من الواضح أننا استطعنا أن نصدر إلي أوروبا القمع وكبت الحريات والرقابة التي تتدثر باسم سمعة البلد، بينما لم نستورد منها الحرية والديمقراطية.. رئيس الوزراء الإيطالي «سيلفيو برلسكوني» بدأ يستخدم تعبير «سمعة إيطاليا» تم استيراده من مصر لأننا أصحاب الحق الأول في اختراع هذا التعبير.. شن «برلسكوني» حرباً شعواء لمواجهة صناع الأفلام والمسلسلات الدرامية التي تتناول المافيا والجريمة المنظمة في إيطاليا والتي تطول أيضاً عدداً من كبار الرؤوس ولا يسلم منها «برلسكوني» شخصياً حيث إن هناك اتهامات دائماً معلقة فوق رأسه، والغريب أن «برلسكوني» لديه أضخم مؤسسة إعلامية خاصة في إيطاليا، كانت تقدم أيضاً مثل هذه المسلسلات والأفلام التي تفضح المافيا ونفاذها إلي صناع القرار؟!
المفاجأة هذه المرة أن عدداً من هذه الأعمال الفنية لعبت دوراً عكسياً في إعادة خطط تلك العصابات، حيث استفادوا من اكتشاف حيل المخابرات وأجهزة الشرطة التي تقدم في الأفلام لتغيير تكتيكهم لمراوغة أجهزة الشرطة.. من الممكن بالطبع أن يسيطر «برلسكوني» علي التوجه الفكري للمحطات التي يملكها، ولكن من المستحيل أن تمتد سطوته إلي كل القنوات الأخري، لأن قانون الحرية هو الذي يسود دائماً في نهاية الأمر، أما الغطاء الذي يتردد عن حماية سمعة البلد وعدم نشر غسيلها القذر علي الملأ فإنها تظل مجرد حجج لا تنطلي علي أحد، «برلسكوني» نفسه فضحت ممارساته العديد من الأفلام مثل فيلم «التمساح»، شاهدته قبل بضع سنوات في مهرجان «كان» كان الفيلم جريئاً في نقده لبرلسكوني وسياسته وعرض الفيلم داخل وخارج إيطاليا رغم كل الاعتراضات.. فلا توجد رقابة تملك قرار منع عرض الأفلام في البلد وخارجها أيضاً.. وعندما يوجه رئيس الوزراء هذا النداء فإن هذا لا يعدو أن يكون أيضاً سوي تأكيد علي أن هذه الدولة تملك الحرية، لو كنا في دولة عربية يكفي للرئيس أن يقول ثم يتبعه الإعلام باعتباره كورس يردد ما سبق وأن اتفقوا عليه جميعاً وبعدها تغلق كل القضايا.. الدولة في كل العالم.. مهما بلغت الديمقراطية ذروتها فإن هناك من يمارس ضغوطًا من أجل أن تظهر الصورة حلوة للبلد وفي العادة لا يعنيه البلد، ولكن يخشي أن تفضحه اتهامات الفساد.. كما أن للدولة أسلحتها ولا شك للفنان أدواته ولهذا فأنا لا أخشي سوي أن يراها البعض ذريعة ليؤكد أنهم أيضاً في إيطاليا رفعوا شعار عدم نشر غسيلهم القذر ويطالب بأن علينا من باب أولي ألا ننشر غسيلنا وينسي أنهم سيظلون ينشرونه ولن يتوقفوا عن النشر حتي ينصلح حال الغسيل!!



