جريدة الدستور
رئيس مجلسي التحرير والإدارة
د. محمد الباز

الوجبات المدرسية.. حققوا الأمان قبل توفير الطعام


أذان صلاة الظهر، كان موعدًا يوميًا لا يختلف، لدخول ناظر المدرسة الابتدائية، فى بلدتنا منوف، بوسط الدلتا، إيذانًا بتوزيع الوجبة الغذائية، التى يحملها إلينا سعاة المدرسة، بصحبة الإخصائى الاجتماعى ومشرفة الوحدة الصحية.

يوزعون علينا، فى قرطاس من ورق، ملعقة كبيرة من الفاصوليا البيضاء المسلوقة، تأتينا جافة من كل ماء، لذيذة الطعم، وقطعة من الجبن المطبوخ، وأخرى من حلاوة، وشطيرة من الخبز المعجون بالسمن البلدى، تشتهيها أنوفنا، قبل أن تهفو إليها أفواهنا، بعد يوم دراسى حافل بالدرس الجاد، وحصص الألعاب الرياضية والتربية الزراعية، وأنشطة الرسم والموسيقى، وغيرها، مما كان يحويه المنهج الدراسى، الذى خرّج أجيالاً، هى قوة مصر الآن، فى الداخل والخارج، إلا من رحل عن عالمنا، وترك وراءه إرثًا علميًا وفنيًا أو رياضيًا، لا يمكن محوه أو تجاهل أثره.. ولم يحدث أن سمعنا، فى يوم من الأيام، من بعيد، أو رأينا فى قريب، أن كانت مثل هذه الوجبات المدرسية، سببًا فى انتقال أحد التلاميذ إلى المستشفى، أو أنها كانت وراء حالة تسمم جماعى.. فما الذى حدث، خلال هذه الأعوام الطويلة، التى فصلت بين حالنا اليوم، وبين ما كنا عليه، ونحن فى طفولتنا؟.

ما حدث، هو انهيار فى القيم، وخراب فى الذمم، وتبلد مشاعر وقسوة إحساس، من بعض الذين جعلوا من هذه الوجبة، وسيلة جماعية للشروع فى قتل أطفال أبرياء، رغبة منهم فى جمع المال الحرام، بأطعمة فاسدة يقدمونها لبراءة لا تتحمل قسوة هذا الفعل الإجرامى، أو قصداً، من البعض، لإيذاء الدولة فى مستقبلها، عبر هؤلاء الأطفال.. وإذا لم تكونوا قد انتبهتم لأول كلامى، بأن الوجبة كانت تحتوى فاصوليا مسلوقة، هى الأقرب إلى الفساد وعدم الصلاحية بمرور الوقت، إلا أن أحدًا لم يسمع بذلك، أو ير هذه المأساة، لأن الضمير الحى، والذمم النقية، كانت يقظة لما تفعل، أمينة على ما بين أيديها، وما هى عليه من مسئولية، ومن ورائها قانون، سوف يقطع الرقاب، إذا تجرأ أحدٌ، أو بعضٌ، عن قصد، أو أهمل عن غفلة، وتسبب فى إيذاء طفل، فى بدنه أو نفسه.. فما بالنا اليوم، والوجبة المدرسية، محتوى جاف، وغير قابل للفساد، إلا إذا كان هناك طغيان للغاش، وسوءا فى قصده، جعلنا نرى المصابين بالتسمم، من وراء هذه الوجبات، بالمئات، وفى أماكن متفرقة من بلدنا، وفى حيز زمنى ضيق، الأمر الذى يشير ـ وبعض الظن منى إثم ـ إلى أن هناك من يلعب فى أمن هذا البلد، عبر أطفاله، وفى مدارسه!.

لا تستغربوا كلامى، ولا يدعى أحد أننى أهول فى الأمر.. لكن اربطوا بين بعض ما يُقدم عليه رئيس الجمهورية، مما يصب فى خير هذا البلد، وبين كارثة تقع هنا أو هناك، سابقةً بقليل، ما سيقوم به الرئيس.. بل انظروا، ولا تستهونوا، إلى الربط الزمنى، بين كون القاهرة موئلًا لزيارات الساسة والمستثمرين، من كل أصقاع الأرض، وزيارة الرئيس المرتقبة، للولايات المتحدة الأمريكية، وبين تكرار تسمم أطفال المدارس، جراء وجبات مدرسية، يمكن الخروج منها، لمن أراد، بأن قبضة مصر رخوة، وهى دولة تقدم لتلاميذها ما يهددهم بالموت، رغم أنها تنفق على هذه الوجبات، نحو المليار جنيه، وقرر الرئيس، خلال الاحتفال بعيد الأم، تخصيص ربع مليار آخر، للرعاية المبكرة لأطفالنا، ودعم التغذية المدرسية.

وبحسبة بسيطة، ندرك أن القائمين على توريد مثل هذه الوجبات، يجنون من ورائها أموالًا طائلة، لأن البيع الغزير أو ما يُعرف بـالـMass sales لمكونات هذه الوجبات كفيل بتحقيق أرقام كبيرة، حتى ولو كان هامش الربح بسيطاً، من وراء كل مُكون، فعدد الوجبات يُعد بالملايين، يومياً.. لكن بعضًا ممن لا يشبعون، يعمدون إلى زيادة أموالهم بالغش فى المواصفات، أو أنهم يقتصدون فى قواعد التخزين الآمن، فى حين يذهب البعض، لحاجة فى نفس يعقوب، تجاه إصابة الدولة فى مقتل، عبر التشويش عليها والتشهير بها، وإشاعة صورة سلبية عن أنها غير حريصة على أطفالها، غير قادرة على توفير الحماية اللازمة لهم، حتى ولو أنفقوا من جيوبهم الملايين، رشوة لبعض ضعاف النفوس، المهم أن يتحقق هدفهم.. فما بالنا، والهدف الأساس، من وراء إقرار الدولة للوجبة المدرسية، هو مساعدة أطفالنا على النمو السليم، لأن العقل السليم فى الجسم السليم، خاصة أولئك الذين لا ينعمون بالعناية الواجبة من أسرهم، لضيق ذات أيديهم؟!.

لا أبرئ أحدًا من المسئولية.. لا القائمين على توريد الوجبات، من المصانع والشركات، وحتى الأفراد، إن كان ذلك معمولًا به، ولا المنوط بهم متابعة هذا البرنامج ومراقبة تنفيذه، من أهل وزارة التربية والتعليم، أو مسئولى المدارس ومديريات التعليم بالمحافظات.. الكُل فى المسئولية، سواء بسواء.. لأن ما حدث، وسيحدث، يرقى إلى مستوى الجريمة الإنسانية، وتهديد الأمن القومى المصرى وسلامة واستقرار المجتمع.. وبكل أسف، العقوبات محدودة، بين شطب المورد من قائمة التعامل فى هذه الوجبات، أو فرض غرامة ضئيلة، من السهل عليه دفعها، أو إيقاف المسئول عن العمل وخصم بعض من راتبه، دون أن يتعامل القانون، مع مثل هذه الأحداث، باعتبارها جريمة شروع فى القتل تغتال الإنسانية، وتهديدا للأمن القومى، وسلامة المجتمع، بتعريض الأبرياء، وهم مستقبل هذا البلد، للموت.. وهو ما يجب العمل عليه فى الفترة القادمة، إذا لم أطالب بوقف نشاط المورد أو المنتج، بصفته وكيانه، عن العمل نهائياً، جزاءً نكالًا لما قدمت يداه، والتشهير به، وعلى نفقته الخاصة، كما تفعل بعض الدولة العربية، بالإعلان عن خيانته للأمانة ومقتضيات الحفاظ على مجتمعه، عبر إعلانات فى الصحف السيارة، وعبر شاشات التليفزيون.. ويأتى، بعد ذلك، كل شىء على قدره، حتى لو وصل الأمر إلى السجن!.

وخلاصة القول عندى.. أنه لابد من التفكير فى تحويل الوجبة المدرسية، من شكلها الحالى، إلى مقابل نقدى، ندفعه لتلاميذنا كل شهر، ومادامت وجبة التلميذ تتكلف خمسة جنيهات فى اليوم، فلماذا لا ندفع لذويه مائتى جنيه شهرياً، تستخدمها أسرته فى رعايته، فنضرب بذلك عصفورين.. الأول: نمنع عن أولادنا غائلة التسمم، ونغلق به بابًا أمام السلاح الذى يمكن أن يحارب به البعض الدولة، بين وقت وآخر، بالولوج لأطفالنا، عبر الوجبة المدرسية.. والثانى: أن المقابل النقدى يشجع على منع التسرب المدرسى، ويدفع للإقبال على الدراسة، خاصة من أولئك الذين يرون فى عمالة أطفالهم المبكرة، حلًا لمواجهة أعباء حياتهم، إلى جانب عدم قدرتهم على إلحاقهم بالمدارس.. فكروا فيها واحسبوها.. حفظ الله مصر من كيد الكائدين.. آمين.