المطبخ، تحسست فراش زوجها فلم تجده، فتلمست طريقها فى العتمة حيث يلوح شبح أبيض بالقرب من الثلاجة، فتضىء المصباح‏،‏ ويقول العجوز وهو يجول ببصره فى زوايا المطبخ إنه سمع صوتاً، وتلاحظ أنه اقتطع قطعة من الخبز‏،‏ والسكين مازالت إلى جوار الطبق الموضوع على المنضدة‏،‏ والفتات على الغطاء الذى نظفته قبل أن تأوى إلى النوم، ولم ترغب أن تنظر إليه وهو يكذب عليها بعد تسعة وثلاثين عامًا من زواجهما‏،‏ ترفع طبق الخبز وتنظف المائدة وتقول‏،‏ بينما هما يعودان للفراش‏،‏ ربما عصف الريح هو ما فعل ذلك الصوت‏،‏ ويقول العجوز فعلا‏،‏ وأنا الذى توهمت أن ذلك كان فى المطبخ‏،‏ وتشعر هى باضطراب صوته بسبب الكذب‏،‏ وتتثاءب‏،‏ تصبح على خير‏،‏ ويقول‏:‏ تصبحين على مثله‏، بعد دقائق تسمعه يمضغ بهدوء مشوب بالحذر‏،‏ تظاهرت بالتنفس المنتظم كى توهمه أنها نائمة‏، فى اليوم التالى تضيف إلى حصته قطعة رابعة من الخبز‏،‏ تقول إنها لا تشتهى اليوم أكثر من قطعتين‏،‏ ويقول‏:‏ إن قطعتين من الخبز لا تكفيان‏!. وتقول هى: نعم‏،‏ ولكنى لا أستطيع أن أتناول أكثر‏،‏ ثم تجلس جانبه تحت المصباح وتهمس‏:‏ كل يا رجل‏،‏ كل‏».‏

هذا ملخص ردىء لقصة بديعة اسمها «الخبز» كتبها الألمانى «فولفانج بورشرت‏» والذى دلنى عليها هو الروائى الكبير «إبراهيم أصلان» وقد وجدت صعوبة بالغة فى نطق اسم المبدع الألمانى لكننى حفظته وأنا أبحث عن قصته تلك حتى عثرت عليها فى مجموعة «شدو البلبل» التى ترجمها بإبداع كبير «سمير جريس»، فالقصة لم تذكر حرفًا عن الحرب أو صوت الرصاص أو نزيف القتلى أو دخان القنابل، لكنها دخلت بيتا صغيرا لزوجين وحيدين تعيش الشيخوخة والوحدة بينهما، لتجسد ألم الحرب. وكان «أصلان» يستشهد بها كنموذج للترجمة الرائقة التى أضافت إبداعًا من روح الكاتب ولم تقتصر على نقل العبارات وترجمتها، فالمترجم مبدع وليس «ناقلا»، وهكذا عرفتُ المترجم المصرى «سمير جريس» أشهر وأهم مترجمى الألمانية فى مصر والعالم العربى، الذى يعيش مثل طائر يحلق بين النصوص الأدبية يلتقط الأعمال التى حققت شهرة ليقتنص من بينها صيدًا ثمينًا للقارئ العربى، يتحرك كمؤسسة بمفرده فهو يترجم ما يستمتع به «أنا أترجم عملًا ما لأننى- ببساطة- أحببته، واستمتعت به وأردت أن يشاركنى آخرون هذه المتعة».

هو يحب هذا العمل لا يبحث عن شهرة ولا جائزة، بل لأنه مهموم بنقل الأعمال الأدبية المتميزة من كافة اتجاهات الأدب الألمانى المعاصر، وهو ما دفع كلا من معهد جوته بالقاهرة فى عام 2014 لمنحه جائزة الترجمة الأدبية من الألمانية إلى العربية، وحصوله على الجائزة الأولى فى ترجمة القصة، والمجلس الأعلى للثقافة فى مصر عام 1996. يحلم سمير جريس الذى تحدثنا إليه فى برلين حيث يقيم، بترجمة أعمال متميزة من جميع اتجاهات الأدب الألمانى المعاصر.. ونحلم نحن أن تنتبه المؤسسات الثقافية المصرية لأهمية هذا المترجم الكبير الذى لا يعرف مكاتب المسئولين ولا ينتمى إلى «شلة».

ads
ads
ads