رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

من هو قائد ثورة 19؟


لقد تحول سعد زغلول إلى «رمز» للثورة وكان اعتقاله الشرارة التى دفعت المصريين إلى الخروج بحثًا عن الحلم القديم «الاستقلال»
من هو قائد ثورة ١٩؟ فوجئت بهذا السؤال من أحد الأصدقاء. مرت لحظات صمت قطعها الصديق الذى أجاب بنفسه على السؤال: هل تدرى أن سعد زغلول ليس هو قائد الثورة الحقيقى، وأن القائد هو عبدالرحمن فهمى؟ إجابة على شكل سؤال!
هنا تنفست الصعداء وفهمت منطق الصديق وبدأت فى توضيح منهجية معينة فى كتابة التاريخ، الإجابة على سؤالك الأول، وإجابتك التى أخذت شكل سؤال تنبع من موقف وانحياز ضد سعد زغلول، وبحث عن قائد أو زعيم آخر للثورة. رد صديقى: لكن الثورة اندلعت وسعد زغلول فى المنفى، وتولى عبدالرحمن فهمى قيادة الثورة على الأرض، فى الميدان.
هنا بدأت النقاش مع صديقى من خلال منهجية أخرى فى التاريخ وهى: متى يبدأ الحدث التاريخى؟ وأتذكر أحد أساتذتنا، رحمه الله، جاء بسؤال لنا فى الامتحان يبدو ساذجًا: متى بدأت الثورة الفرنسية؟!
بدا لنا السؤال ساذجًا فى البداية، إذ إن الإجابة الطبيعية والسريعة ستكون فى ١٤ يوليو ١٧٨٩ بسقوط سجن الباستيل. وحاولت أن أجتهد وقلت إن الثورة بدأت قبل ذلك من خلال كتابات المفكرين الفرنسيين ونشاط الصحافة الفرنسية. وكانت إجابة أستاذنا: ربما نعم، لقد تناولت الإجابة من الناحية الفكرية. وقال زميل آخر إن الثورة بدأت من الأزمات الاقتصادية ومظاهرات الخبز، وأجاب أستاذنا: ربما نعم، لقد ركزت على الجانب الاقتصادى. وأوضح لنا أستاذنا أن عيد الثورة فى ١٤ يوليو وسقوط سجن الباستيل هو مجرد رمز فقط، لكن بدايات الثورة أعمق من ذلك.
هنا رد علىَّ صديقى قائلًا: مش فاهم! قلت له هل تعرف شيئًا عن «عيد الجهاد الوطنى»؟ قال: لا. قلت: إنه ١٣ نوفمبر ١٩١٨، اليوم الذى ذهب فيه سعد زغلول ورفيقاه إلى المعتمد البريطانى عشية إعلان هدنة الحرب العالمية الأولى، ليطلبوا السفر إلى أوروبا للمطالبة برفع الحماية البريطانية عن مصر. هل تعرف أن هذا اليوم كان عيدًا قوميًا لمصر قبل ثورة ١٩٥٢؟
أجاب صديقى: لا، لا أعرف. لكن هل تريد القول بأن الثورة بدأت قبل ٩ مارس، أى قبل نفى سعد زغلول ورفقائه؟ هل تريد القول إن بداية الثورة هى فى ١٣ نوفمبر ١٩١٨؟ أجبت: أريد أن أقول إن بدايات الثورات أقدم وأعمق من مجرد اختيار تاريخ محدد لقيام الثورة، ليصبح عيدًا لها.
ظهرت بعض علامات التفكر والاقتناع لدى صديقى، ولكنه بادرنى قائلًا: لكن يبقى السؤال مرة أخرى، من هو قائد أو زعيم ثورة ١٩، سعد أم عبدالرحمن فهمى؟ أجبته: أنت تبحث عن إجابة قاطعة، أبيض أو أسود، بينما التاريخ يلعب دائمًا على المناطق الرمادية، الإجابات القاطعة هى مجرد انحيازات سياسية أو عاطفية. فى الواقع لقد تحول سعد زغلول إلى «رمز» للثورة، وكان اعتقاله الشرارة التى دفعت المصريين إلى الخروج بحثًا عن الحلم القديم «الاستقلال». وعلى الأرض شارك الجميع فى قيادة الثورة، لا ننكر دور عبدالرحمن فهمى «الضابط السابق فى الجيش» فى قيادة التنظيم السرى لشباب الثورة، كما لا ننكر دور القمص سرجيوس خطيب الثورة، أو دور الشيخ مصطفى القاياتى، أو «شيخ العرب» حمد الباسل باشا، أو المرأة المصرية متمثلة فى هدى شعراوى أو استير ويصا واصف، أو صفية زغلول «أم المصريين» أو حتى الأمير الوطنى عمر طوسون، صاحب فكرة تشكيل الوفد، أو حتى رئيس الوزراء الوطنى حسين رشدى باشا الذى استقال من أجل الثورة، أو حتى شباب الثورة مصطفى النحاس وأحمد ماهر والنقراشى، الذين سيصبحون بعد ذلك رؤساء وزارات مصر. لقد أصبح سعد زغلول بالفعل «رمزًا» للثورة، لكن البطل الحقيقى هو الشعب المصرى.