رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

د. محمد الباز يكتب.. لماذا راهن الرئيس على ترامب؟


هذا رجل لا يخيب رهانه.

قل عنه ما شئت، قيِّم ما يقوله وما يفعله كما تريد، عانده وقف ضده كما تشاء، قاوم جهوده التى لا تتوقف فى معركة بقاء وبناء كما ترغب، امتنع عن تأييده ودعمه وتخيل أن ذلك يمكن أن يعوقه أو يقف حائلًا دون تقدمه، لكن ما لن تستطيع أن تفعله هو أن تشكك فى إخلاصه وعمله المتفانى واللامتناهى من أجل هذا الوطن.

هذا المعنى الذى يمثله عبدالفتاح السيسى، وصل بعمق إلى قادة العالم، يعرفون عنه أنه يريد أن يعمل من أجل وطنه، ووطنه فقط، وهذا كافٍ جدًا بالنسبة لمن يحكمون لصالح بلادهم كى يعرفوا قدره، وينزلوه المنزلة التى يستحقها.

قبل أن يلتقى عبدالفتاح السيسى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى البيت الأبيض، رفعت الصحف الغربية فى وجهنا لافتة كتبت عليها: لا تبالغوا كثيرًا فيما تنتظرونه من لقاء السيسى وترامب.

أشارت إلى أننا نجاوز الحقيقة ونتجاوز الواقع فى حديثنا عن العلاقة الخاصة جدًا التى تربط بين الرجلين، حاولت أن توحى للجميع بأن الزيارة ستكون عادية، وأن ما نقوله ليس إلا أحلامًا لا تبارح خيالنا، فلا ظل لها فى الواقع.

بعد أن انتصف نهار الإثنين 3 أبريل فى القاهرة بقليل، كان الرئيس عبدالفتاح السيسى يدخل البيت الأبيض، ليمحو استقبال الرئيس الأمريكى له كل أوهام الميديا الغربية، فنحن أمام أكثر من صديقين، لا تربطهما مصالح مشتركة، بقدر ما تقرب بينهما أفكار ورؤى وربما اقتناع تام بأن العالم لابد أن يبقى بعيدًا عن الإرهاب ومن يدعمونه.

لن أحدثكم عن حديث الصور، يمكنك أن تشاهد بنفسك، وتقرأ ما الذى تشى به صور الرئيسين فى البيت الأبيض، كل ما أنصحك به أن تكون صادقًا مع نفسك، دعك من كل الأفكار المسبقة التى لم تعد لها أى قيمة، بعد أن وجدنا أمامنا قمة تجمع رفيقى معركة ضد الإرهاب، أكثر من كونهما رئيسى دولتين، يتوقف على العلاقات بينهما مصير منطقة الشرق الأوسط، بل لن أكون مبالغًا، إذا قلت يتوقف عليها مدى الدور الذى ترغب أمريكا فى أن تلعبه بالمنطقة.

هل انتهيت من مشاهدة الصور؟

الآن يمكنك أن تتأمل قليلًا ما وراء السطور، وما بين الكلمات.

لم تكن هذه أول مرة يتحدث فيها ترامب عما يكنه للسيسى من احترام.

بعد لقائهما الأول على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، وكان ترامب لا يزال مرشحًا، قال إنه يشعر أن بينه وبين الرئيس المصرى كيمياء خاصة جدًا، وهو ما كان مبشرًا، اعتبره البعض كلامًا انتخابيًا لا يغادر الحروف التى كُتب بها، لكن بعد اللقاء الأول فى البيت الأبيض بدا أن ما قيل كان حقيقيًا جدًا وصادقًا جدًا.

قال ترامب: الرئيس السيسى شخص مقرب جدًا منى منذ أول مرة اجتمعنا فيها، ونتفق على الكثير من الأمور.

قبل أن تبتلع ريقك وتقول إن هذا الكلام يمكن أن يكون بروتوكوليًا، عليك أن تسمع ترامب وهو يقول: أريد أن أبلغ الجميع – إذا كان هناك أى شك – إننا نؤازر بشدة الرئيس السيسى الذى قدم أداءً رائعًا فى وضع صعب للغاية، إننا نؤازر بشدة مصر وشعب مصر.

رد السيسى التحية بأحسن منها، قال للرئيس «ترامب»: إن مصر ستقف بجانب الولايات المتحدة فى مكافحة الإرهاب.. ولأن الرسالة وصلت كاملة، فترامب يعرف أن جيوش الإرهاب التى ربتها الولايات المتحدة فى حجرها طوال سنوات ماضية، ستخترق قلبها فى يوم من الأيام، وأن السيسى لا يتحدث عن اللحظة الراهنة، بقدر ما يتحدث عن المستقبل الذى يراه قريبًا، فقد رد الرئيس الأمريكى على الرئيس المصرى: سنقاتل الإرهاب ونكون أصدقاءً لفترة طويلة.

وهنا تحديدًا يمكن أن نطرح السؤال: لماذا راهن السيسى بكل هذه القوة على ترامب؟

كان العالم كله لا يريد هذا الرجل، ولا يرحب بدخوله البيت الأبيض، بل لم يكن أحد يتوقع وصوله إلى عتبة مكتب الرئيس، ولن أذيع سرًا عندما أقول إن هناك عددًا كبيرًا من رجال الإدارة المصرية وفى مفاصل مهمة فيها، كانوا يتوقعون وصول هيلارى كلينتون إلى البيت الأبيض، وكانوا يعدون العدة للمواجهة القادمة مع الإدارة الأمريكية الجديدة، وكان السيسى وحده تقريبًا الذى يثق ثقة مطلقة فى أن ترامب سيفوز وسيكون الرئيس القادم.. وقد رد عليهم جميعًا بعد إعلان النتيجة بفوزه، بابتسامة معبرة، فهو يعرف أن رهانه لا يخيب أبدًا.

قبل أن يلتقى السيسى بالرئيس الأمريكى فى البيت الأبيض، صرح: التقيت الرئيس ترامب فى سبتمبر الماضى، وراهنت عليه، وأبديت إعجابى الشديد بشخصيته المتفردة خاصة فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب.

كان الرهان معلنًا وواضحًا لا مواربة فيه ولا التفافًا عليه.

فبعد أن قابل السيسى ترامب، بادر المرشح للرئاسة الأمريكية بإصدار بيان لا يقبل تأويلًا، قال فيه: سنقدم كل الدعم لحرب مصر على الإرهاب، وستكون الولايات المتحدة صديقًا مخلصًا، وليس حليفًا فقط، ويمكن لمصر أن تعتمد عليها فى السنوات المقبلة.

فى اللقاء الأول جرى ما يمكن اعتباره تعاقدًا تم توقيعه بالحروف الأولى بين الرئيسين لإعلان الحرب الشاملة على الإرهاب، وفى لقاء البيت الأبيض، تم توقيع العقد بالأسماء الكاملة، وأعتقد أنه رغم المكاسب الكثيرة التى سيعود بها السيسى من زيارته إلى الولايات المتحدة، إلا أن المكسب الأول والأكبر هو الحصول على دعم وتأييد البيت الأبيض المطلق فى الحرب على الإرهاب، التى لم يخضها السيسى دفاعًا عن مصر فقط، ولكن حماية لدول العالم، فكم من مرة حذر من أن الخطر لا يهدد مصر وحدها، بل يهدد العالم كله، وأعتقد أن من كانوا يهزون رءوسهم سخرية من تحذيره اعتقادًا منهم أنهم محصنون ضد الخطر، يدركون الآن كم كان صادقًا.

لقد لوحت صحف أمريكية، تأكل الحسرة قلبها، بأن لقاء ترامب بالسيسى واحتفاءه به كل هذه الحفاوة، يأتى فى إطار انقلابه العام والكامل والشامل على إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، فى إشارة إلى أن ما يجرى على الأرض ليس أكثر من مكايدة سياسية بين خصوم فى معركة.

كان هذا ما ذهبت إليه جريدة «الواشنطن بوست».

ففى مقال عنونته بـ«إدارة ترامب تنفذ تحولًا حادًا فى السياسة الخارجية بزيارة السيسى»، قالت: عندما يستضيف الرئيس ترامب نظيره المصرى عبدالفتاح السيسى، سيكون أمامهما أجندة مزدحمة: الحرب ضد الإرهاب، والحروب المتعددة فى الشرق الأوسط، وأزمة اللاجئين، واقتصاد مصر الفقير، لكن ليس من المحتمل أن يناقشا على الأقل علنًا محنة آية حجازى.

تفصل «الواشنطن بوست» قصة آية حجازى – التى نعرفها جيدًا – فهى عاملة إغاثة تحمل الجنسية الأمريكية، وجهت إليها اتهامات بارتكاب انتهاكات ضد أطفال كانت تسعى لمساعدتهم من خلال منظمتها غير الربحية، وتم حبسها.

تثنى الصحيفة الأمريكية، على إدارة أوباما، التى رغم أنها لم تستطع أن تمارس ضغوطًا للإفراج عن آية حجازى، إلا أنها عبرت عن اتجاهها من خلال عدم دعوة السيسى لزيارة البيت الأبيض، لتعتبر أن آية أصبحت رمزًا للتحول الحاد فى سياسة الإدارة الأمريكية تجاه السيسى، من خلال وضع التعاون الأمنى فوق حقوق الإنسان.

لم تجد الصحيفة الأمريكية المناوئة لمصر، قبل أن تكون مناوئة لترامب، شيئًا تحاول به إفساد الزيارة إلا التلويح بورقة آية حجازى.. جعلت منها رمزًا لقضية حقوق الإنسان، التى ترى أن ترامب سيعبر عليها دون أن يوليها اهتمامًا، لأن الأمن عنده أهم من حقوق الإنسان.

هل تريدون الصدق؟

لم ترفع «الواشنطن بوست» لواء آية حجازى لأنها مقتنعة تمامًا بعدالة قضيتها، إنها تتاجر بها لا أكثر ولا أقل، وهو ما كانت تفعله أيضًا إدارة أوباما، وحاولت أن تستغله المرشحة الأمريكية هيلارى كلينتون.

التقى السيسى هيلارى كلينتون كما التقى ترامب على هامش لقاءات الأمم المتحدة،

كان الفارق واضحًا جدًا، ترامب يتحدث عن مكافحة الإرهاب، القضية الأهم التى يجب أن تشغل بال العالم كله، وهيلارى كلينتون تتحدث عن آية حجازى، وتطالب الرئيس السيسى بسرعة الإفراج عنها.

ولأنها، هيلارى، أخذت من «آية» مجرد ورقة تلعب بها فى معركتها الانتخابية، فعندما أصدرت حملتها بيانًا عن لقائها بالرئيس المصرى، انحازت إلى الإعلان عن حديثها بشأن المواطنة الأمريكية آية حجازى، ومطالبتها بالإفراج عنها دون أن تشير ولو من طرف خفى إلى رد الرئيس السيسى عليها.

قال السيسى لهيلارى: لا أعرف ما الذى تريدونه بالضبط؟، هل تريدون دولة مدنية حديثة ديمقراطية تقوم على احترام القانون؟ أم تريدون منا أن نتجاوز القانون ونفرج عن مواطنة أمريكية رغم أنها مدانة من القضاء؟

كان رد السيسى حاسمًا، لم تعد هيلارى بعده للحديث عن آية حجازى مرة أخرى، لأن الرسالة وصلت كاملة من ناحية، ولأنها أدركت أن الباب الذى تريد أن تطرقه مع الرئيس المصرى صعب الدخول منه.

أدرك السيسى الفرق الواضح بين هيلارى كلينتون ودونالد ترامب، فراهن على الأخير، وأكد لمن حوله أنه سيكون الرئيس الأمريكى القادم، ليس لأنه كان يتمنى ذلك، أو لأن فوزه سيكون فى مصلحة مصر، ما فى ذلك شك، ولكن لسبب بسيط جدا، فقد عرف السيسى أن ترامب يعمل بصدق وإخلاص من أجل مصلحة بلاده، لا تشغله الشعارات ولا الدعايات الكاذبة، لا يتاجر بقضايا مواطنيه، وهو ما كان يريده المواطن الأمريكى تحديدًا فى هذه المرحلة الحرجة التى يقف فيها على حافة الخطر.

تبدو آثار زيارة البيت الأبيض واضحة.. وأعتقد أن السيسى الذى ذهب إلى الولايات المتحدة زائرًا لرئيسها الجديد، لن يكون هو نفسه السيسى الذى سيعود من هذه الزيارة.. حتمًا ستتغير أشياء كثيرة.. وهو ما ستخبرنا به الأيام القادمة.