رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

حلم لم يتحقق.. من مارتن لوثر كينج إلى جورج فلويد


حتى الآن لم يتحقق حلم زعيم حركة الحقوق المدنية الأمريكى مارتن لوثر كينج رغم مضى ٥٢ عامًا على اغتياله بولاية تينيسى الأمريكية.
كان مارتن لوثر كينج يُؤمن بعدم استخدام العنف، بل الكفاح السلمى من أجل المساواة إلا أن العنف ما زال قائمًا وما زال العنف يُمارس فى كل بلاد العالم وفى بلاده أيضًا، كما رأينا فى الأيام الأخيرة.. كان لدى مارتن لوثر كينج حلم عاش ليحققه، وهو أن ينال السود حقوقهم كاملة، وكان محور خطاباته الملهمة ومبادئه التى لم يتخلَّ عنها والتى دفع حياته ثمنًا لها، حيث اغتيل بعيار نارى على يد متطرف عنصرى- حتى لا يستكمل تحقيق حلمه- وهو فى شرفة فندق يقيم فيه فى ولاية تينيسى لدعم حركة عصيان مدنى للسود بمدينة ممفيس الأمريكية فى ٤ أبريل ١٩٦٨.
كان مارتن لوثر كينج كغيره من الأمريكيين من أصول إفريقية قد عانى منذ طفولته من التفرقة العنصرية والفصل العنصرى للسود، حيث كان زملاؤه من الأطفال البيض يرفضون أن يلعبوا معه بأوامر من أمهاتهم.. وعاش طوال حياته القصيرة «٣٩ سنة» ينادى بالكفاح السلمى لينال السود حقوقهم المدنية، حيث كانوا محرومين حتى من الحلم، وكان يطالب بمنحهم حق الانتخاب وحق التصويت وبالمساواة مع البيض.. ولم يمهله القدر أن يستكمل حلمه أو أن ينتهى العنف وأن يحظى السود بالمساواة التامة فى مواجهة الجماعات المتطرفة فى بلاده أو فى غيرها من البلاد.
وكانت نتيجة كفاحه السلمى أن توجت مسيرته بصدور قانون الحقوق المدنية، كما حصل على جائزة نوبل للسلام فى ١٩٦٤ تكريمًا لجهوده فى مكافحة العنصرية، والفصل العنصرى، بوسائل سلمية مثل العصيان المدنى والخطابات الملهمة.. كما حصل على حق التصويت للسود فى ١٩٦٥.
لخص مارتن لوثر كينج حلمه فى عبارة موجزة بقوله: «أحلم أن يعيش أولادى الأربعة فى دولة لا يُحكم فيها عليهم بلونهم».. وما أعاد لذاكرتى حلم مارتن لوثر كينج الذى لم يتحقق حتى الآن هو ما شاهدناه على مدى الأيام الماضية من أحداث دامية ومن عنف مفرط فى أمريكا، بدأت بواقعة مقتل مواطن أمريكى من أصول إفريقية هو جورج فلويد فى ولاية مينيا بوليس الأمريكية تحت أقدام رجل شرطة أبيض.
وكانت الأحداث الدامية التى أعتقد أنها أثبتت الحاجة إلى القيام بإصلاحات واضحة وحازمة من الدولة فى التعامل مع المواطنين السود من أصول إفريقية والملونين فى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث لا تزال هناك بقايا لجماعات التطرف ضد الأمريكان من أصول إفريقية وضد الملونين، كما يظهر ذلك فى الواقع.. وكما يظهر بوضوح فى الأعمال الدرامية من أفلام ومسلسلات قديمة وحديثة.
أثبتت واقعة مقتل المواطن الأمريكى وجود عنف مفرط تجاه ذوى البشرة السمراء وإذلال متعمد فى التعامل معهم.. حيث تم بث مشهد القتل المروع الذى شاهدناه ونقلته كل وسائل الإعلام ومواقع الأخبار والتواصل الاجتماعى، وقام فيه رجل شرطة أمريكى أبيض اللون يقبض على جورج فلويد، ثم يضع رأسه تحت حذائه، بينما يحاول فلويد الاستغاثة لينقذه أحد، لكن ما من مجيب، حتى رجل الشرطة زميل القاتل ظهر متجاهلًا مشهد تعذيب واختناق فلويد تحت ركبة وحذاء زميله الشرطى، بينما جورج يردد ويستغيث: «لا أستطيع التنفس».
أدى هذا المشهد الدامى واستخدام العنف المفرط إلى اندلاع الاحتجاجات والاضطرابات والفوضى والمظاهرات وأعمال عنف وتخريب وسرقة ونهب للمحلات الكبرى والمولات فى مدينة مينيا بوليس الأمريكية.. واضطرت سلطات المدينة إلى الاستعانة بقوات أمن إضافية لمواجهة الفوضى العنيفة المستمرة.. وبثت وسائل الإعلام للعالم مشاهد عنف مفرط فى التعامل مع المواطنين السود، منها مشهد أليم لرجل شرطة أبيض متطرف يقبض على طفلة صغيرة سوداء اللون، ويقلبها على الأرض، ويوجه لها اللكمات القوية والضرب المبرح، ويلوى ذراعها للخلف، بينما الطفلة تتألم وتحاول الاستغاثة فى مواجهة ممارساته العنيفة والمتجاهلة لصراخها.
وما زالت تتوالى توابع حادثة مقتل جورج فلويد فى الشارع الأمريكى، واستنكار كل المشاهدين فى العالم.. وأصوات الأمريكيين من أصل إفريقى تتعالى بالاحتجاج ضد العنصرية، وقال مواطن أمريكى من أصل إفريقى من المتظاهرين معبرًا عن سبب الغضب العارم لقناة «سى. إن. إن» الأمريكية: أريد أن أشعر بالأمان عندما أسير فى أحياء البيض، لأننا جميعًا آدميون.
ثم اتسعت الاحتجاجات الغاضبة والفوضى والتخريب فى ٢٠ مدينة فى مختلف أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية، واتخذت إجراءات صارمة فى مواجهة الفوضى العارمة التى اجتاحت البلاد وتم القبض على الكثيرين.
يقول بعض المراقبين إن الاحتجاجات قد شاركت فيها جماعة معادية للفاشية وهى أنتيفا، اتهمها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بالعنف، وقال إنه سيصدر قرارًا بأنها جماعة إرهابية.. وهكذا تحول العنف من سلوك عنيف وإجرامى من ٤ من رجال الشرطة الأمريكيين إلى مواجهات عنيفة بين المحتجين والغاضبين وبين رجال الأمن فى كثير من الشوارع الأمريكية رغم تفشى فيروس كورونا.
وقال بعض المعلقين المتخصصين فى المسائل الأمنية، لقناة «سى. إن. إن» الأمريكية، بعد القبض على رجال الشرطة الـ٤ المتهمين بالمشاركة فى قتل فلويد وبينهم قاتل جورج فلويد، الذى يدعى ديريك شوفين- إن هناك فرقًا بين التصرف الخاطئ لبعض رجال الشرطة واتهام رجال الشرطة بالعنصرية.. ونفى أحد مستشارى الأمن القومى روبرت أوبراين أن تكون العنصرية سياسة عامة بين رجال الشرطة.
وفى تقديرى بعد مشاهدة ومتابعة اندلاع العنف والغضب والاحتجاجات والسلب والنهب والمظاهرات والتخريب والحرق فى الشوارع الأمريكية وبعد اندلاع الرفض لسلوك رجال الشرطة الأربعة، ووفقًا لما قاله شهود الواقعة بأن القاتل ظلَّ يضغط بركبته بكل قوة على عنق جورج فلويد الذى لم يكن مسلحًا وهو راقد على الأرض لمدة ٧ دقائق بينما هو يصرخ: «لا أستطيع التنفس»، ويردد اسمه «جورج فلويد» للمارة فى الشارع، بينما زملاؤه الثلاثة من رجال الشرطة لا يفعلون شيئًا لإنقاذ جورج- إننى أعتقد أنه بعد الأحداث الدامية المتتالية المتصاعدة فى أمريكا فإنه لا بد من اتخاذ الدولة سياسات إصلاحية فى مواجهة السلوكيات العنصرية التى لا تزال متجذرة بداخل المجتمع الأمريكى، وتغيير هذا النمط من السلوكيات العنصرية وسن قوانين جديدة ضد الممارسات العنيفة ضد المواطنين الأمريكيين من أصول إفريقية والملونين والأقليات الآسيوية أو من أمريكا اللاتينية.
أما الأصعب فسيكون استعادة ثقة المجتمع الأمريكى الغاضب ضد الممارسات العنصرية العنيفة.. وضرورة الاعتراف بأنه لا تزال مشكلة التفرقة العنصرية موجودة وقائمة وتمارس ضد الملونين وذوى البشرة السمراء فى المجتمع الأمريكى، ومن الضرورى التصدى لها بشكل صحيح.. ومنع تكرار جريمة قتل جورج فلويد بشكل نهائى وأكيد.
أما بالنسبة لمسيرة مناهضة التفرقة العنصرية منذ واقعة اغتيال مارتن لوثر كينج فى ١٩٦٨ أى منذ ٥٢ عامًا وحتى واقعة قتل جورج فلويد فى ٢٥ مايو ٢٠٢٠ فإننى أعتقد أن تحقيق حلم مارتن لوثر كينج فى المساواة التامة بين البيض وذوى البشرة السمراء والملونين لا يزال بعيدًا ولا يزال فى حاجة إلى خطوات فعلية وإصلاحية كثيرة ليصبح حقيقة وواقعًا.