1-.. هذا الصباح الشتوي الرائع هو مطلع أيام الجوع التي يبدو أنها ستكون طويلة (هكذا يحدثني قلبي الحديدي)، لقد فرغ الغاز من جوفي مساء أمس لكني خلدت للنوم مع سكان هذا الجحر الذي يسمونه بيتا.. هو طبعا لا يمت للبيوت التي كثيرا ما آويت فيها بأي صلة، فهنا ـ مثلا ـ لا يوجد سيراميك أو رخام ولا شيء من زينة وملامح المطابخ والحمامات التي أعرفها.. في الواقع لا يوجد في هذا المكان مطبخ ولا حمام أصلا، بل الموضوع كله مجرد أربعة جدران رطبة بائسة تسيجنا وننحشر نحن جميعا وسطها ، وأقصد بنحن : محسوبتك «الأنبوبة»، وذاك «البوتاجاز» المسطح التعبان الذي كنت أغذي شعلتيه اليتيمتين غازًا قبل أن يجف ضرعي وينضب معيني، وبضعة حلل وأطباق مضعضعة، فضلاً عن سرير واحد مُهدم يلتهم أغلب فراغ وتحف به «كراكيب» غير معروف كنهها، ثم.. ثم لا شيء آخر سوي كومة من اللحم البشري المكدود يتكون من رجل وامرأة وعيال مفاعيص تتفاوت حظوظهم من الشقاوة بيد أن حظهم من الأنيميا وسوء التغذية وافر وواضح جدًا.
2- أظن أن السطور السابقة مكررة فقد كتبتها (ربما بتفاصيل أكثر) في موضع آخر من هذه المذكرات لكني أعيدها الآن لكي أعترف بأنني صرت متعاطفة بشدة مع هؤلاء الناس وتبخر شعورالقرف والاشمئناط الذي بدأت به عشرتي معهم قبل أسابيع، فقد كنت وقتها مازلت متأثرة بالمصادفة التي جعلتني أتنقل علي مدي شهور متصلة بين عدة بيوت مستورة تمتعت في بعضها بعيشة فاخرة وآيات من «الدلع» المفرط ليس أقلها التدثر بغطاء (في الواقع هو «فستان") بلاستيكي مزركش وأنيق، وكذلك القعدة طول الوقت علي مقعدة تعزل مؤخرتي عن برودة السيراميك التي هي أصلا لذيذة ومنعشة (أين هي من الأرض المتربة المبلولة التي أقف عليها في هذه اللحظة؟).. باختصارعندما أتيت إلي هذا الجحر كنت نسيت تماما تلك الحكمة الخالدة التي نتداولها نحن معشر الأنابيب ونتوارثها من جيل لجيل وتقول : «شوية مع الناس اللي فوق وشوية مع الناس اللي تحت.. هذه هي الحياة»، أو كما يقال بالفرنسية الفصحي «c' est la vie».
3- غني عن البيان أنني لم أعمل شيئا هذا الصباح بسبب جفافي وفراغي(كان العمل في هذا الجحر دائما خفيفا وهينا لأسباب مفهومة) ولست أعرف كيف طاق الرجل الصيام عن اصطباحة «الشاي الحبر» الذي يجرح به ريقه كل يوم قبل أن تقوم العصافير من مخادعها ويهرول هو إلي «طابونة» العيش ليفوز بدور معقول في الطابور، كل ما أعرفه أنني سمعته بأذني الحديدية هذه التي سيأكلها الصدأ وهو يتجشأ ويكح بعنف ويأمر الست حرمه المصون بالكف عن «اللكاعة» وأن تقوم فورا وتحملني وتذهب بي إلي «مستودع الأنابيب» لعل وعسي يفرجها ربنا وتنجح في استبدالي بأنبوبة زميلة شبعانة ومترعة بالغاز.. غير أن الست اتلكعت وبقيت ـ كعادتها الصباحية اليومية ـ تتوجع وتشكو من كل حاجة فيما هي تصرخ في عيالها وتزغد هذا وتلكذ تلك هاتفة «قوم ياواد قومي يابت» ولا من مجيب.. ثم أخيرا هيلا هوب، رفعتني إلي عنان السماء وهبطت بي علي رأسها هامسة: «آه يانا ياغلبي»، ومن فرط طيبتها وحرصها عليَّ أبت أن تنزلني من فوق دماغها وتمرمغني (كما يفعل آخرون بأمثالي) علي أسفلت الشارع العمومي الذي وصلته الست بطلوع الروح، بل لقد أبقتني في عليائي حتي أتي الميكروباص الذي ناهدها سائقه وطالبها بإن تدفع أجرتين، واحدة لها وأخري لي، غير أن الست ناهدته وتوسلت بالمنطق الشكلي تارة وبالمحايلة تارة أخري حتي اضطر للقبول صاغرًا بربع جنيه زيادة وخلاص.
4- نهب الميكروباص الشوارع المزدحمة نهبًا وعبر بنا «مزلقانات» وكباري وحاجات، واخترق جبال شماء من الزبالة، وغاص وجاس في محيطات وحل وطين، ثم سلمنا لـ«توك توك» ممسوس بشياطين زرق راح يتنطط ويتقافز بنا ذات اليمين وذات اليسار حتي وصلنا أخيرا إلي «المستودع»، ولدهشتي فقد وجدت منظر محيطه المترب المترامي وكأنه مشهد منقول من يوم الحشر العظيم.. كان بإمكاني من موقعي فوق دماغ الست (التي قطع المشوار أنفاسها وعدمها العافية تماما) أن أري حشودا تسد الأفق اختلط فيها البشر بزملائي وأخوتي الأنابيب لدرجة أنك في هذا الخضم ربما لا تستطيع التمييز بين رجل وامرأة، وعيل وأنبوبة.. كان «الكل في واحد» فعلا، وبدت لي الوحدة الوطنية ووحدة عناصر الكون وقد تجلت في هذا المكان علي نحو بليغ ورائع.
5- في البداية غمرني المشهد العجيب هذا بمشاعر إثارة ونشوة عارمتين ألهتاني تماما عن ألم الجوع والخواء، والحقيقة أنني أنفقت وقتا ليس قليلا في تبادل التحية والسؤال عن الصحة والأحوال مع صديقاتي وزميلاتي الأنابيب لاسيما وأن بعضهن لم أكن قد رأيتهن من أزمان سحيقة.. لكن بمرور الوقت وتداعي الساعات الطوال فوق بعضها، ساد الملل والزهق، وتفاقم الوضع وأمعن في السوء رويدا رويدا حتي استحال الزحام إلي طوفان كاسح من الفوضي، ولست أدري ـ حتي الساعة ـ ما الذي حدث بالضبط لحظة انطلاق الجحيم من عقاله، كل ما أتذكره أن أجسادا بشرية عديدة لمحتها معجونة وتنز دماء فوق التراب.. أكتب هذه السطور الآن من مكان معتم مجهول وقلبي الحديدي يكاد ينفطر من شدة الخوف والقلق علي الست التي حملتني في الصباح فوق رأسها.. أخشي أنها ماتت في الطوفان.



