رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

مصر والسودان


المعلوم بالضرورة أن أهل السودان هم أطيب شعوب الأرض، فى قلوبهم نبتت المادة الخام للنقاء، وفى عروقهم تتحرك كريات ما بين الأبيض والأحمر تشبه ماء النيل بهدوئه، وفيضه وفيضانه إذا دعت الأمور.. حتى فى لحظة الفيضان، كلمة بسيطة تعيده إلى حالة الهدوء.. فى مصر تعرف الإدارة السياسية طبيعة الشعب السودانى وتعرف أنه مهما تدخل «أولاد الحلال» للوقيعة ومهما حاولوا الاصطياد فى الماء العكر، فما بين البلدين أهم وأعظم من الدخول فى مشاحنات.. يحسب للإدارة فى مصر أنها تمتلك عقلًا يُدير الأمور بحكمة.. تعرف متى تصمت ومتى تتكلم ومتى تتحرك وترسل أرفع مسئوليها لإعادة ضبط الأمور لنصابها.

مهم جدًا أن تكون علاقاتك جيدة بدول الجوار، الأهم أن يدرك المحيطون بك أنك سند لهم، وهم يقفون بجانبك، «ما قاله الرئيس السودانى عن أن قوة مصر من قوة السودان، رسالة وصلت إلى خفافيش الظلام، التى تدير المشهد من أنقرة ولندن وتتلقى تمويلات وتحويلات من الدوحة، صحيح أن لمصر جيشًا يحميها ويحمى المنطقة المحيطة بها إذا تطلب الأمن القومى لمصر ذلك، لكن أن تجد شقيقك الجنوبى يعلنها بوضوح فالأمر يصيب اتحاد ملاك قطر بلوثة.. أنفق القطريون أموالًا لا تعد، ودفع الإخوان مليارات ليتحول السودان إلى شوكة فى ظهر مصر، لكن الزول السودانى أطهر من أن يطعن مصر فى ظهرها.

مناحة «الجزيرة» و«بناتها» فى الرضاعة كانت واضحة، ضاعت أموال «الكفيل»، تاهت أصواتهم التى نفخت فى نيران حاولوا أن تعلو ألسنتها لتحرق الأخضر واليابس.. والحقيقة أن كل مناحة تحدث فى إعلام قطر تسعد المصريين، ما بالك لو ارتبطت تلك المناحة بتطور العلاقات بين مصر والسودان.. أحدهم يطلق على نفسه لقب إعلامى من باب الفراغ، حول صفحته الشخصية على فيسبوك إلى دار مناسبات، وآخر صنع تقريرًا حاول فيه إشعال الأمور، لكن كيف تشتعل الأمور وهناك إرادة حقيقية لتطوير العلاقات؟!.
الموتورون فقط هم من يصابون بضيق كلما تقدمت العلاقات المصرية السودانية، هؤلاء أصحاب غرض، والغرض مرض يضرب خلايا معينة فى مخ الموتور، يصاب معه بحالة من عدم الاتزان كلما توثقت الروابط.. أظن أن كميات من أدوية الضغط قد تم تناولها أثناء لقاء «الأسرة المصرية»، إخوتنا السودانيون كانوا بيننا يحملون العلم المصرى وبجانبه العلم السودانى.. أموال كثيرة أنفقت خلال السنوات الماضية حتى لا يظهر مشهد الصالة المغطاة باستاد القاهرة، حالة السعادة بتطور العلاقات المصرية السودانية كانت واضحة على الجميع.

توقيت الزيارة مهم، وما دار فيها أكثر أهمية، نظرة الرئيس السودانى إلى شاشة العرض الداخلية خلال اللقاء، وهو يشاهد أسود الصاعقة المصرية وتدريباتهم، على نشيد «قالوا إيه»- كانت لها دلالة خاصة. تصفيق الوفد السودانى على كل مشاهد الفيلم القصير «حكاية وطن» وقصة حياة الشعب المصرى وقدرته على التحمل والصمود والثورة وإعادة الوطن من طيور الظلام ثم دخوله فى معركة البناء، والتحديات التى تظهر والقدرة على صناعة المستقبل.. التصفيق المستمر من الأشقاء السودانيين من خارج الوفد الرسمى والزغاريد المستمرة كانت تحمل مشاعر فياضة.

ما بين مصر والسودان لا يمكن حصره أو حصاره، وما بين الشعبين تاريخ طويل، لا تعرفه «الإمارة» منزوعة التاريخ، ولا «الخلافة» منزوعة الدسم.. بين الشعبين ترابط لا يمكن أن يضيع.. مهما حدث.