رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

ميجيش من الغرب يسُر القلب


تسترعى انتباهى دائمًا الضجة التى تُثار سنويًا مع قدوم الاحتفال بـ«الفالنتين داى» أو حتى عيد الحب المصرى! وكيف يرفض البعض دخول هذه العادات «الغربية» إلى مجتمعنا المصرى، وإثارة مسألة الغزو الفكرى لشبابنا، وضياع الهويتين المصرية والإسلامية!
ويصاحب ذلك عادة صدور بعض الفتاوى التى تُحرِّم هذه البدع، أو على الأقل تقول بكراهية ممارسة ذلك، وترفض اعتباره ضمن الأعياد؛ لأن الأعياد هى عيد الفطر وعيد الأضحى.
ويرتبط بتلك الحملة المناهضة لفكرة عيد الحب، الترويج للمثل الشعبى الشهير «ميجيش من الغرب.. يسُر القلب»، أى رفض كل ما يأتى من الغرب، لأن الغرب لا يأتى منه إلا القبيح الذى لا يسُر القلب. وقد استُخدِم هذا المثل كثيرًا فى إطار رفض الاقتباس من الغرب، ورفض فكرة الحضارة العالمية، وأن انتقال الأفكار والعادات والتقاليد بين الأمم والشعوب هو بمثابة القضاء على الهويتين الوطنية والدينية، وذاعت هذه الأفكار، لا سيما فى العقود الأخيرة.
هذه المقولات فى الحقيقة تُخالِف الطبيعة الإنسانية، ولا تتفق مع الحقيقة التاريخية، ولا حتى مع الخبرات السابقة للمجتمع المصرى المنفتح طيلة تاريخه على الآخر. فبالنسبة للمثل السابق ذكره «ميجيش من الغرب.. يسُر القلب»، هذا المثل فى الحقيقة أُسىء فهمه، بل دعونى أقل أُسىء توظيفه واستخدامه، وربما عن غرض وهدف؛ إذ لا يتعلق المثل بالغرب الذى نفهمه، أوروبا وملحقاتها، ولكن يعنى فى الحقيقة الغرب الجغرافى. إذ إن المقصود هنا أنه لا تأتى رياح عليلة من الغرب، فالهواء الجميل «النسمة الطرية» تأتى من الاتجاه البحرى، وليس من الاتجاه الشرقى أو الغربى، لأنها فى الحقيقة هواء الشمال المنعش، بينما هواء الغرب مُحمَّل بالأتربة الصحراوية، ولكن لغرض مرضىّ يتم توظيف المثل أحيانًا فى إطار الصراع الفكرى بين الشرق والغرب، وحتى بين أنصار الأصالة والمعاصرة!
ولا يدرى الكثيرون أن هناك عادات وتقاليد وأعيادًا جميلة دخلت إلى المجتمع المصرى من الغرب عن طريق بعض كبار مفكرينا المصريين. ويعتبر احتفال الشخص بـ«عيد الميلاد» أو حتى بـ«شهر العسل» خير دليل على ذلك.
إذ دخل الاحتفال بعيد الميلاد إلى المجتمع المصرى فى أثناء الحرب العالمية الأولى. فى تلك الفترة أسس الآباء المفكرون، وكانوا فى ذلك الوقت من الشباب وعلى رأسهم طه حسين ومحمد حسين هيكل وغيرهما، مجلة السفور لتكون نافذة للمجتمع المصرى الجديد. وما يهمنا هنا هو كيفية إدخال أعياد شخصية إلى المجتمع المصرى الذى لم يكن قد وصل بعد إلى مرحلة «الفرد والفردية» التى وصلت إليها أوروبا سابقًا. إذ يروِّج طه حسين بنفسه لضرورة احتفال الشخص فى ذكرى يوم ميلاده «عيد الميلاد»، هذا العيد الذى تعرف عليه فى أثناء إقامته فى أوروبا، حيث يجتمع مع أسرته وأصدقائه ليتقبل التهانى والهدايا ويتذكر ماضى حياته ويترسم مستقبله ويعيش على حد قول طه حسين نفسه «فى جو من اللذة لا يشعر به الشرقى ولا يجد له فى نفسه حسه». وهكذا وفى ظل الظروف الصعبة التى كانت تمر بها مصر آنذاك أدخل طه حسين هذا العيد إلى حياتنا من أجل المزيد من البهجة.
ومن العادات الأخرى التى لفتت انتباه كُتَّاب مجلة السفور فى أثناء إقامتهم فى أوروبا، ودعوا إلى دخولها إلى مصر فكرة «شهر العسل» وسفر الزوجين بعد الزواج مباشرةً، لقضاء فترة ناعمة هادئة فى مكان بعيد عن الأهل والأسرة، أو على حد تعبير هؤلاء المثقفين، «لتتوفر لهما الحرية التامة بعيدًا عن الأهل والأسرة».
هكذا كان انفتاح المجتمع المصرى آنذاك، هو السبيل أمام دخول عادات مبهجة من الغرب، مثل عيد الميلاد وشهر العسل إلى الحياة المصرية.