القاهرة : الإثنين 11 ديسمبر 2017
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
ads
الأربعاء 06/ديسمبر/2017 - 07:14 م
صفوت البياضي
صفوت البياضي

هل يمكن لعالمنا تحقيق السلام؟

dostor.org/1651917

جميعنا يفكر حالمًا فى تعايش يسوده السلام من أجل أجيال تحلم بعالم تنتهى فيه الحروب والكروب، ليعيش الجميع دون خوف أو تهديد بالجوع لندرة الطعام، أو بأمراض لندرة الدواء، وفساد الهواء وتلوث الماء. وفى بحث عن أى قادة على مستوى العالم يمكن أن يطلق عليهم رجال سلام، نرى أعظم عشر قيادات عالمية خاضوا المعارك العسكرية منهم أربعة من القادة العرب، ومن يتابع التاريخ الفرعونى يجد الفراعنة هم من أفضل عشرة جيوش على مر التاريخ.
لكن حدثًا وحيدًا فريدًا قاده شخصية عالمية من أجل السلام، وهو فى مركز القوة وفى مقدمة المنتصرين، إلا أنه فى غمرة الانتصار إذا به يفاجئ العالم بالدعوة إلى السلام وليس الاستسلام. كان ذلك فى اليوم الثانى والعشرين من شهر يناير عام ألف وتسعمائة وسبعة عشر للميلاد حين خرج الرئيس الأمريكى وودرو ويلسون أمام مجلس الشيوخ ومجلس النواب، وعلى مسمع من الجماهير وأمام زوجته وإحدى بناته وقال: «لقد قررت أن تقف الولايات المتحدة موقف الحياد كداعية للسلام من منطلق القوة، وليس من خوف أو انهزام فى هذه الحرب الكبرى المدمرة لأوروبا، داعين للعدل ونشر السلام ووقف الحروب، ونحن باسم الشعب الأمريكى الذى لا مصلحة له من هذه الحروب غير الدمار لكل أطراف الحرب، على استعداد للقيام بالتصالح سلمًا دون انتصار لأى طرف على الآخر، أدعوه (سلامًا دون انتصار)، لأن الانتصار معناه أن الجانب المنتصر يقف فى مركز القوة ليملى شروطه، والمهزوم لا يملك إلا الخضوع والاستسلام، فهو سلام منقوص، يتغلب فيه المنتصر على الجانب المهزوم، وهو سلام مهدد بالانهيار، لعل المنهزم يحقق جولته المنتصرة ويسترد ما سلب له من حقوق فى اتفاق السلام غير المتكافئ».
كان هدف الرئيس الأمريكى هو سلام بلا جروح، واتفاق متكافئ لا من موقع المنتصر والمهزوم، وعبّر عن هذا النوع من السلام قائلًا «إن سلامًا بين منتصر ومهزوم أشبه بالرمال المتحركة وهو قطعًا لن يدوم».
ومن الطبيعى أن هذا الإعلان الأمريكى لم يكن مرضيًا عنه، لا سيما بين دول مشاركة فى الحرب، ليس فقط لأنه كان مفاجئًا لم يؤخذ فيه رأى الأطراف المحاربة، وعلق العدد الكبير على ما دعاه الرئيس الأمريكى عنوانًا لهذا السلام أنه «سلام دون انتصار».
لقد جاء هذا الحديث للرئيس الأمريكى فى عام ألف وتسعمائة وخمسة عشر، وكان قد سقط من الأمريكان مائة وثمانٍ وعشرون محاربًا، وأعداد الطرفين المتحاربين فى أوروبا مئات الألوف. وتكلفة الحروب دعت إنجلترا لأن تقترض من الولايات المتحدة مبلغًا كبيرًا.
كما اعتبرت دول التحالف أن دعوة الرئيس الأمريكى نوع من الخيانة واعتبار الحلفاء منسحبين لا منتصرين، بينما دعاه الرئيس الأمريكى موقفًا متوازيًا لا خاسر فيه ولا رابح، وبالطبع لم تكن كل الأطراف، لا سيما الجانب المنتصر الذى فى الجانب الأمريكى، يرى نفسه رابحًا، والمفترض أن من يطلب التصالح هو الطرف الخاسر، وكان هذا ما لم يره الرئيس الأمريكى سلامًا، بل السلام هو بين طرفين اقتنعا بدعوة السلام دون اعتماد على القوة العسكرية والسلاح الأكثر تقدمًا، بل هو صلح بين طرفين لا بين قوى وضعيف.
لقد وقف دعاة السلم فى المؤسسات الأمريكية مؤيدين للرئيس، وخرجت فى كل الأركان لافتات تقول «أمريكا تدعو للسلام»، وظهرت ألعاب الأطفال كعرائس تمثل الأطراف المتحاربة، وكأنها تستبدل المعارك وسفك الدماء بالتزاوج بين أطراف المعارك، وتبدلت أصوات الطائرات الحربية والصواريخ الفتاكة بالأناشيد والأغانى التى تدعو للحب والتآخى، وكلها تحت شعار «أمريكا تحارب من أجل السلام» (١٩١٤- ١٩١٨).
أما وأن يأتى مقالى هذا فى وقت نشم فيه رائحة البارود كما يقولون بين دول متقاربة جغرافيًا، ومشتركة فى الثقافات واللغات والتقاليد والعادات، إن فى شكل انقلابات أو تهديدات تتخذ طابعًا ثوريًا فى معظمه، اقتصاديًا فى بعض من أطرافه، تغييرًا فى أنظمته والطرف الأكثر معاناة هو الغالبية من الشعب الذى يدفع ضريبة فرضت على بلاده، أملًا فى غد أكثر إشراقًا، وسلمًا ليس عن ضعف بل عن مساواة، ولا نقول هزائم حتى لا تتكرر المعارك استردادًا لكرامة أو مكانة، بل هى تكاتف لا تكالب، تعاون لا تهاون.
لقد أوقف الحرب العالمية الأولى رجل واحد لم يكن مهزومًا، ولم يكن الأكثر خسارة فى الرجال أو فى العتاد أو فى المال، ولم يكن حوله من يؤيده حين فاجأ الجميع، لكن التاريخ لن ينسى هذا الرجل الذى أوقف الحروب بدون قوة، وأعان أطراف الخصومة للخروج من المأزق من الجانب القوى، رافعًا مكانة الطرف الآخر لدرجة المساواة، فسُجِّل اسمه بحروف لن ينساها التاريخ، فهل يخرج علينا من يقود المنطقة لوقف نزيف الدماء والدعوة للسلام ونهضة الشعوب والاهتمام بتعليمها وصحتها وطعامها ومائها؟ لا عن طرف أقوى بماله وآخر برجاله وغيرهما بأساليب ليست من شيم الأبطال أو نخوة الرجال، ولتبق مصر دائمًا الأم الحنون للصغار، والشقيقة المعنية بالكبار، الملاذ للجميع فى السلم كما فى الأخطار، والتى تعطى عبر التاريخ دون شُحٍّ أو انتظار لمقابل، ودعاؤنا طلبًا للسلام من رب السلام.

ads
ads
ads