رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

ماذا لو لم تقم ثورة 1919؟


لولا الثورة والارتباك الذى وجدت بريطانيا نفسها فيه ما وصلت لندن إلى القناعة بقبول إلغاء الحماية على مصر
ماذا لو لم تقم ثورة ١٩١٩؟ ما وضع مصر فى هذه الحالة؟ سؤال قد يبدو شديد السذاجة.
قد يرد البعض بالمقولة الشهيرة: «التاريخ مفيهوش ماذا لو.. التاريخ يتعامل مع الواقع والحقائق». وقد يرد البعض الآخر قائلًا: «وماذا تغير أصلًا مع ثورة ١٩١٩؟ لقد بقيت القوات البريطانية على أرض مصر عشرات السنوات بعد ذلك..».
بالفعل تعلمنا قديمًا فى الجامعة أن التاريخ لا يعرف ماذا لو، وأن مهمة المؤرخ البحث عن الحقيقة اعتمادًا على الوثائق، ولكننا ومع نضج الدراسات التاريخية تمردنا على ذلك القول. لقد خرجنا من كهف كهنوت التاريخ، لنكتشف أنه ليست هناك حقيقة مطلقة، وأن الحقائق فى أحسن الأحوال نسبية للغاية، بل رفض البعض مبدأ الحقيقة من أصله، ورأى أن المؤرخ يحاول استعادة الماضى. كما سقطت قدسية الوثيقة، واكتشفنا أن ما نراه «وثيق» و«ثقة» و«وثيقة»، ما هو إلا «حكاية» رسمية عما حدث، أو هو عند البعض «سيناريو» رسمى لما قد يمكن أن يكون قد حدث. وتمادى البعض قائلًا إن العبارة ليست فى الاعتماد على ما تقوله الوثيقة، ولكن على الأسئلة التى يخرج بها المؤرخ من الوثيقة. وعلى هذا الدرب ظهر اتجاه فى التاريخ يهدف إلى محاولة طرح سيناريوهات بديلة لما حدث.
هكذا نعود إلى سؤالنا الأصلى: ماذا لو لم تقم ثورة ١٩؟ وما وضع مصر فى هذه الحالة؟
يرى ريمون فلاور أن الأمور بعد إعلان هدنة نهاية الحرب العالمية الأولى، كانت تسير بشكل هادئ. فسعد زغلول نجح فى كبح جماح العناصر الراديكالية، وذهب بهدوء إلى دار المندوب السامى البريطانى ليطلب الإذن بالسفر لعرض قضية مصر من أجل الاستقلال على لندن.
إلى هنا والأمور هادئة نوعًا ما فى مصر. لكن الأمر لم يكن على هذا النحو فى بريطانيا التى خرجت منتصرة من الحرب، لكنها كانت فى حالة يرثى لها، ومرهقة بعد أربع سنوات من الحرب. وعلى هذا يرى ريمون فلاور أن رد فعل بريطانيا إزاء الطلب المصرى كان على النحو التالى:
«إن موضوع مثل مطالب مصر بالاستقلال، كان يعتبر بالنسبة لتفكير المسئولين المرهقين فى لندن قليل الأهمية للغاية. إذ شعروا بأنه ليس هو الوقت المناسب لمصر، التى هى محور مواصلات الإمبراطورية وقاعدة بريطانيا الرئيسية فى الشرق الأوسط، وأكثر من ذلك أنها، أى مصر، أصبحت بلدًا ثريًا من جراء الحرب، إذن كيف تبدأ مصر فى هز القارب؟ بدت فكرة طلب الاستقلال بالذات فى وقت كانت بريطانيا قد فرغت للتو من إنقاذها من غزو العدو لها، فكرة لا مكان لها بصورة تدعو للسخرية. وجاءت الإجابة من لندن وهو الرفض السريع وغير القابل للتفاوض».
هكذا بدت الأمور، وهكذا لم يجد سعد زغلول بُدًا من تصعيد الأمور. لكن بريطانيا رأت أن نفى سعد زغلول ورفقائه إلى مالطا سيهدئ الأمور، وستنتهى الزوبعة، وتتفرغ بريطانيا لعالم ما بعد الحرب.
ويرى «فلاور» أنه لولا الثورة والارتباك الذى وجدت بريطانيا نفسها فيه، وفى النهاية نصيحة الجنرال اللنبى الموجود على الأرض، ما وصلت بريطانيا إلى هذه القناعة بقبول إلغاء الحماية البريطانية على مصر، وصدور تصريح فبراير ١٩٢٢. وهكذا يرى أنه لولا الثورة ما كانت مصر قد حققت «أول نصر على الاستعمار الأوروبى».
هذه العبارة تُجيب عن السؤال الأصلى: ماذا لو لم تقم ثورة ١٩١٩؟