رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

أنا ومحمد حبيب بعد ثورة يناير


بعد أن خرجت من جماعة الإخوان بزمن طويل تقابلت ذات يوم بعد ثورة يناير مع محمد حبيب، نائب المرشد، الذى كان قد انشق عن التنظيم مختلفا مع قيادات أزاحته من موقعه، وجردته من شقة القاهرة ومن السيارة ومن بدل التفرغ.

كان اللقاء على هامش ندوة فى إحدى الصحف الأسبوعية، فقلت له أمام رئيس التحرير وبعض الحاضرين: هل كل الجماعة تؤمن بالقوة وضرورة استخدامها ضد المجتمع؟ فقال متعجبًا: وهل كنت لا تعتقد فى ضرورة استخدام القوة عندما كنت فى الجماعة! ثم استطرد قائلاً: كلنا يا أخى كنا نؤمن بالعنف وشرعية استخدامه ولكننا كنا نختلف مع البعض فى أن القوة لا ينبغى أن نستخدمها إلا إذا تملكنا أدواتها، فى حين أن البعض كان يرى حتمية استخدامها ولو لم نمتلك أدواتها عملا بالآية الكريمة «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة»، فالأمر الإلهى هنا هو أن نعد ما استطعناه، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ثم أكمل قائلا: ولكننا الفريق الرافض للتعجل، كنا نضع الحسابات فنقول إننا لو استخدمنا قوتنا «الضعيفة» لترتب على ذلك إفناء التنظيم، لأن آلة القوة لدى الدولة كانت أقوى بكثير.

كنت أعلم ما قاله محمد حبيب، ولكننى أردته أن يضع اعترافًا أمام آخرين لم تربطهم بالجماعة أى صلة ليعرفوا عن يقين أن هذه الجماعة هى فى الأصل جماعة إرهابية، ثم مضى هذا الزمن ووصل الإخوان للحكم، وتداعت الأحداث إلى أن وصلنا للحالة التى نحن عليها الآن، ولم يعد أمام أحد شك فى أن هذه الجماعة هى أصل الجماعات الإرهابية فى العالم التى ترتدى الثوب الإسلامى، والإسلام لا علاقة له بها، حتى إن تلك الجماعة المفزعة لم تنكر إرهابها، ولم تسع إلى هذا الإنكار، إلا أنها أطلقت عليه تسميات مختلفة، مثل الحراك الثورى، ومواجهة الانقلابيين، وردع المرتدين، والرد على الصائلين! أى الرد على المعتدين، والثأر للشهداء، وأخذت تعطى لنفسها أو قل لأعضائها مبررات ـ زعموا أنها شرعية ـ للاغتيال والقتل والتفجير والتفخيخ وقتل الآمنين، وكانت اعترافات فتى الشاطر «أحمد المغير» أوضح الدلائل على نهج الإرهاب الذى انتهجته تلك الجماعة عندما قال: «كنا فى رابعة نحمل أسلحة نستطيع أن نواجه بها جيوشًا ولكن خيانة أحد القيادات أدت إلى إخراج هذه الأسلحة من رابعة قبل الفض! ولو استمرت هذه الأسلحة مع الإخوان ـ على حد قوله ـ لتحولت مصر إلى سوريا».

وبالرغم من ذلك كنا نجد من يحاول نفى العنف عن الإخوان وكأنهم جماعة نورانية ملائكية لا يخرج الشر من قلبها، ومن أجل ذلك كنت ومازلت أجتهد ما وسعنى الجهد لكشف ما يدور فى قلب تلك الجماعة والتحذير منها ومن شرها وأدواتها، وأثناء إحدى ندواتى فى مدينة الإسكندرية فى مكتبة من المكتبات الكبرى تقابلت مع أحد الإخوان السابقين الذين انفصلوا عن الجماعة بهدوء، وأعطانى كتابين قال لى إنه وجدهما مع ابنه الطالب الإخوانى، ورجانى أن أقرأ الكتابين بهدوء، على أن أجلس بعدها مع ابنه لإقناعه بالشر الذى تديره الجماعة فكريًا وتحاول أن تؤثر به فى الشباب الغض الذى لا يعرف شيئًا ولا يتحرك إلا بمنطق العاطفة الدينية، كان هذان الكتابان هما «كشف الشبهات عما وقع فيه الناس من اختلافات» تأليف أبى مسلم بن محمد الأزهرى، و«دليل السائر ومرشد الحائر» تأليف أبو الأمير المصرى الشافعى. وحين انكببت على هذين الكتابين وجدتهما وفقا لعلم «الأساليب» لكاتب واحد، عرفت فيما بعد أنه الشيخ مجدى لاشين، أستاذ الفقه فى الأزهر، وهو أحد القيادات الفقهية والحركية فى الإخوان وكان من رجال محمد كمال الذى قُتل أثناء مداهمة الشرطة لمنزله على إثر تبادل إطلاق نيران.

وكان أن جلست بعد ذلك مع الشاب الإخوانى ابن صديقى فى حضرة أبيه ودار حوار طويل بيننا استمر لست ساعات، أزعم أن الله وفقنى فيه واستطعت إنقاذ الشاب من وهدة التطرف والإرهاب، وبعد فترة طويلة وقع تحت يدى بحث فقهى أدركت أيضًا أن كاتبه هو الشيخ الأزهرى الإخوانى الهارب لتركيا مجدى لاشين عنوانه «التأصيل الشرعى لوجوب مواجهة الانقلابيين بكل وسيلة مستطاعة» وإذا بهذا البحث عبارة عن ملخص للكتابين السابقين، إلا أنه تضمن ترديدا للخلاف الذى قصَّه علينا محمد حبيب بعد ثورة يناير، وهو الخلاف بين «القوة عند الاستطاعة» و «القوة بغير استطاعة»!.

ومن خلال أبحاثهم وكتبهم نجد أننا بالنسبة لهم مجتمع ليس فيه إسلام، وهو أيضا مجتمع اعتدى على الإسلام وانقلب عليه، لذلك أصبح دمنا ومالنا حلالاً لهم، ولذلك هم يعيشون الآن على نظرية «الاستحلال». هذه الأفكار هى التى يتربى عليها الأخ، فحين يدخل للجماعة يقال له: «اخلع عقلك ونعلك» وحين يتدرج فى العضوية يتربى على السمع والطاعة لدرجة أن يصبح ـ كما يقولون ـ كالميت بين يدى من يغسله يقلبه كيف يشاء، نعم يصل إلى هذه التبعية البغيضة التى تلغى العقل والفكر وتجعله مهيأ لاستقبال كل شىء بالقبول والرضا، وحين يصدر له الأمر بالتفجير والاغتيال لا يمكن أن يخالف، فقد تم إعداده وصناعته ليكون آلة قتل متحركة، وهو حين يفعل ذلك يظن أنه فى جهاد مقدس، وأن هذا الجهاد يضمن له الجنة فى أعلى عليين مع الرسول صلى الله عليه وسلم، لذلك شاهدنا كلنا فى اعتصام رابعة المسلح البلتاجى وهو يقول من على المنصة: من يريد أن يتناول إفطاره مع الرسول صلى الله عليه وسلم فى الجنة، فيقول المعتصمون كلهم وهم فى حالة هوس دينى: كلنا! وكلهم فى الحقيقة بلا عقل، ولن تجد فيهم رجلا عاقلا!