رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

ومازال البحث جاريًا عن «الفضيلة»!


يقول سقراط: «إن الفضيلة هى المعرفة فى حقائق الوجود»، وإلى هنا تنتهى مقولة الفيلسوف سقراط، وأنا أضيف أن المعرفة هى العلم، والعلم بلا فضيلة هو سيف الشيطان الذى يفتح الأبواب على كل موبقات الدنيا، ونعرف أن الفضائل كثيرة ومتشعبة...

... فهناك الفضائل الأخلاقية والمذهبية والجمالية والفطرية، وخلاصتها تنتهى إلى ضرورة التحلى بالدرجة الرفيعة من حسن الخلق والشجاعة والعفة والعدل. ولست هنا أبحث عن الكمال والاكتمال فى المدينة الفاضلة التى كانت فى أحلام أفلاطون، ولكنى أبحث عن كيفية العودة إلى إنبات بذورها وتشذيبها من الشوائب التى علقت بها فى نسيج المجتمع المصرى، الذى أراه ابتعد كثيرًا عن تلك المزية الأخلاقية، وعن كل مايتسم بالخير من صفات و شيم الشخصية المصرية السوية التى عرفها العالم على مر التاريخ، لتسهم فى تحسين معيشة الفرد والارتقاء بمعاملاته الحياتية بين أفراد المجتمع، والارتفاع فوق مستوى الذات والاهتمام الصادق بالآخرين، وهذا لن يتأتى مطلقًا إلا بترسيخ مفاهيم الانتماء الحقيقى للوطن وجذوره الضاربة فى أعماق تربة التاريخ، بعيدًا عن مفاهيم الاصطفاف والتخندق والتنرجس ضمن ما يسمى بـ«الأحزاب التى تتخفى خلف عباءة الدين وغير معلومة التوجهات والمقاصد» بغيتها بث الفرقة بين صفوف المجتمع وأفراده، ولا تعمل على بث القيم والثوابت الوطنية فى النفوس ؛ خاصة بين أجيال الشباب الصاعد الباحث عن طريق قويم للمستقبل.

إذن .. الفضيلة بكل مواصفاتها الأخلاقية السامية؛ يجب أن تكون هى الدرس الأول فى مناهج التعليم فى كل مراحله، وضرورة أن تواكبها السلوكيات الحميدة من الكبار، فنجد الأب القدوة والمعلم النبراس ورجل الدين الذى يعرف أبعاد وحدود الفتاوى وصحيح العقيدة ؛ ليكونوا بهذا هم المثال والقدوة الحسنة للسير على نهجهم فى كل مايتعلق بالعلاقات الاجتماعية الفردية والجماعية، ولابد أن يصدر هذا عن قناعة ثابتة فى الأعماق بلا تكلف أو مداهنة، ويكون السلوك نابعًا من الذات ومتغلغلاً فى صميم الروح والوجدان. وأعتقد أن العودة إلى الظلال الوارفة للفضيلة فى المجتمع، ليست بالمعضلة ولا بالشىء العسير، فقط علينا أن نحترم الأعراف المجتمعية السائدة قبل أن يحكمنا الخوف من سطوة القانون ورهبته وهيبته، ويجب على الأدباء والشعراء والصفوة أن يجندوا أقلامهم ونتاج عقولهم لتغيير الواقع ـ فهذه مهمتهم الأساسية ـ لتنعكس مرآة إبداعاتهم الراقية على المجتمع صغيرُه وكبيرُه، ولا شك أنه عبء ثقيل على من يتولون مهمة إيصال الثقافة إلى عقول من يقطنون فى الكفور والنجوع، ونعود لنؤكد أن المناهج التعليمية أقرب وأسهل الطرق للوصول بما نريده من إصلاح وتقويم إلى العقول الشابة والأجيال الصاعدة، لأن الفضيلة تربية فى المقام الأول، وهى تدريب متصل ومستمر يبدأ منذ نعومة الأظفار على اعتناق المبادىء والقيم النبيلة التى تعكس بالضرورة طبيعة وتركيبة عقل المجتمع الذى نعيش فيه.

ولسنا بحاجة إلى استصدار القوانين التى تحض على مكارم الأخلاق والمحاسبة فى حال انحراف أفراد المجتمع عنها، لأنه من الواجب الحتمى أن يكون الضمير النقى هو الوازع والدافع لكل الأفعال التى ننتهجها فى كل مساراتنا الحياتية، والضمير بترجمته الحرفية يعنى الأمانة فى كل التصرفات العلمية والعملية والحرص على الوشائج الاجتماعية والوطنية ؛ ليسود السلام والوئام جنبات المجتمع، وتكون الفضيلة بكل مزاياها هى العرف السائد الذى يخجل من الخروج عنها كل من تسول له نفسه الأمارة بالسوء الانحراف عن ممارستها، وحينئذٍ سنكون بحق قد أقمنا صرح المدينة الفاضلة بأفضل وأكبر بفراسخ مما تخيلها أفلاطون ؛ لأنه سيكون أساسها الإنسان/الإنسان، يستوى فى هذا الموظف والعامل والمهندس والطبيب والخبَّاز والبنَّاء والجندى والشرطى والحدَّاد والأديب والشاعر والمعلِّم، وكلمة الإنسان بمعناها الواسع تأخذ فى عباءتها وتحت ثناياها الرجل والمرأة كبارًا وصغارًا، لنودع كل التصرفات القميئة والمسيئة التى ابتلى بها الشارع المصرى من «بعض» المنفلتين سلوكيًا وأخلاقيًا ؛نتيجة الكثير من الاعتبارات التى لا مجال لسردها فى هذا الحديث القلبى الصادق، وما دعانى إلى هذه الدعوة إلا نفورى من بعض التصرفات الممجوجة الدخيلة على مجتمعنا، والتى تسىء إلى مظهر مصر الحضارى والثقافى فى عيون الزائرين من شتى بقاع العالم. هيا بنا معًا لنبحث عن بقعة ضوء لتنير لنا الطريق الأمثل لإقامة صرح المدينة الفاضلة التى نحلم بها نحن لأنفسنا ولوطننا العزيز، ونحقق مقولة الفيلسوف «سقراط» لمعرفة حقائق الوجود الإنسانى الفاعل فى دروب الحياة. ومازال البحث جاريًا ......... !