القاهرة : الإثنين 20 نوفمبر 2017
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
ads
مرايا الابداع
الأحد 12/نوفمبر/2017 - 06:09 م

قراءة في رواية محمد جبريل الجديدة «ما بقى من العمر»

قراءة في رواية محمد
محمد محمد السنباطي
dostor.org/1623212

قريبًا جدًّا تصدر عن دار غراب للنشر رواية جديدة بعنوان (ما بقي من العمر- رواية تسجيلية) تحملُ أنفاس كاتبنا الكبير "محمد جبريل"، وقد صَنَّفها بأنها "رواية تسجيلية".
والحقيقةُ أننا بمجرد أن يَرِدَ على خواطرنا أو مسامعنا اسم محمد جبريل أو عنوان رواية من رواياته تسارع إلى مخيلتنا صور الأنفوشي والبحر والقوارب والبلنصات والموج الجميل والعمائر القديمة والقلعة الحارسة والمساجد العتيقة واليود تستقبله الرئتان، وقبل كل ذلك وبعده ما يطلق عليه كاتبنا الكبير "الواقعية الروحية" والتي يؤمن أنها تناسبنا أكثر من الواقعية السحرية التي التصقت بجارثيا ماركيز وغيره.
ليس هذا العمل رواية بقدر ما هو أنفاس الكاتب وتوجعاته خصوصًا أن العنوان يكاد يفصح عن مرارات النهايات ويلوح بمنديل السفر الذي نسأل الله أن يكون بعد عمر طويل.
فما بالكم والرواية تبدأ هكذا:
[أسلمت ساعدى لقبضة الطبيب الشاب، ومضى داخل المكان. غمرنى - وأنا ألوح لزوجتى بآلية - شعور الطفل حين يجد نفسه - للمرة الأولى - داخل المدرسة].
هي رواية سيرية؛ فالسارد هو الروائي ذاته واسمه في الرواية محمد جبريل. كل ما سيقال هو حقيقي إذن، حتى التوهمات فيه حدثت في واقع حقيقي، هو حياة الكاتب وأنفاسه وآلامه وحزنه وفرحه وتوجعاته ومعاناته.
اقرءوا بعض آخر ما جال بخاطر أستاذنا وهو يكاد يغيب عن الوعي ليتدخل الطبيب بالمشرط:
[لاحت خيالات ورؤى، أحسست أن شيئاً ما قد حدث، أو أنه على وشك أن يحدث (...) الظلمة تقذف سيارتى فى الحفرة الهائلة أوسط الطريق إلى حلوان، تهبط عن الأرض نصف متر،عسكرى السواحل يقف على الكورنيش الحجرى فى المينا الشرقية، يستند إلى كعب البندقية، ويغالب النوم.. أعلق البطاقة على مقبض الباب فى حجرة استضافتى بدير الدومينكان: أنا أقرأ، ثم أغلق الباب ورائى.. أعيد قراءة برقية أبى إلى جدتى فى دمنهور: خديجة توفيت.. أحدق فى الليفة الملقاة من نافذة شقتنا، أعرف أن الليفة غسّلت بها أمى..].
وعلى مدار الرواية نقابل أسماءً وتقابلنا وجوه:
(عبد الحميد السحار يبسط صفحة الجريدة أمامى، يعلو صوته بالاعتزاز: حوار فى مساحة صفحة، أغالب الارتباك، أنا الذى أجريت الحوار مع الرجل).
(.. يتأكد توفيق الحكيم - فى جلسته الأسبوعية بفندق سميراميس - من اتجاه النظرات ناحيته، يقول بلهجة تقريرية: أنا الرائد فى كل أجناس الإبداع المصرى).
[قال صوت الدكتور شريف بنبرة واثقة:
 [لا شأن لأغنيات أم كلثوم بجراحات العيون.. صوتها عليه إجماع!]
[المياه البيضاء [ التسمية غير صحيحة فى تعريف الدكتور حازم ياسين]
[أذكر الحوار الذى دار فى " رسالة الغفران" بين المعرى وإبليس]
[أتذكر مقولة محمود درويش عن الحب القاسى، لكننى أطمئن إلى المعنى الجميل فى وصاية زينب، فلا أعلق]
[ثم وضعنى الشاعر حبيب الصايغ فى الحلم.]
[إذا كان باسكال يرى أن محرك الإنسان وسر طاقته الحقيقية هو الملل، فإن الإنسان - فى تقدير الأسبانى ألديكوا - هو العمل].
[عندما أنهيت حمامى اليومى، واتجهت ناحية المنشفة، جذبنى شيء لم أتبينه، فسقطت على وجهى، قدمت زينب على ترامى صوت السقطة، صرخت للدماء التى انبجست من أعلى حاجبى الأيمن. لجأت زينب – كما اعتادت فى حوادث مماثلة – إلى وضع حفنة بن على موضع الجرح، لكن النزف لم يتوقف.]
[زميلى فى "الأهرام" الصديق سمير شحاتة– كان لزملاء الأهرام معى فى محنة المرض مواقف نبيلة]
"أقول لحسين مرسى-الموظف بجريدة الوطن العمانية-عقب زيارة زينب العسال، الأولى، لمكتبى: هذه البنت سيكون لها دور فى حياتى.

[أضع الكتب المجلدة على البوفيه، أمام أبى. يقلّب كتابًاً بيده، يتأمل الكتابة على "الكعب: محمد لطفى حسن.
يرفع عينًا متسائلة:
- أين جبريل؟
- حذفته.
- لماذا؟
- اسم ثقيل، أكرهه!]

نترك الأسماء قليلا لندلف في هذه الفقرة المفجعة:
[حين وافق طبيب المخ والأعصاب الشهير أن يجرى لى عملية فى العمود الفقرى، كان قد سبقه تسعة أطباء إلى الاعتذار عن عدم إجراء العملية. تلخصت اعتذاراتهم فى ثلاثة نتائج محتملة: التلوث، أو الشلل الرباعى، أو الموت.]
وتلك الفقرة المرعبة:
"فى صباى، جربت فكرة الانتحار، مارستها بالفعل، جرعت عددًا من أقراص الأسبرين. أذهلتنى صفعة لأبى على وجهى فى فورة غضب"
وهذه القاعدة التي نأمل ألا تستمر:
"ليس من حق الفقراء أن يمرضوا، من الأجدر بهم أن يموتوا."
وهذه النتيجة الكارثية:
"تبين الأطباء أن الطبيب الشهير الذى أجرى عملية إزالة الغضروف فى العمود الفقرى، قد أهمل تثبيت العظام، وهى عملية مهمة تلى الجراحة. نفذت أوامر الأطباء بأن أرتدى حزامًا"
وهذا الاضطرار المؤلم:
[حتى ضرسى الذى علت آلامه، استغنيت عنه، فلا وقت للحشو].
[وقع المهندس إبراهيم محلب رئيس الوزراء على قرار السفر للعلاج فى كلينك بمدينة ميونيخ الألمانية (...) لكن قرار رئيس الوزراء لقى حظاً سيئاً بين الإدارات المختصة].
[وفى بادرةٍ، وعد الصديق حلمى النمنم وزير الثقافة أن يتصل بالمستشار الطبى– وليس برئيس الوزراء – لحل المشكلة. كانت تلك أولى مكالمات النمنم وآخرها. توالت بعدها الأشهر، بذلت خلالها وساطات تفوق ما فعله أمناء الأمم المتحدة منذ تريجفى لى حتى بان كى مون، لكن الوضع – كما يقول التعبير القانونى – ظل على ما هو عليه، حتى وعد زميل صحفى له مكانته بإنهاء المشكلة بواسطة رئاسة الجمهورية، لكن الوعد دخل المغارة، فلا حس ولا خبر].

وبمقدرة فائقة على ترويض الآلام، واستئناس الوجع، يتهادى نهر السرد وديعا كأنما لا ألم ولا وجع. ومع ذلك يفجأنا التحسر الذي يشبه الوعيد:
"- إذا قتلتنى اللامبالاة فلن أغفر لهؤلاء الذين التزموا الصمت!".
ومع ترويض الآلام، واستئناس الوجع، تنبت أعشاب الخوف الشيطانية فتجلب السهد وتؤرق الروح:
"ربما أخشى الاكتئاب والفوبيا والسيكوباتزم".
"الزهايمر هو أخطر ما يخشاه المسنّ فى نهاية النفق، يتحول المرء إلى كيان بلا معنى، يواجه سحن الأعزاء بعدم الفهم، يصمت بالشرود فى تلاحق الأسئلة، لا يعى، لا يتكلم، لا يعرف الفوارق بين الأشياء، حتى حاسة التذوق تختفى، يرتد إلى الطفولة بما يثير الإشفاق، وربما التململ."
أمد الله في عمرك كاتبنا الكبير وشفاك وعافاك وأبقاك لمحبيك ومريديك.

ads