القاهرة : الإثنين 11 ديسمبر 2017
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
ads
الأربعاء 06/ديسمبر/2017 - 07:15 م
جلال-حمام
جلال-حمام

ثعابين إيران قتلت الباحث عن السلطة

dostor.org/1651919

قال على عبدالله صالح، الرئيس السابق لليمن، يومًا: «إن حكم اليمن يشبه الرقص على رءوس الثعابين»، فكان عليه أن يجعل من نفسه «الساحر» الذى يُلاعب كل الثعابين لتحقيق ذلك، فأحكم قبضته على اليمن، حتى بعد خلعه من الحكم، إثر تمرد الشارع اليمنى عليه، فى إطار ما سموه «ثورات الربيع العربى».
فبقى لاعبًا رئيسيًا فى أحداث بلاده، حتى بعد خروجه من السلطة منتصف عام ٢٠١١، فى موجة احتجاجات ضد حكمه الذى استمر ثلاثة عقود، ولم تكن سيرته سوى مسلسل طويل من التحالفات، التى سرعان ما ينقلب عليها عندما يشعر بالقوة، ومثل الثعبان، صار صالح يزحف من حِلف إلى حِلف باحثًا عن السلطة، لا يرغب فى ترك المشهد السياسى رغم خلعه من القصر الرئاسى قبل نحو خمس سنوات، لكن تحالفه الأخير مع الحوثيين كان خاتم تحالفاته، وأنهى مسيرته السياسية وحياته كلها، بعدما فكّ التحالف معها، متجهًا إلى التحالف العربى الذى تقوده المملكة العربية السعودية.
فقبل أيام، دعا صالح إلى فتح صفحة جديدة وبدء حوار مع التحالف، الذى تقوده المملكة فى اليمن، أعقبتها مواجهات مسلحة مع الحوثيين فى صنعاء، نتجت عنها سيطرة قواته على دار الرئاسة، ووزارة الدفاع، والبنك المركزى، ووزارة المالية، وجهاز الأمن القومى، ورَحب التحالف العربى، بعرض رئيس اليمن السابق للحوار، وقال فى بيان إن «قرار استعادة حزب المؤتمر الشعبى فى اليمن، الذى يترأسه صالح، زمام المبادرة وانحيازهم لشعبهم سيخلص اليمن من شرور الميليشيات الطائفية الإرهابية التابعة لإيران»، فى إشارة إلى الحوثيين، وأكد البيان «وقوف التحالف بكل قدراته فى جميع المجالات مع مصالح الشعب اليمنى للحفاظ على أرضه وهويته ووحدته ونسيجه الاجتماعى، فى إطار الأمن العربى والإقليمى والدولى»، وفى المقابل، وصف الحوثيون صالح بـ«الخائن»، ودعوا إلى قتله، وشنت وسائل الإعلام التابعة لهم، هجمة كبيرة، هى الأعنف فى السنوات الأخيرة، وطالبت بمحاكمته وشنقه على باب اليمن. وكان مشهد النهاية بأن أعلنت ميليشيات الحوثى «الإيرانية» أنها قتلته قرب صنعاء، فيما قالت مصادر بحزب المؤتمر الشعبى العام إنه تم إيقاف موكب صالح، وهو فى طريقه إلى بلدة سنحان، مسقط رأسه، واغتيل رميًا بالرصاص.
تقول التقارير إن الرئيس السابق لليمن، الذى ينحدر من عائلة فقيرة، بدأ سائقًا لمدرعة، وشارك فى حماية الجيش الجمهورى فى صنعاء، وتدرج فى الرتب حتى تولى قيادة لواء تعز عام ١٩٧٥.. ومثّل الانقلاب الذى قام به الرئيس اليمنى الأسبق، إبراهيم الحمدى، على سابقه، الرئيس عبدالرحمن الأريانى، عام ١٩٧٤، نقطة فارقة فى مسيرة صالح، فيما عُرف بالانقلاب الأبيض أو «حركة ١٣ يونيو التصحيحية»، بسبب اتهام الأريانى بضعف الإدارة وعدم الفاعلية.. وتولى الحمدى الحكم برئاسة مجلس عسكرى، هدف إلى إعادة هيكلة الجيش اليمنى وتحجيم نفوذ مشايخ القبائل الذين كان لهم نفوذ واسع داخل الجيش، وكان من بين هذه الهيكلة تولى صالح قيادة لواء مدينة تعز برتبة رائد، ليلمع نجمه فى الحياة السياسية والعسكرية منذ ذلك الوقت.. وفى عام ١٩٧٨، أصبح رئيسًا لليمن الشمالى، بعد سلسلة اغتيالات طالت مسئولين كبارًا فى السلطة، وساعد تواجد صالح، كعضو فى مجلس الرئاسة، على أن يتم انتخابه بالإجماع من قبل المجلس، ليكون الرئيس والقائد الأعلى للقوات المسلحة اليمنية، فى يوليو من العام نفسه، وظل فى منصبه حتى عام ١٩٩٠، عندما قامت الوحدة بين شطرى البلاد، فأصبح رئيسًا لليمن الموحد.. وتمكن الرئيس المغدور من إخماد محاولة لانفصال الجنوب عام ١٩٩٤، وانتصرت قواته على أنصار نائبه على سالم البيض.
وفى السنوات التالية، شهد اليمن اضطرابات متصاعدة ومخاطر مختلفة، أهمها تنامى نفوذ الحوثيين وبدء ظهور الجماعات المتطرفة، على رأسها القاعدة، استغلالًا لانشغال القوات الحكومية فى صراعات داخلية.. وقام صالح بست حملات عسكرية ضد الحوثيين، فى صعدة، بين عامى ٢٠٠٤ و٢٠١٠، ليتم بعد ذلك بعامين، إجباره على ترك السلطة، على خلفية احتجاجات شهدها اليمن فى خضم ثورات ما عُرف بـ«الربيع العربى»، وبموجب مبادرة خليجية نُقلت السلطة إلى خلفه عبدربه منصور هادى، الذى ترك البلاد لاحقًا، مع انقلاب ميليشيات الحوثى ضده فى ٢٠١٤، إلا أن رحيل صالح عن سدة رئاسة اليمن لم يمنعه من البقاء لاعبًا رئيسيًا فى الساحة اليمنية، إذ ظل رئيسًا لحزب المؤتمر الشعبى العام، ومارس عمله كسياسى.. ومع اشتداد الاشتباكات بين الحوثيين، المدعومين من إيران، والجيش اليمنى الموالى للرئيس هادى، عاد صالح، كعنصر مؤثر فى الحرب الدائرة، من خلال قوات من الحرس الجمهورى موالية لنجله أحمد، التى قاتلت بجانب الحوثيين ودعمتهم بشكل كبير، ورفضوا إطاعة أوامر القادة العسكريين التابعين للرئيس هادى، حتى تمكنوا من دخول صنعاء وإجبار الرئيس الشرعى على الرحيل إلى عدن.
وظل التعاون بين الطرفين، صالح والحوثيين، قائمًا، حتى سادت الأجواء منذ أشهر، حالة من التوتر، مع اتهام حزب المؤتمر الشعبى للحوثيين باستبعاد عناصره من المناصب القيادية والانفراد بالقرار فى المناطق الخاضعة لهم، وزاد من اشتعال الوضع إعلان الحزب خرق الحوثيين للتهدئة معه، بمهاجمة منازل الموالين لـصالح والانتشار فى عدد من بعض شوارع صنعاء.. وعلى الجانب الآخر، اتهم الحوثيون صالح وأنصاره بتعمد تعطيل عمل الدولة وتثبيط القتال والتحريض على الفتنة، منذ التوقيع على اتفاق الشراكة بينهما فى يوليو ٢٠١٦ لإدارة شئون اليمن.
الذى لا شك فيه أن مقتل على عبدالله صالح سيؤثر سلبًا على الأوضاع فى اليمن، لأنه كان متوقعًا أن يؤدى دورًا فى المرحلة المقبلة لاستعادة اليمن.. فمع التأكيد على أنه لم يكن من المتوقع أن يكون رئيسًا قادمًا، لكنه كان سيلعب دورًا فى المعادلة، فدوره الحزبى وظهيره السياسى موجود، وكان نقطة انطلاق مهمة بعد انقلاب الحوثيين عليه.. وسيخلف مقتله فراغًا سياسيًا كبيرًا، إلا إذا أحسنا الظن بمن كانوا إلى جواره من الشخصيات والرجال، الذين يمكن أن يقوموا بدوره ويؤدوا مهمة إيجابية فى معضلة اليمن الحالية، تعود بالخير على شعبه الفقير، وعلى المنطقة الخليجية التى يتهددها الخطر الإيرانى، لكن من المبكر أن نتوقع أن نجله أحمد هو من سيتولى دوره كقيادة سياسية.
وختام القول، فإن مقتل صالح ليس دليلًا على قوة الحوثيين، لكن إنهاء حياته بهذه الصورة رسالة ملغمة منهم إلى الأطراف العربية والتحالف، وربما تكون إيران دافعة فى هذا الاتجاه، كما أن التيار الحوثى يريد أن يقول إنه لا يزال قويًا وما زال موجودًا بقوة على الأرض، وإن اغتيال صالح هو تصعيد عسكرى، وربما يكون تحريك المشهد عسكريًا، خلال الفترة المقبلة بيد إيران، فالحوثيون يجدون المساعدة المستمرة من طهران، وتضاريس اليمن ليست سهلة، بل هى مناطق جبلية غاية فى الخطورة لا يمكن لأى طرف الانتصار فيها عسكريًا، والحل فى هذا المستنقع هو الحوار، والحفاظ على العلاقات بين الشعوب، فلا بد من الاستماع لصوت العقل، خاصة أن الحوثيين طلبوا إلى مصر التدخل من أجل الحل السلمى، وقد عرضت القاهرة، من قبل، حلًا سلميًا، وجب أن ينتصح به الفرقاء، الآن، لأن استمرار الحرب يعطى الفرصة لإيران للتدخل، لأنها تريد لهذا التصعيد أن يستمر أمدًا بعيدًا، وهذا هو الخطر الحقيقى.. حفظ الله مصر من كيد الكائدين.

ads
ads