القاهرة : الجمعة 27 أبريل 2018
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
الكرازة
الأربعاء 07/مارس/2018 - 08:39 م

رجل المعجزات.. احتفاء خاص بذكرى رحيل البابا كيرلس

البابا كيرلس
البابا كيرلس
مايكل عادل - ماريان رسمى مارسيل نظمى- مونيكا جرجس
dostor.org/2082404

بدأت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية «أسبوع النهضة الروحية»، المخصص لتمجيد ذكرى البابا كيرلس السادس، البطريرك رقم ١١٦ للكرازة المرقسية، فى الفترة ما بين ١٠ مايو ١٩٥٩ و٩ مارس ١٩٧١، الذى اشتهر بلقب «رجل الصلاة»، وأطلق على عهده « عصر المعجزات».
ويتضمن «أسبوع النهضة الروحية»، الذى بدأ الإثنين الماضى، حتى اليوم الخميس، عدة مراسم لتمجيد البابا الراحل، من بينها تراتيل خاصة، وكلمات روحية، وكورال للإنشاد، وذلك اعتبارا من السادسة مساء حتى التاسعة من كل يوم.
ويشارك فى إحياء النهضة كل من: القس يوسف سمير، راعى كنيسة الملاك ميخائيل بالضاهر، والقس مكارى يونان، الراعى بالكنيسة المرقسية بالأزبكية، على أن يترأس الأنبا رافائيل، أسقف عام كنائس وسط القاهرة، قداس الاحتفال بذكرى رحيل البابا كيرلس، صباح الجمعة الموافق ٩ مارس.
هنا قلاية البطريرك: أثاث فقير وعِمّة بسيطة وصليب إثيوبى.. وإقبال متزايد من الجيل الجديد
طوال مدة جلوسه على الكرسى المرقسى، التى بلغت ١١ سنة و٩ أشهر و٢٩ يومًا، وبدأت عام ١٩٥٩، اشتهر البابا كيرلس السادس بلقب «رجل الصلاة»، الذى أطلقه عليه كثيرون، نظرًا لمحبته الشديدة للصلاة، وقربه من الله، الذى أجرى المعجزات على يديه، حتى أحبه الملايين، وتوافد أبناء الكنيسة عليه للحصول على البركة.
وحتى بعد رحيله، لايزال الآلاف يتوافدون على دير البابا كيرلس السادس، والكنائس الملقبة باسمه، فيزورون قلايته الخاصة، التى ارتبط بها أثناء إقامته بالكنيسة المرقسية بالأزبكية.
«الدستور» زارت القلاية، والتقت القس مرقس شفيق، راعى الكنيسة المرقسية بالأزبكية، والذى قال: «منذ سيم البابا كيرلس السادس، بطريركا على كرسى مار مرقس عام ١٩٥٩، كانت القلاية هى المقر الخاص به، ومكان راحته وصلواته الخاصة».
وأضاف: «يضم المكان سريره الخاص، ودولابه الشخصى، ومكتبًا صغيرًا كان دائمًا ما يحضر عليه الكلمة التى يلقيها أثناء العظات، أو يقرأ عليه الكتاب المقدس، بالإضافة إلى مكتبة صغيرة، تضم الكتب التى كان يحب قراءتها، وكلها مازالت موجودة فى مكانها».
وتابع: «تحتوى القلاية على بعض مقتنيات البابا الشخصية مثل الساعة والختم الخاص به، وصليبه الخاص بالاحتفالات، الذى كان يمسكه الشماس الواقف إلى جواره، وهو هدية خاصة تلقاها البابا من كنائس إثيوبيا، بالإضافة إلى عصا الرعاية، التى كان يستخدمها الأنبا يوساب، وسلمها فيما بعد للبابا كيرلس السادس، ومفتاح الكنيسة، وبعض المخطوطات».
كما تضم المقتنيات أيضا «عمة» خاصة كان يرتديها البابا، وتعد من أبسط ما ارتداه البابوات، خاصة أنها تقل فى الفخامة عما يرتديه الكهنة الآن.
وكشف القس مرقس شفيق أن الكنيسة بعد وفاة البابا كيرلس السادس أضافت «مشربية» خاصة، على باب قلايته، بها بعض الفتحات، التى تسمح لكل من يأتى لزيارته برؤية ما بالداخل، مضيفًا: «الحجرة الواسعة التى توجد أمام القلاية، كانت تشهد اجتماعات البابا مع الأساقفة والكهنة، ومقابلاته الخاصة مع رعيته».
وتابع: «توجد بهذه الحجرة بلكونة، كان البابا الراحل يقف بها عادة لإلقاء التحية على الناس، كما شهدت إطلالاته عليهم فى الأعياد والمناسبات، عندما كان يلقى الحلوى والهدايا لأبنائه، وهو مكان له قيمة خاصة للذين عاصروه، لكونه مباركا، شهد فترة جلوس البابا كيرلس السادس على كرسى مار مرقس، وصلواته وقداساته».
وأشار إلى أن هذا المكان نفسه، يشهد حاليا عقد الاجتماعات الأسبوعية للأنبا رافائيل، الأسقف العام لكنائس وسط القاهرة، وسكرتير المجمع المقدس، منذ تولى مهامه الأسقفية، لافتًا إلى أنه مهتم بشكل كبير بقلاية البابا الراحل، وحول المكان إلى مزار لأخذ البركة.
وعن اعتياد الناس زيارة قلاية البابا كيرلس السادس، أوضح راعى الكنيسة المرقسية بالأزبكية أن الناس كانوا معتادين على زيارته، وكانوا يأتون خصيصًا للحصول على البركة، وتلمس الباب الحديدى للقلاية، وكتابة أوراق صغيرة تحمل طلباتهم وأمنياتهم، حتى يصلى البابا كيرلس من أجلهم، معتبرا أن الإيمان بشفاعة القديسين هو أمر توارثه المؤمنون بالعقيدة المسيحية طوال تاريخها.
وأضاف: «هذا المكان من أكثر الأماكن التى أصبحت تشهد إقبالًا من الزوار مؤخرا، فى عيد البابا كيرلس السادس، إلى جانب أماكن أخرى مشهورة ارتبطت بالبابا الراحل، مثل الطاحونة، وكنيسة مار مينا الزهراء، ودير مار مينا بمريوط، وعادة ما تزدحم هذه الأماكن بالزيارات فى الأيام الأخرى، وفى غير العيد».
وذكر أن القلاية لم تشهد إقبالا كبيرا من الزوار إلا فى وقت متأخر، لأنها اشتهرت بعد وفاة البابا بزمن طويل، خاصة عندما اهتمت الكنيسة بأخذ المصلين إليها لنيل البركة، ما عرف الأجيال الجديدة بها، وبقدسيتها، وجعلها تحظى باهتمام متزايد من الشباب ورعايا الكنيسة، الذين يأتون خصيصا لزيارتها فى الوقت الحالى، لنيل بركة البابا كيرلس السادس.
وتابع: «الجيل الجديد ماكانش يعرف حاجة عن القلاية والمقتنيات، والكنيسة كانت مقصرة فى ده، ولما سمعوا مؤخرا بوجود المزار بدأوا فى زيارة القلاية، وصوروها ونشروا الصور على فيسبوك، وكل اللى عنده طلب أو صلاة بييجى هنا يقدمها».

بدأ حياة الرهبنة بالسكن فى طاحونة وإحياء مدينة «مار مينا» أبرز إنجازاته
ولد البابا كيرلس السادس فى مدينة دمنهور بمحافظة البحيرة، فى ٢ أغسطس ١٩٠٢، وكان اسمه عازر يوسف عطا، وقدم استقالته من عمله وترهب فى دير البراموس، سنة ١٩٢٧، باسم الراهب مينا البراموسى.
وفى حياته الرهبانية، فضل البابا كيرلس السادس حياة الوحدة داخل مغارة داخل الدير، ثم انتقل إلى طاحونة بمصر القديمة، حيث كان يخدم فى كنيسة مار مينا بالزهراء، ووقتها استأذن من البابا يؤانس أن يسمح له بالسكن فى طاحونة هواء على مرتفع من جبل المقطم يطل على القاهرة.
واختار الراهب مينا المتوحد طاحونة لا سقف لها ولا باب، وبمساعدة بعض القاطنين بالمناطق المحيطة تم بناء سقف للطاحونة وفوقه دور ثان ليكون كنيسة صغيرة، كذلك وضعوا لها الباب والنوافذ اللازمة، وأعد مدير الآثار عقدًا معه لحمايته من أى مضايقات فى المستقبل.
وفى يوم الأحد ١٩ أبريل ١٩٥٩ تم اختيار الراهب مينا البراموسى ليصبح بطريركًا للكرازة المرقسية باسم البابا كيرلس السادس.
بدأ البابا كيرلس السادس عمله البابوى بإعادة إحياء مدينة القديس مينا الأثرية بمريوط، والتى يعود تاريخها إلى القرن الرابع الميلادى، والتى كانت - حتى القرن التاسع الميلادى - محجًا مسيحيًا عالميًا، وبادر بوضع حجر أساس دير مار مينا بالمنطقة فى ٢٧ نوفمبر ١٩٥٩، فكشف بذلك عن صفحة مجيدة فى تاريخ كنيسة الإسكندرية.
ويعد الدير إحدى المناطق الأثرية المهمة فى العالم، وتم تسجيل المنطقة الواقع بها فى سجل أهم المناطق الأثرية بمنظمة «اليونسكو»، ويعود تاريخ الدير القديم إلى وقت وصول رفات الشهيد مار مينا واستقرارها فى مزارها القديم عام (٣١٢ – ٣١٥)م.
وبنيت أول كنيسة للشهيد بمريوط بين عامى ٣٢٠ – ٣٢٥، فى عهد الملك قسطنطين الكبير، وبتزايد عدد الزوار وطالبى المعجزات والتبارك بالقديس، جدد البابا أثناسيوس الرسولى الكنيسة الأولى ووسعها كثيرًا، ثم اشترى البابا كيرلس السادس المساحة المقام عليها الدير الحديث المجاورة تمامًا للمنطقة الأثرية وبدأ التعمير من جديد.
كما أعاد البابا كيرلس السادس جزءًا من رفات الشهيد مار مينا العجائبى من كنيسته بفم الخليج إلى دير مار مينا بمريوط فى فبراير ١٩٦٢، وبدأت عمليات الكشف الأثرى تأخذ صفتها المنتظمة منذ أنشأ البابا كيرلس السادس الدير الحالى.
فبدأ المعهد الألمانى للآثار بالقاهرة العمل منذ ١٩٦١ بإشراف العالم الألمانى بيتر جروسمان لبضعة شهور سنويًا، وسلم البابا كيرلس السادس أمانة الدير لتلميذه الخاص القمص مينا أفامينا (وهو المتنيح الأنبا مينا أسقف الدير)، الذى تمت إقامة مزار له بجوار البابا كيرلس بالدير الحديث عقب وفاته.
ووضع البابا كيرلس السادس حجر الأساس لكاتدرائية مار مينا بمريوط فى عام ١٩٦١، ولكن الإنشاءات بدأت فعلا عام ١٩٦٩.

حكاياته مع عبدالناصر عن كاتدرائية العباسية وظهور العذراء ورفض زيارة القدس
تميزت علاقة البابا كيرلس السادس بالرئيس جمال عبدالناصر بالمحبة الشديدة والحقيقية، وأول لقاء له مع الرئيس، كان فى منزل الأخير عام ١٩٥٩.
وكان بناء كاتدرائية جديدة مشروعا محببا إلى قلب البابا كيرلس، لكنه لم يكن يريد أن يلجأ إلى موارد من خارج مصر يبنى بها مشروعه، وفى نفس الوقت فإن موارد التبرعات المحتملة من داخل مصر كانت قليلة، لأن القرارات الاشتراكية أثرت على أغنياء الأقباط، كما أثرت على أغنياء المسلمين، ممن كانوا فى العادة قادرين على إعانة الكنيسة بتبرعاتهم.
كما أن المهاجرين الأقباط الجدد لم يكونوا فى موقف يسمح لهم بمد يد المساعدة السخية، كما تأثرت أوقاف الأديرة القبطية بقوانين إلغاء الأوقاف.
وهكذا وجد البطريرك نفسه فى مأزق، ولم ير من المناسب أن يفاتح جمال عبدالناصر مباشرة فى مسألة بناء الكاتدرائية، فقد تصور فى الموضوع أسبابا للحرج.
ويقول محمد حسنين هيكل، فى أحد كتبه: «تلقيت شخصيا دعوة من البطريرك لزيارته وذهبت فعلًا للقائه، بصحبة الأنبا صموئيل، الذى كان أسقفا بدار البطريركية، وفى هذا اللقاء حدثنى البطريرك عن المشكلة وأظهر تحرجه من مفاتحة جمال عبدالناصر مباشرة فى الأمر حتى لا يكون سببا فى إثارة أى حساسيات، ثم سألنى ما إذا كنت أستطيع مفاتحة الرئيس فى الموضوع دون حرج للبطريرك ولا حرج على الرئيس نفسه».
وتبرع أبناء عبدالناصر بمدخراتهم للبابا كيرلس لبناء الكاتدرائية «الموجودة حاليًا فى العباسية»، لأن الرئيس أراد أن يعلمهم ذلك، وتلقى البابا تلك التبرعات فى منزل الرئيس بسعادة بالغة.
وفى عهده كانت ظهورات العذراء مريم بكنيستها بالزيتون فى ٢ أبريل ١٩٦٨، حيث رأى عدد كبير من الجماهير أشعة نورانية باهرة تخرج من القبة الرئيسية للكنيسة، ثم فتاة متسربلة بثياب بيضاء، وساجدة بجوار الصليب، الذى يعلو القبة.
وبعدها قرر الرئيس جمال عبدالناصر الحضور شخصيًا لمشاهدة ظهور العذراء فى الزيتون، وكان يصحبه حسين الشافعى، سكرتير المجلس الإسلامى الأعلى، وجلسوا فى شرفة منزل أحمد زيدان، كبير تجار الفاكهة، الذى كان منزله مواجهًا لكنيسة السيدة العذراء بالزيتون.
وليلتها ظهرت السيدة العذراء ظهورًا فريدًا فى الخامسة صباحًا، ورآها كل الحضور وتولت الحكومة تنظيم الحضور حول الكنيسة، وجمعت مبالغ نقدية كبيرة وأعطت الجراج المقابل إلى الكنيسة، وبنيت فيه كاتدرائية كبيرة باسم القديسة العذراء مريم.
وبعد أن تكرر الظهور لعدة ليالٍ تصاحبه ظواهر عجيبة، شكل البابا كيرلس السادس لجنة من القمص جرجس متى، مدير الديوان البطريركى، والقمص يوحنا عبدالمسيح، سكرتير اللجنة البابوية لشئون الكنائس، القمص بنيامين كامل، سكرتير البابا.
وذهبت اللجنة إلى كنيسة السيدة العذراء بالزيتون لتقصى الحقائق حول ظهورها وتجليها، وعاينوا ظهور العذراء بأعينهم ثم تقابلوا مع عمال الجراج الحكومى المقابل للكنيسة، الذين شاهدوها أولًا وكتبوا تقريرهم بتاريخ ٣٠ أبريل ١٩٦٨، وسجلوا ما رأوه، والتحقيقات التى أجروها.
كما كان البابا كيرلس السادس أول من رفض زيارة القدس، وأعلن ذلك فى أعقاب هزيمة ١٩٦٧ وبعد وقوع القدس فى يد الاحتلال الصهيونى، بعدما لاحظ عمليات تهويد واسعة بالمدينة.
وظل الأمر كذلك حتى جاء عام ١٩٨٠ حين قرر المجمع المقدس للكنيسة القبطية، وهو أعلى سلطة فى الكنيسة، منع الأقباط من زيارة القدس، فى أعقاب الشقاق بين البابا شنودة والرئيس الراحل أنور السادات.
وفى ٢٠ يونيو ٢٠١٣، اجتمع المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية برئاسة البابا تواضروس الثانى بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، وتم الاعتراف بالبابا كيرلس السادس قديسًا من قديسى الكنيسة.
وبناء على هذا القرار يمكن بناء الكنائس باسمه، بالإضافة إلى ذكره فى مجمع القديسين الموجود فى كل من الخولاجى المقدس «كتاب صلوات القداس الإلهى» والأبصلمودية المقدسة «كتاب التسبحة».