رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

رؤيتى.. ومجلس الشيوخ


تبدأ اليوم مرحلة التصويت فى انتخابات مجلس الشيوخ داخل الدولة المصرية على مستوى جميع محافظاتها، وذلك بعد الانتهاء من عملية تصويت المصريين فى الخارج منذ يومين.. والواقع أننى أتابع عن كثب ما جاء فى التعديلات الدستورية الأخيرة التى تمت الموافقة عليها شعبيًا العام الماضى والتى جاء ضمن موادها إعادة الحياة الى مجلس الشيوخ بحسبانه الغرفة البرلمانية الثانية، وذلك ليكتمل الإطار العام للمنظومة التشريعية بشقيها متضمنًا مجلسى النواب والشيوخ.
وطوال الفترة السابقة فى عملية التصويت لتلك الانتخابات سادت حالة من الجدل المشروع حول مدى جدوى هذا المجلس الذى تم تجميده منذ ثورة يونيو 2013، حيث كان إبان حكم جماعة الإخوان الإرهابية إحدى وسائل إحكام السيطرة على الحياة التشريعية للدولة، وذلك عندما تم اقتسام كوادر الأحزاب الدينية ما بين مجلسى النواب والشورى الذى تم تغيير اسمه إلى الشيوخ فى التعديلات الدستورية الأخيرة.. وكان محل مجاملة من قبل الجماعة إلى الأحزاب التى تدور فى فلكها وتأتمر بتعليماتها.
وقد تضمنت المواد المتعلقة بالواجبات الملقاة على عاتق مجلس الشيوخ فى التعديلات الدستورية الأخيرة العديد من المواد المهمة التى يجب أن ننظر إليها باهتمام وعناية فائقة.. والتى تتضمن إبداء الرأى فى الاقتراحات الخاصة بتعديل مادة أو مادتين فى الدستور، وأخذ الرأى فى مشروع الخطة العامة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، وكذلك فى معاهدات الصلح والتحالف، وجميع المعاهدات التى تتعلق بحقوق السيادة، ومشروعات القوانين المكملة للدستور التى تحال إليه من رئيس الجمهورية، أو مجلس النواب، ثم ما يحيله رئيس الجمهورية إلى المجلس من موضوعات تتصل بالسياسة العامة للدولة، أو فيما يتعلق بسياستها فى الشئون العربية والخارجية.. وذلك على أن يتم إبلاغ رئيس الجمهورية ومجلس النواب بالرأى فى هذه الأمور على النحو الذى تنظمه اللائحة الداخلية للمجلس.
بطبيعة الحال عندما يطلع على تلك الاختصاصات رجل الشارع العادى دون أن يتم شرحها له ببساطة سوف يشعر بأنها لا تمثل لحياته وعمله ومشكلاته الحياتية أهمية كبيرة، وبالتالى كانت هناك حالة من العزوف عن الاهتمام بمتابعة تطورات المشهد الانتخابى إلا مؤخرًا، عندما ظهرت لافتات المرشحين فى المحافظات المختلفة التى جاءت بدورها على استحياء وبشكل مختلف تمامًا عن الدعاية الانتخابية الخاصة بمجلس النواب التى تأخذ حيزًا كبيرًا من اهتمام المرشحين والناخبين، وذلك على ضوء الأهمية الفعلية لهذا المجلس الذى له الحق فى مناقشة ومتابعة أداء الحكومة، وكذلك فى استصدار التشريعات والقوانين التى تمس هموم ومشاكل وأحلام المواطن المصرى فى المحافظات المختلفة.. وهنا يجب أن أشير إلى أن الإعلام والأحزاب المختلفة لم تنجح فى جذب اهتمام هذا المواطن لمتابعة فكرة وأهداف مجلس الشيوخ.. وهو الأمر الذى جعل تلك الأحزاب تنضوى تحت لواء يسمى "القائمة الوطنية الموحدة"، التى تشمل معظم الأحزاب الفاعلة على الساحة للاستفادة من قدرات تلك الأحزاب وتأثيرها فى الشارع المصرى، وهى فكرة إيجابية ولها اعتبارها على ضوء ذلك الإحجام عن الاهتمام بالمشاركة فى تلك الانتخابات، بالإضافة أيضًا إلى أنها ضمت أصواتًا كانت فى موقع مختلف على الخريطة السياسية للبلاد، وهو ما يؤكد أن هناك تغييرًا إيجابيًا واضحًا لصالح الاهتمام بالقضايا الاساسية ذات الصلة بحماية الوطن والدولة من مخاطر محيطة تستهدف حالة النهوض التنموى الذى يترصد له أعداء الوطن لإجهاضه وإغراقه فى الصراعات الداخلية والخارجية التى تمر بها البلاد حاليًا.
إلا أن كل هذا لا يعنى أن مجلس الشيوخ ليس له الأهمية الكافية لاستكمال المشهد التشريعى.. بل إننى أرى وبكل الشفافية والوضوح أن المواد التى أسندت لهذا المجلس لها من الأهمية ما لا يقل- من وجهة نظرى- عن العديد من المهام المسندة لمجلس النواب، خاصة فيما يتعلق بإستراتيجية الدولة وتوجهاتها فى معاهدات التحالف والمعاهدات التى تتعلق بحقوق السيادة.. فها نحن اليوم نرى اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان التى أزعجت النظام الإخوانى الحاكم فى تركيا وليبيا.. ثم اتفاقية إعلان المبادئ فى قضية سد النهضة بين مصر والسودان وإثيوبيا التى تستند إليها مصر أمام المجتمع الدولى ومجلسى الأمن والاتحاد الإفريقى لكشف حقيقة المراوغات التى تقوم بها إثيوبيا حاليًا لتحقيق أقصى استفادة ممكنة من هذا السد حتى ولو كان على حساب وجود وحياة الشعبين المصرى والسودانى.
وكلتا الاتفاقيتين تمثل بالنسبة لمصر بعدًا اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا فى غاية الأهمية.
ثم نأتى إلى تلك المادة الخاصة بما يحيله السيد رئيس الجمهورية إلى المجلس من موضوعات تتصل بالسياسة العامة للدولة أو بسياستها فى الشئون العربية والخارجية، وهنا أزعم أن سيادته سوف يقوم بتفعيل هذه المادة تحديدًا وذلك للإسراع فى استصدار القوانين والتشريعات المتعلقة بهذا الشان وتخفيفًا للأعباء الملقاة على عاتق مجلس النواب ولجانه المختلفة والتى تبذل جهدًا كبيرًا فى مناقشتها، خاصة على ضوء الافتقاد أحيانًا لعنصرى الخبرة والتخصص فى هذه المجالات.
وهناك أيضًا بعض النقاط التى لو أحسن التعامل معها بجدية واهتمام فسوف يحقق أكثر من الأهداف المرجوة منه، خاصة وأن لدى قناعة كاملة بمقولة أن الأشخاص هم من يصنعون النجاح فى أى موقع يعملون به أو أنهم قد يحطمون الآمال المعقودة على هذا الموقع.
ولعل من أبرز تلك النقاط من خلال رؤيتى ما يلى..
- الاستفادة من الخبرات التراكمية والمتنوعة للأعضاء الذين سوف يتم انتخابهم، سواء بالقوائم أو بالنظام الفردى.. وهنا أتمنى أن يغطى عدد الأعضاء الذين يتم اختيارهم من قبل السيد رئيس الجمهورية والذين يمثلون ثلث عدد أعضاء المجلس، تلك الفجوة التى قد تظهر، أو التى قد يفتقر إليها خبرة أو ثقافة أو تخصص ثلثى الأعضاء المنتخبين.
- أن يعمل على الاهتمام بكل ما يحال إليه من موضوعات وقضايا تهم الدولة، بل ويتوسع فى دراستها والتعمق فيها حتى يتحول رأيه من مجرد رأى استشارى فقط إلى رأى يستلزم الاستفادة منه فى العديد من القضايا التى تحتاج إلى سرعة البث فيها.
- أن يكون هناك تعاون وثيق بينه وبين مجلس النواب بحيث تغلب المصلحة الوطنية العليا على محاولة الاستئثار بالكم الأكبر من الصلاحيات والاختصاصات.. ولعل الفرصة هنا أصبحت سانحة لمجلس النواب لممارسة دوره الرقابى على السلطة التنفيذية بشكل أكثر إيجابية عما سبق عندما كانت دراسة التشريعات والقوانين تثقل كاهلة وتجعل تلك الرقابة أحيانًا مفتقدة دورها المؤثر والفعال.
إننى على يقين أننا أمام مرحلة جديدة وتجربة فريدة لابد من العمل على إنجاحها بالمشاركة الفعالة فى تلك الانتخابات، ثم فى متابعة أداء هذا المجلس للوصول إلى تحقيق الطموح الذى من أجله تمت إعادة إحيائه مرة أخرى للمساهمة الفعالة فى أداء المنظومة البرلمانية بالشكل الذى ينهض بالبلاد ويحقق صالح العباد.
وتحيا مصر.....