القاهرة : الإثنين 11 ديسمبر 2017
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
ads
الخميس 07/ديسمبر/2017 - 07:04 م
د. محمد عفيفي
د. محمد عفيفي

قِشْرة الحضارة والروح جاهلية

dostor.org/1653105



تداعت علىَّ الذكريات وأنا أشاهد المشهد الدموى والهمجى بقتل الرئيس اليمنى السابق على عبدالله صالح، بدمٍ بارد مع التمثيل بجثته. وجدتنى أستدعى «فلاش باك» ومشهد قتل الرئيس الليبى السابق معمر القذافى أيضًا بدمٍ بارد، والتمثيل بجسده حيًا وميتًا!!
نعم كلاهما حكم بلاده عشرات السنين؛ القذافى من عام ١٩٦٩ وحتى ٢٠١١، وصالح من ١٩٧٨ وحتى ٢٠١٢، والسُلطة المُطلقة مفسدة، وأى مفسدة. كلاهما دخل ببلاده زمنيًا إلى القرن الحادى والعشرين، لكنه لم يدخل بأفكار وقيم هذا القرن. كلاهما من مخلفات القرن الماضى، ومن نتائج هزيمة ١٩٦٧. أصبحت حتمية التغيير واجبة، لكنهما لم يرضخا لمقتضيات التاريخ. لكن هل هذا يبرر البربرية التى انتهت بها قصة حياتهما؟
بالتأكيد لا. مشهد القذافى والاعتداء عليه جنسيًا، ثم قتله، أو مشهد صالح وقتله والتمثيل بجثته، أبعد ما يكون عن قيم وأفكار الحضارة الحديثة، والإنسان المتمدن، حالة تخدم فكرة تحول الربيع العربى إلى خريف طويل لا نهاية له.
لكن هذه المشاهد المؤسفة ربما تعيدنا إلى الحقيقة الكبرى التى أدركها آباء حركة التنوير فى العالم العربى، أن التغيير السياسى لا بُد أن تسبقه النهضة التعليمية والثقافية، ففى البدء كانت وستظل هى الكلمة. وعندما نتحدث عن هذه النهضة لا نقصد بها التوسع فى أعداد المدارس، والتى تصبح فى النهاية مجرد «علب سردين» غير مُهيأة وغير صالحة لتكوين بيئة تربوية وتعليمية، أو أن نتفاخر بازدياد أعداد الناجحين فى مدارسنا وجامعاتنا، كما نتفاخر بأعداد قصور الثقافة ومراكزها، ومؤسساتنا الثقافية فى العالم العربى، بينما لسان حالنا يقول «أنا لا أكذب ولكنى أتجمَّل»!!
من أجل هذا أصدر شيخنا الجليل رفاعة رافع الطهطاوى، كتابه الشهير فى القرن التاسع عشر «المُرشد الأمين للبنات والبنين»، وأصدر طه حسين فى القرن العشرين «مستقبل الثقافة فى مصر».
عودة إلى المشهد الدموى، القتل بدمٍ بارد والتمثيل بالجثث، هذا المشهد جعلنى أستدعى أحب الشعراء إلى قلبى «نزار قبانى» وقصيدته النارية «هوامش على دفتر النكسة»، حيث يصف بدقة الأزمة الحقيقية لعالمنا العربى، أزمة الحضارة قائلًا:
خلاصةُ القضيّة توجزُ فى عبارة
لقد لبسنا قشرةَ الحضارة والروحُ جاهليّة!!
وأتذكر أيضًا الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين وكتابه المهم «إسرائيليات وما بعد العدوان»، والذى كتبه بعد هزيمة ١٩٦٧، عندما صرَّح مبكرًا بأن «صراعنا مع إسرائيل ليس صراعًا عسكريًا، وإنما فى الأساس صراع حضارى».
هل نتساءل الآن: لماذا ضاعت القدس؟!

ads
ads
ads