رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

طلعت حرب والسينما المصرية


ما أن يُذكر اسم طلعت حرب «٢٥ نوفمبر ١٨٦٧- ١٣ أغسطس ١٩٤١»، حتى يتبادر إلى الذهن مباشرة دوره المهم فى إنشاء بنك مصر، الذى أصبح بحق الرمز الاقتصادى للقومية المصرية، إذ خرج إلى النور كواحد من ثمار ثورة ١٩١٩ ومحاولة الاستقلال الوطنى فى البُعد الاقتصادى.
لكن لا يعلم البعض الدور السياسى المهم لطلعت حرب فى الحركة الوطنية المصرية، سواء قبيل ثورة ١٩١٩ أو حتى أثناء الثورة، فضلًا عن الفترة الليبرالية التى أعقبت الثورة، وربما لا يعلم القارئ شيئًا عن طلعت حرب وإنتاجه الفكرى، ولعل أهم كتاباته كتابه عن قناة السويس، الذى صدر فى مطلع القرن العشرين فى خضم معركة وطنية ضد المشروع الإنجليزى لمد امتياز قناة السويس، حيث تضافرت جهود كل القوى الوطنية للوقوف أمام هذا المشروع، وكان إسهام طلعت حرب فى هذا الشأن هو كتابه صغير الحجم عظيم القيمة عن قناة السويس، حيث وضح أهمية القناة بالنسبة إلى مصر، والتضحيات التى بُذِلت فى سبيل تحقيق هذا المشروع، والحرص الشديد على عودة القناة إلى مصر حفاظًا على حق الأجيال القادمة فى ثروات الوطن.
وهناك دور مهم لطلعت حرب وقلعته الاقتصادية «بنك مصر» فى إنشاء استديو مصر ورعاية السينما المصرية فى مراحلها المبكرة، إذ كان طلعت حرب من أوائل من أدركوا أهمية دور السينما فى المجتمع المصرى. ففى خطبته الشهيرة بمناسبة عرض بعض الأفلام التى صنعتها شركة مصر للتمثيل والسينما، والتى ألقاها فى يوليو ١٩٢٧ والسينما ما زالت صامتة، يعلن طلعت حرب صراحة أن: «السينما أكبر اختراع مصرى صادف هوى فى النفوس، فأصبح قوة جذابة من قوى العصر، وسيبقى كذلك مع توالى العصور، سيما أن التحسينات المتوقعة له فوق ما يتصوره العقل».
يستطلع طلعت حرب مبكرًا المنافسة الشديدة بين السينما، هذا الاختراع الوليد، وفن المسرح، هذا الفن العتيد، ويرصد طلعت حرب الإنجازات الكبيرة التى حققها المسرح المصرى حتى الآن «١٩٢٧»، ومع إدراكه مدى التأثير الكبير الذى تركه المسرح على صناعة السينما فى بداياتها، لكنه يتنبأ بأن المسرح «ليس له ما للسينما من حول وقوة»، ولذلك يرى أن المستقبل للسينما، فهى تحمل إلى الناس «من المدهشات والعجائب ما لا يحمله إليهم المسرح».
الأكثر من ذلك يعقد طلعت حرب مقارنة مثيرة بين وضع السينما ووضع الصحافة فى مصر؛ هذه الصحافة التى حققت نجاحات كبيرة وانتشارًا واسعًا منذ القرن التاسع عشر، ليس فى مصر فحسب، ولكن فى مختلف أرجاء العالم العربى؛ حيث شهدت مصر فى تلك الفترة مئات الصحف والمجلات، سواء فى المدن الكبرى مثل القاهرة والإسكندرية، أو الظاهرة المهمة آنذاك وهى الصحافة الإقليمية، لكن طلعت حرب يتنبأ أيضًا بالصعود المتتالى للسينما، وأنها ستنافس الصحافة، من حيث سعة الانتشار والتأثير فى الناس: «أصبحت السينما قوة هائلة من قوى العصر الحاضر، قد تناطح قوة الصحافة، وقد تسبقها بعد حين».
تحية لطلعت حرب الاقتصادى الوطنى، ولبنك مصر وشركة مصر للتمثيل واستديو مصر الذى لعب دورًا مهمًا فى صناعة السينما المصرية.