القاهرة : الإثنين 19 فبراير 2018
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
الثلاثاء 13/فبراير/2018 - 06:45 م
د-مينا-بديع-عبدالملك
د-مينا-بديع-عبدالملك

البابا مكاريوس الأول

dostor.org/2057780

فى ٢٧ فبراير ٩٣٢م تنيح «توفى» البابا قُزما الثالث البطريرك ٥٨ فحزن الشعب جدًا لفراقه بعد أن جلس على الكرسى المرقسى ١٢ عامًا «٩٢٠ ــ ٩٣٢م» إذ كانت نياحته فى تذكار جلوسه! وكان مداومًا على زيارة شعبه وتفقد أحوالهم ويعزى القلوب المضطربة ويُثبت النفوس الضعيفة، ومن كثرة حزنه الصادق على شعبه لم يقو على احتمال أحزانهم فضعُفت قوته الجسمية واستراح فى الرب، وهى مشاعر الأب المخلص والراعى الأمين.
ولما رأى الأساقفة مدى حزن الشعب وأنهم منزعجون ومنطرحون كأبناء بلا راعٍ، اتفق الأساقفة ومعهم الأراخنة على رسامة الراهب «وليس الأسقف» مكارى من رهبان دير القديس مكاريوس الكبير بوادى النطرون، وكان من مواليد قرية تُدعى «شُبرا» بالقرب من الإسكندرية، وكان قد ذهب للترهب بدير القديس مكاريوس رغبة منه لبلوغ الكمال المسيحى، وعُرف عنه أنه راهب شديد التقشف والنسك. ومن ثم قصد الدير مجموعة من الأساقفة والأراخنة الأمناء على التمسك بقوانين وتقاليد الكنيسة العريقة إلى دير القديس مكاريوس، وأمسكوا بالراهب مكارى لئلا يفلت منهم، وأخذوه معهم إلى الإسكندرية، وساروا به إلى كنيسة القديس مرقس وهناك أقام البابا مكاريوس الأول البطريرك ٥٩ فى ٢٧ مارس ٩٢٣م. كان أول عمل قام به بعد بطريركيته زيارة رعوية شملت جميع بلاد القطر المصرى لتفقد شعبه والتعرف على أحوالهم بنفسه، ويعزى من كان منهم حزينًا مضطربًا. وفى أثناء هذه الرحلة مر بقرية «شبرا»، مسقط رأسه، وقصد إلى البيت الذى قضى فيه طفولته. ولما دخل القرية قصد إلى منزل والديه ليُسّلم على والدته. وكانت منشغلة بالغزل ساعة وصول ابنها إلى دارها، ولم تلتفت إليه ولا أعطته اهتمامها! ولما لاحظ ابنها «البطريرك» أنها لم تلاقه بما كان يتوقعه من ترحيب بالغ وفرح ظاهر وإعداد ما لذ وطاب من الطعام ودعوة الأهل والأصدقاء والجيران لمقابلة ابنها البطريرك والتحدث معه... إلخ، خُيل إليه أن الشيخوخة أقعدتها وحالت دون معرفتها إياه. فقال لها: «سلام لك يا أمى، ألا تعرفين من أنا؟ إننى ابنك. وقد تركتك لأعيش راهبًا بسيطًا. وها أنا ذا قد صرتُ خليفة لكاروزنا القديس مرقس المحبوب. ألا يسعدك هذا يا أمى؟». ولما قال هذا رفعت عينيها إلى وجهه فراعه أن يرى دموعها تنهمر كالسيل وسألها: «ماذا بك يا أمى؟» أجابته: «إنها لكرامة عظمى تلك التى نلتها وهى غاية فى السمو. ولكن مسئولياتها غاية فى الخطورة. وهذا ما يبكينى. فلقد كنت فى الدير راهبًا بسيطًا مسئولًا عن نفسك. أما اليوم ــ وقد نلت هذا المنصب العظيم ــ فقد أصبحت مسئولًا عن شعب الكرازة المرقسية. فليس أمامى الآن يا ابنى وسيدى إلا أن أمزج دموعى بصلواتى ضارعة إلى رب الكنيسة الذى منحك هذه الكرامة العظيمة أن يهبك من عنده نعمة تُمكنك من القيام بما تقتضيه هذه الرعاية الخطيرة من مسئوليات جسام». فاهتز البطريرك حتى الأعماق لكلمات والدته إذ تجلت أمامه حقيقة بطريركيته أنها ليست رئاسة وراحة وأوامر ونواهى وسعيًا وراء سلطات زائلة، ونقش كلمات والدته فى قلبه وظل يذكرها طيلة حياته وجعلها حافزًا له على الجهاد دون ملل ولا كلل. فقضى حياته يعلّم الشعب ويحثه على مداومة قراءة الكتاب المقدس وتعاليم الآباء الأولين بكل أمانة دون تحريف. كما أنه ــ حين كان يجد إيبارشية شاغرة ــ يصوم ويصلى مستلهمًا إرادة الله فى اختيار من يصلح للجلوس على كرسى الأسقفية. وحينما تمتلئ نفسه ثقة واطمئنانًا بأن الرب سيرشده إلى ما هو صالح كان يضع يده على من يختاره بفرح روحى عميق. وكان دائمًا يردد فى نفسه قول السيد المسيح: «ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟».
وفى تلك الآونة اشتدت المنافسة بين الأمراء، فكان كل منهم يحشد جنوده ضد الآخر ويترك لهم العنان ليسلبوا ويقتلوا دون رحمة، فتجاوبت فى أنحاء القطر أصداء الألم وصيحات الحزن والفزع، كما أن الطبيعة أمطرت ذات ليلة عددًا كبيرًا من الشُهب تساقطت فى سرعة واحِدة، فضاعف الناس فى الصوم والصلاة إلى حد أن الكنائس والجوامع كانت تزدحم بالناس حتى ساعة متأخرة من الليل. وقد استجاب الله إلى تلك الدعوات الصادقة وأرسل لهم واليًا جديدًا اسمه «الأخشيد»، فوصل إلى الفسطاط فى أغسطس ٩٣٥م، الذى ثبت قواعد النظام وأعاد لمصر رخاءها خلال الإحدى عشرة سنة التى تولى فيها الأمور.
ووسط كل هذا المد والجذر، وتعاقب الفوضى والسلام، عكف البطريرك الأنبا مكاريوس الأول على الصوم والصلاة، ودعم أصوامه وصلواته بقيامه بزيارات رعوية لشعبه، وأكمل زيارته الثانية بزيارة ديره بوادى النطرون وأقام به بضعة أسابيع. ولما رأى البابا الجليل السلام منتشرًا فى ربوع مصر، انشغل فى بناء عدة كنائس. وقد جلس على الكرسى البطريركى عشرين عامًا «٩٣٢ ــ ٩٥٢م» خدم فيها شعبه بإخلاص زائد، فقد كانت الكلمات التى سمعها من والدته الواعية فى مستهل رياسته حافزًا على الجهاد المتواصل لعله يبلغ ما كانت والدته ترجوه لأجله فيؤدى حساب وكالته ــ أمام الله الديان العادل ــ فى ثقة أكيدة ونفس وادعة راضية. وفى ٢٠ مارس ٩٥٢م رحل إلى الأمجاد ليكافئ نظير أمانته الشديدة فى رعاية شعبه.

ads
ads