رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

البحث العلمى.. كفاءات تحتاج إمكانيات




فى إطار خطته للخداع الاستراتيجى، قبيل حرب أكتوبر ١٩٧٣، قام الرئيس أنور السادات بطرد الخبراء السوفيت من مصر، فتوقف الاتحاد السوفيتى عن إمداد مصر بقطع غيار الأسلحة، ومن بينها وقود حائط الصواريخ روسى الصنع من طراز «سام»، وكان معنى هذا المنع عدم وجود حائط صواريخ وانهيار منظومة الدفاع الجوى المصرى، لأن لهذا الوقود مدة صلاحية محددة لم تعد سارية على ما هو متوافر منه بالجيش، وكان يجب التفكير فى إلغاء فكرة الحرب من الأساس.. وعليه، فقد تحركت أجهزة الدولة سرًا، محاولة حل مشكلة وقود الصواريخ هذه.
استعان الفريق محمد على فهمى، قائد الدفاع الجوى، بالباحثين فى المركز القومى للبحوث، وتقدم لهذه المهمة دكتور شاب انكب على الدراسة والبحث، ونجح خلال شهر واحد فى استخلاص كمية محدودة من الوقود الصالح لتشغيل الصواريخ، من بين المخزون منتهى الصلاحية الموجود لدى الجيش، بأن قام هذا العالم الشاب بفك شفرة مكونات الوقود، ثم أجرى تجربة لإطلاق صاروخ بالوقود المُعالج فكانت ناجحة، ثم طلب من المخابرات العامة إحضار عبوة صغيرة من الوقود السوفيتى، من دولة أخرى غير روسيا، ومن ثم استيراد مكونات الوقود التى توصل إلى شفرتها، كمواد كيماوية لازمة لصناعات مدنية، حتى نجح فى إنتاج خمسة وأربعين طنًا من وقود الصواريخ، وأصبح دفاعنا الجوى على أهبة الاستعداد للقيام بدوره فى حرب أكتوبر.. وكان هذا العالم الشاب هو الدكتور محمود يوسف سعادة، الذى توفى فى ديسمبر ٢٠١١.
هذا يعنى أن مصر حُبلى بالعقول المتميزة القادرة على التوصل لابتكارات مهمة، لو توفرت لها الظروف المناسبة، ودون أن نعود إلى الماضى بعيدًا، وحتى لا نكون دائمى الحديث عن أمجاد قديمة، نشير إلى بعض نماذج حديثة تعيش بين ظهرانينا، من بينها الدكتور هشام سلام، الأستاذ المساعد بكلية العلوم جامعة المنصورة، الذى اكتشف مع فريق عمله حفريات ديناصور يعود إلى ٦٥ مليون عام، وهو أول ديناصور فى مصر وإفريقيا يتم توثيق وجوده فى هذه الفترة.. الطالبة ياسمين مصطفى، التى أطلقت وكالة ناسا للفضاء اسمها على كويكب حديث فى المجرة، بعدما حصلت على جائزة المركز الأول عن فئة علوم الأرض والبيئة، فى معرض إنتل الدولى للعلوم والهندسة الذى انعقد فى بيتسبورج، عن اختراعها جهازًا يعمل على تبخير المياه على حرارة حرق قش الأرز بدرجة حرارة تصل إلى ١٢٠ درجة مئوية، وتمرير الغازات الناتجة عن الحرق على طحالب لتنتج بايو ديزيل وزيتًا، واستغلال الغازات الناتجة بعد ضغطها فى توليد أنواع الطاقة المختلفة واستغلال رماد القش فى صناعات متعددة مثل الأسمنت والسماد.. ومنذ شهور، نشر باحثان مصريان فى علوم الفضاء دراسة تقدم أدلة على وجود مياه جوفية عميقة على كوكب المريخ.. الدكتور سعيد سليمان، الذى طور سلالات من الأرز، تتم زراعتها بمياه أقل وإنتاجية أفضل، وطُبقت دراسته فى تجارب داخل وخارج مصر.
إذن، وبغض النظر عن نظرتنا للمناخ التعليمى فى مصر، سواءً فى التعليم الأساسى أو الجامعى، لكن تبقى المحروسة عامرة بالكثير من الشباب والباحثين المجتهدين والمتميزين، لكن تنقصهم الإمكانيات المادية والمعنوية، وتبنى جهودهم البحثية، والاستفادة الحقيقية من قدراتهم العلمية، لأنه من المستحيل أن يتطور بلد أو يتقدم، دون نهضة تعليمية، فكل المؤشرات تؤكد أن البحث العلمى وقوة التعليم ومستوى نهضة الجامعات فى الدول المتقدمة، اقتصاديًا وعسكريًا وعلميًا وسياسيًا، حزمة مرتبطة ببعضها البعض، وهذا الذى يصنع تقدم الأوطان.. فماذا عن الوضع فى مصر؟.
فى نهاية ٢٠١٨ ظهرت مؤشرات عالمية تؤكد أن مصر تشهد زيادة فى إنتاج البحث العلمى، وقد حققت خلال السنة الأخيرة مع باكستان، حسب موقع شركة خدمات النشر Clarivate Analytics الذى يدير قواعد بيانات المجلات العلمية أعلى ارتفاع فى إنتاج الأبحاث على مستوى العالم.. وفى مارس الماضى، أعلن وزير التعليم العالى أن مصر، طبقًا لمؤشر سكيماجو SJR، وهو من أهم المواقع المعنية بقياس البحث العلمى وتصنيف المجلات العلمية، فى المرتبة الـ٣٥ من حيث نشر الأبحاث العلمية، وفى المركز الخامس بعد كل من تركيا، إيران، السعودية، إسرائيل.
الحقيقة أن هناك مجموعة من الأسباب تقف وراء المؤشرات التى ذكرناها آنفًا، أولها: اشتراط المجلس الأعلى للجامعات بنشر أبحاث معتمدة فى مجلات دولية، يقوم بها الباحثون المتقدمون لترقيات درجتى الماجستير أو الدكتوراه.. وجود مؤسسات أكاديمية ذات إنتاج بحثى غزير، كمدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا، التى انفردت بـ٥١٢ بحثًا علميًا منشورًا فى مجلات دولية، وأكثر من ١٢ براءة اختراع، ومتقدمة على باقى الجامعات المصرية من حيث معدل الاستشهادات بالأبحاث العلمية أو العدد المنشور فى الهندسة والعلوم.. زيادة المنح والتمويلات الأجنبية والتعاون الدولى للبحث العلمى.. زيادة الطلاب والباحثين المصريين الراغبين فى استكمال التعليم والمنح الدراسية فى الخارج.. الإعلان عن استقطاب جامعات أجنبية كبيرة ومتخصصة تسهم فى رفع كفاءة التعليم والبحث العلمى فى العاصمة الإدارية الجديدة ومدينة العلمين.
ومع هذا.. فإن معدل الإنفاق على البحث العلمى من الموازنة العامة للدولة ما زال متواضعًا جدًا، يصل إلى ٠.٦١٪ فقط من الناتج الإجمالى المحلى، ولم يصل إلى نسبة الـ١٪ التى حددها الدستور، كحد أدنى لتحسين الإنفاق على التعليم والبحث العلمى والصحة، بينما تخصص إسرائيل ٤.٢٥٪ من ناتجها القومى على البحث العلمى.. وبشكل عام، هناك نقص فى البنية التحتية للبحث العلمى، من المعامل والمختبرات العملية، وجامعة القاهرة، الجامعة الأكبر والأقدم، على سبيل المثال، تعانى من هذا النقص بشكل كبير، باعترافات رسمية من المسئولين عن شئون البحث العلمى.. يتحالف مع هذين العاملين مؤشر مهم يتعلق بمدى تأثير الأبحاث العلمية فى المجتمع والاقتصاد.. فاكتشاف علمى واحد أخذ مكانه فى الصناعة والتسويق فى دول ما كفيل بجنى مليارات الدولارات مكاسب من تطبيقاته، وهذا لا يحدث عندنا.. والمؤشر الآخر يختص بجودة الأبحاث، وذلك يظهر فى إحصاءات الاستشهاد بها فى الكتابات الأكاديمية.. وفى حالتنا، فإن عدد الاستشهادات بالأبحاث المصرية لم يتجاوز ٢٦٠ استشهادًا، وبينما تحتل أمريكا المركز الأول، بعدد استشهادات بلغ ٢٢٢٢ مرة، تأتى إسرائيل فى المركز الثالث والثلاثين، عالميًا وصل عدد الاستشهادات بأبحاثها إلى ٦٦٥ مرة، بينما جاءت تركيا فى المركز التاسع عشر، بأكثر من ٤٠٢ استشهاد بأبحاثها.
حفظ الله مصر من كيد الكائدين.. آمين.