جريدة الدستور : «100 سنة جمال».. بكائيات «الفاجومي» على قبر جلاده عبدالناصر (طباعة)
«100 سنة جمال».. بكائيات «الفاجومي» على قبر جلاده عبدالناصر
آخر تحديث: الأربعاء 10/01/2018 08:30 م أيمن الحكيم
أحمد فؤاد نجم
أحمد فؤاد نجم

دخل أحمد فؤاد نجم، المعتقل فى كل العهود، وكان سجينا «مزمنًا»، اتفق من حكموا مصر على أن الزنزانة هى المكان المناسب لـ«مشاغب» مثله، فعاش أغلب عمره معتقلًا، أو مُطاردا مطلوبا للاعتقال، وفى زنازين كل الأنظمة تعرض لأنواع شتى من التعذيب والتنكيل والقهر، لكنه لم يصفح إلا عن «عبدالناصر»، وكتب فى جلاده قصيدة عصماء، تعد من أروع ما كتبه الشعراء فى الزعيم «خالد الذكر»، بل تفوق ما نظمه أكثرهم عشقًا فيه.
لماذا غفر «أبوالنجوم» لـ«ناصر»، الذى سجنه وعذبه، وأقسم ألا يغادر زنازينه ما دام فى السلطة، وقال عنه، فى قصيدته «زيارة إلى ضريح عبدالناصر»: «إن كان جرح قلبنا.. كل الجراح طابت ولا يطولوه العدا.. مهما الأمور جابت»؟، لماذا فعلها مع الرئيس الذى كان – رسميًا – السبب فى الهزيمة المروعة وضياع الأرض والحلم؟، ولم يفعلها مع «السادات»، الذى حارب وانتصر واسترد الأرض وغسل عار النكسة؟

3 حكايات تكشف شخصية «أبوالنجوم».. وانحياز جمال للفقراء سبب الصفح عنه
تظل قصيدة «زيارة إلى ضريح عبدالناصر» من الألغاز المحيرة فى مسيرة «الفاجومى» الشعرية والإنسانية، ومازال هناك الكثير مما لم يُكشف عن ظروف كتابتها، والأسباب التى دعت الشاعر إلى البكاء على ضريح الزعيم بعد نحو ١٥ عاما من رحيله.
لن تفهم سر الموقف الغريب لـ«نجم»، ولن تستوعبه أو تنجلى لك الصورة إلا بعد أن تسمع هذه الحكايات الثلاث، وتستشف ما فيها من معانٍ إنسانية ساطعة.
الحكاية الأولى بدأت عندما سافر «أبوالنجوم» إلى بيروت، ليحل ضيفًا على إحدى قنواتها الشهيرة، واتفق مع القائمين عليها على أن يحصل على مقابل مادى يبلغ ١٠٠٠ دولار، وأن يخصصوا له سيارة بسائقها طوال أيام الرحلة، التى رافقته خلالها زوجته «أم زينب».
ومن أول ساعة، ضرب «عم أحمد» صداقة مع السائق اللبنانى، وتعاطف مع شحوبه وفقره، وحالة البؤس الظاهرة على ملامحه، وراح السائق يحكى له عما يعانيه فى حياته، ويفضفض له كصديق حميم.
قرر «عم أحمد» فى نهاية الزيارة، وبعد أن تقاضى مبلغ الألف دولار، أن يعزم السائق وأسرته على عشاء فاخر، وجاء السائق إلى العشاء، ومعه أسرته وأسرة زوجته وجيرانه، وكل من استجاب للدعوة من معارفه.
وكادت «أم زينب» تصاب بانهيار عصبى حاد، وهى تشاهد زوجها «المجنون» ينفق الألف دولار، التى رتبت بها أمور حياتها خلال الشهرين المقبلين، وذكّرته أنه «مفلس»، وليس فى بيته أى شىء، لكنه لم يهتم.
اتصلت بـ«ميشو»، أو ميشيل غالى، أقرب أصدقاء «عم أحمد» ومساعده، الذى لم تمكنه ظروف شغله فى السياحة من مرافقته فى رحلته البيروتية، وراحت تصرخ عبر أسلاك الهاتف، ليقنع زوجها بإيقاف تلك العزومة العبثية، فتناول «عم أحمد» الهاتف، وشرح موقفه لصديقه فى هدوء: «يا ميشو.. أنا لقيت ناس عندها (جوع تاريخى).. خليهم ياكلوا وينبسطوا».
وعاد «عم أحمد» من بيروت كما ذهب، إلى بيته فى «مساكن الزلزال»، ثم توقف ليشترى ساندوتش فول، وأكله، ونام قرير العين.
الحكاية الثانية كانت عندما حظى سطح بيته بشهرة واسعة، وأصبح قبلة للمريدين، وجمع السطح بين كل أصناف البشر ودرجاتهم، من وزراء ومسئولين، ولواءات سابقين فى الشرطة والجيش، إلى كادحين ومسحوقين و«ملح الأرض».
وفى مرة أخبروا «عم أحمد» أن واحدًا من «الشعب»، الذى فتح له «السطوح»، تجرأ على سرقته، وأنهم شاهدوه يسطو خلسة على المسروقات، التى هى بقايا «باكو المعسل»، و«باكو الشاى»، وظنوا أنه سيوبخ السارق على فعلته، وسيمنعه حتما من دخول بيته مرة أخرى، كمسألة مبدأ، فالذى يمد يده على الصغيرة، يمكنه أن يسرق الكبيرة.
لكن «نجم» أصدر أوامره بحسم: «ولا حد يكلمه، ولا كأنكم خدتم بالكم من حاجة»، ولما جاء المتهم فى المرة التالية، إذا بـ«عم أحمد» يخرج من جيبه نقودا، ويطويها ويدسها فى جيب اللص خلسة، وكأنها هدية منه، ولما سأله الجميع مستغربين عن هذا التصرف، قال بفلسفة: «عايزين تفضحوا واحد غلبان، الدنيا (دايسه عليه)، لحد إنها اضطرته يسرق (تلقيمة شاى)، خليكم حنينين عليه يا كفرة».
أماالحكاية الثالثة فمع رجل الأعمال الشهير نجيب ساويرس، الذى كان من «دراويش» نجم ومحبيه الحقيقيين، وكان مستعدا لأن يستجيب لكل طلباته بلا نقاش، وذات مرة، اتصل به «عم أحمد» وألح فى طلبه.
ولما كانت تليفونات رجل الأعمال مغلقة، «قلب» نجم الدنيا حتى وصل إليه، وظن نجيب أن هناك حدثا جللا، أو مشكلة كبيرة يطلبه لأجلها، وبالفعل كان «عم أحمد» فى ورطة، فقد لجأت إليه سيدة رقيقة الحال، تستنجد به، لأن زواج ابنتها تعطل لضيق ذات يدها، وكل ما تطلبه هو ثمن (مرتبة) سرير، وبضع أشياء أخرى حددتها له، يتوقف عليها إتمام الزواج. وشعر «عم أحمد» أنه مسئول عن إتمام الزيجة، وخلال ساعات كانت الزغاريد تدوى فى بيت السيدة المطحونة، بعدما تبرع نجيب بحجرة النوم كاملة، إكراما لخاطر «عم أحمد».
المعنى الواضح الذى تخرج منه بسهولة من هذه الحكايات، وغيرها، أن «أبوالنجوم» كان منحازا لفقراء هذا الوطن على طول الخط، يشعر أنه شاعرهم وابنهم، والمتحدث باسمهم، كانوا هم قضيته وشغله وشاغله، ومن هذه النقطة يمكنك أن تفهم وتستوعب لماذا انحاز إلى «عبدالناصر» وحده من بين كل الرؤساء الذين عاش فى عهودهم وسجونهم.
باختصار، لأن «عبدالناصر» كان نصير الغلابة فى هذا الوطن، كان «أمير الفقراء»، وكان منهم، وانحاز لهم، وشعر بهم، وعاش عيشتهم، ومات فقيرا.

قالت له أمه بعد وفاة الزعيم: «إنت تافه.. عمود الخيمة وقع يا حمار»
فى تسجيل نادر، بصوت «أبوالنجوم» روى الشاعر قصة قصيدة «زيارة إلى ضريح عبدالناصر»، وكواليسها، وأظن أن ما يحكيه نجم فى هذا التسجيل- الذى أمتلك نسخة منه وأنشر تفاصيله هنا - يتضمن أسرارا جديدة عن القصيدة، وعن موقفه من عبدالناصر، وكيف تحول إلى واحد من «دراويش» الرئيس، الذى سجنه وجلده وتوعده أن يدفنه بالحيا.
يحكى نجم بطريقته: «علاقتى بعبدالناصر معقدة جدا، رغم كل حاجة لقيت نفسى بحبه قوى، لأنه فى النهاية كان بالنسبة لى أمير الفقراء، كان بالنسبة لى بلال المؤذن، اللى بشرنا بالاشتراكية والوحدة والعدالة والتصنيع والتحرير وكل شىء جميل فى الحياة، ولما مات عبدالناصر كنت أنا وإمام فى السجن، ولقيت نفسى عمال أبكى، مش على عبدالناصر لكن على الحلم اللى راح».
ويستكمل نجم: «وساعتها أنا – وأعوذ بالله من قولة أنا- عرفت إيه اللى هايحصل لمصر وفقرائها بعد عبدالناصر، واللى دلنى على المعنى ده هى أمى- الله يرحمها- لما جت تزورنى فى السجن، فى الأسبوع اللى مات فيه عبدالناصر».
«لقيت عينيها حمرا»، سألتها بفضول: «إيه يامَّا إنتى كنتى بتعيطى؟»، قالت باندهاش: «آه طبعا»، قلت لها: «ليه؟»، قالت بنفس الاندهاش: «إنت مش فى الدنيا؟ الله مش جمال عبدالناصر مات؟»، قلت لها بانفعال: «يا ولية يا مجنونة يا بنت المجنونة، تعيطى على الراجل اللى معتقل ابنك؟»، قالت لى: «إنت تافه ومش فاهم حاجة، عمود الخيمة وقع يا حمار، سند الغلابة مات».
ويتابع: «وده كان أول درس أخدته من أمى، الحقيقة مش أول درس لأنها كانت دايما تدينى دروس، لكن فى الموقف ده هى اللى لفتت نظرى للمعنى اللى بيمثله عبدالناصر، عمود الخيمة بتاع الغلابة، وبدأت فكرة القصيدة».
المفاجأة أن نجم كتب قصيدته «زيارة إلى ضريح عبدالناصر» قبل أن يذهب لزيارة الضريح، كتبها فى سوريا، بعد رحيل عبدالناصر بنحو ١٥ سنة، وحسب ما يحكيه، فإنه كان ضيفا على الحكومة السورية فى عهد حافظ الأسد، وتصادف أن كانت زيارته متزامنة مع الاحتفال بثورة الأسد ووصوله إلى السلطة.
فى سوريا، زاره رئيس تحرير جريدة «تشرين»، صوت الثورة، وأكبر صحف النظام تأثيرا، وطلب منه المشاركة فى الاحتفال الذى سيقام فى أكبر قاعة للاحتفالات فى سوريا، وتتسع للآلاف، وكان نجم يتمنى أن يقف على مسرحها لينشد شعره فى السوريين، ولما كان رئيس التحرير يعرف محبة السوريين للشاعر الكبير، طلب منه المشاركة بقصيدة جديدة، وهمس له: «يا ريت تكون فيها أبيات فى مديح القائد حافظ الأسد، راعى القومية العربية».
يحكى نجم أن عبارة «راعى القومية العربية» رنت فى أذنه، وراح يفكر فيها طوال تلك الليلة، ويستغرب من هؤلاء الذين ورثوا «القومية العربية»، وتاجروا بها، فى حين أن بطل القومية العربية الحقيقى وصانعها لم يعد يتذكره أحد، وتذكر دموع أمه، وهى تبكى حزنا على عبدالناصر، تبكى عمود الخيمة الذى مات، تبكيه حتى وهو يضع ابنها فى سجونه، وفى تلك الليلة بدأ نجم فى كتابة مرثيته الشهيرة فى عبدالناصر. وقتها، راحت صحف النظام السورى تزف البشرى بأن نجم سيشارك فى احتفالية الثورة بقصيدة جديدة، تتضمن أبياتا فى مديح الأسد، «راعى القومية العربية»، وكان هناك من محبى نجم الحقيقيين من صدمهم الخبر وأدهشهم وأغضبهم، وقرروا الحضور لرؤيته وهو يمدح الأسد، ويقبض الثمن.
لكن نجم فاجأ الجميع بقصيدة تقطر حبا فى عبدالناصر، ترثى «عمود الخيمة» الذى سقط، ويودع بها «أمير الفقراء» بعد سنوات طويلة من رحيله، ويعيد الاعتبار لـ«نبى القومية العربية»:
«وإحنا نبينا كده من ضلعنا نابت لا من سماهم وقع ولا من مرا شابت ولا انخسف له القمر ولا النجوم غابت أبوه صعيدى وفهم قام طلعه ظابط ظبط على قدنا وع المزاج ظابط فاجومى من جنسنا مالوش مرا عابت فلاح قليل الحيا إذا الكلاب سابتولا يطاطيش للعدا مهما السهام صابت عمل حاجات معجزة وحاجات كتير خابت وعاش ومات وسطنا على طبعنا ثابت».
3 اعتاد زيارة ضريح «أمير الفقراء» سرًا
كان وقع القصيدة مجلجلا، وخلال أيام كانت تتردد فى العالم العربى كله، ووقتها تلقى نجم اتصالا من شاعر العرب الأشهر وقتها نزار قبانى، صاحب أشهر القصائد فى رثاء عبدالناصر، ولم يملك نزار سوى أن يهنئه على قصيدته المكتوبة بعامية مصرية بليغة، وباللهجة نفسها التى غزا بها ناصر قلوب الجماهير العربية.
نزار قال له مادحا: «فشّلت لنا كل اللى كتبناه فى عبد الناصر يا أخو...»، وما بين الأقواس كلمة بذيئة، قصد بها نزار التعبير عن شديد إعجابه بقصيدة نجم.
ويحكى نجم فى تسجيله النادر: «لما الشيخ إمام سمع منى القصيدة استغرب، وقال لى: «إيه ده معقول؟، ما اتصورش إنى أنا اللى أكتب الكلام ده فى الرجل اللى عذبنا وحبسنا»، قلت له: «بالراحة، طب اسمع القصيدة كويس، ولما سمعها لقيته بيبكى، وقال: معاك حق».
ويحكى لى ميشيل غالى، أقرب أصدقاء نجم فى السنوات العشرين الأخيرة، ومساعده ورفيقه المقيم معه على مدار الساعة، أن عم أحمد زار ضريح عبدالناصر مرات، وكانت زياراته لضريح الزعيم سرية، بعيدا عن الأضواء والكاميرات.
وقال: «كان يتسلل وحده أحيانا، ويذهب لقراءة الفاتحة على روحه، ثم يعود، وكانت واحدة منها فى حضور المهندس عبدالحكيم عبدالناصر، وأنشد نجم قصيدته (زيارة إلى ضريح عبدالناصر) عند قبر الزعيم، بإلقاء من القلب سالت له دموع الحاضرين». وقبل أيام، سألت الشاعر زين العابدين فؤاد، صديق نجم التاريخى: «هل لديك تفسير لموقف نجم الحاد من السادات؟»، فأجاب: «لم يكن عداء شخصيا، بل من منطق وطنى، القضية الوطنية كانت هى المفصل فى الموقفين، صحيح عبدالناصر سجنه وعذبه، وكانت لديه تحفظات على موضوع الديمقراطية والحريات فى عهده، لكنه ظل عنده فى النهاية زعيما، له مشروعه الوطنى وانحيازه للفقراء». واستكمل: «على العكس كان السادات، الذى عقد اتفاق سلام منفردًا مع إسرائيل، ورفرف العلم الصهيونى فى سماء القاهرة، وأعلن بوضوح أن أوراق اللعبة فى يد أمريكا، وبدأت فى عهده سياسة الانفتاح، التى حرمت الفقراء من مكاسبهم فى زمن عبدالناصر». من هنا، نستطيع أن نفهم كل هذا الصدق، وكل هذا التقدير الذى كتب به «أبوالنجوم» قصيدته، على ضريح «أمير الفقراء»: «السكة مفروشة تيجان الفل والنرجس والقبة صهوة فرس عليها الخضر بيبرجس والمشربية عرايس بتبكى والبكا مسموع من دا اللى نايم وساكت والسكات مسموع سيدنا الحسين؟ ولا صلاح الدين؟ ولا النبى ولا الإمام؟ دستور يا حراس المقام ولا الكلام بالشكل دا ممنوع؟».