القاهرة : الخميس 19 أكتوبر 2017
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
ads
ولاد الكار
الخميس 12/أكتوبر/2017 - 06:10 م

غالي محمد يكتب: لعنة التفوق

غالي محمد
غالي محمد
dostor.org/1585917

تعودنا عبر السنوات الطويلة أن يكون التفوق نعمة وفرحة، أما أن يتحول التفوق خلال السنوات الأخيرة إلى لعنة أو نقمة، فهذا هو العجب العجاب.
لأنه فى كل دول العالم للتفوق تقدير ما بعده تقدير واهتمام يصل إلى حد رعاية الإنسان المتفوق رعاية خاصة. لكن ما نشهده هذه الأيام من جانب حكوماتنا يدعو إلى السخرية والغضب الذى يصل إلى حد اكتئاب المتفوق والمتفوقين.
وقبل الاستطراد حول لعنة التفوق، فإنى أقصد هنا الحديث عن المتفوقين علميًا، وتحديدًا الذين يحصلون على تقديرات امتياز فى الكليات المصرية.
ففى السنوات الأخيرة، ولأسباب عديدة أصبحنا نشهد أعدادًا كبيرة نسبيًا تحصل على تقدير امتياز عند التخرج وليس كما كان يحدث من قبل أن يحصل قلة منا على تقدير امتياز، بل أصبحنا نشهد فى بعض أقسام الكليات أكثر من ٢٠ متفوقًا يحصلون على تقدير امتياز.
ومن ثم أصبح لزامًا أن نشهد لهؤلاء بالتفوق أيًا كانت أسبابه، وكما يحدث فى معظم الكليات النظرية، يتم تعيين اثنين أو أربعة على الأكثر معيدين، وليس بالضرورة أن يحدث هذا كل عام، لكن سنتجاوز ذلك استثناءً ونقول إنه يتم تعيين عدد محدود معيدين كل سنة لتتبقى لدينا أعداد ليست بالقليلة حاصلون على تقدير امتياز، لا يتم تعيينهم معيدين، ومن ثم لابد أن يبحث هؤلاء عن عمل لدى أى جهة أو شركة أو مركز بحثى تناسب تفوقه، وهنا قمة المعاناة فى الحصول على فرصة عمل تناسب حالة التفوق وتقدير الامتياز. وتتدخل الواسطة بقوة لمن يستطيع أن يجد واسطة.
وكان أن قررت الحكومة عقب ثورة ٢٥ يناير إصدار قرار بتعيين العشرين الأوائل من كل كلية فى الأجهزة الحكومية المختلفة، وفى أماكن راقية ببعض الوزارات والجهات الحكومية، وصلت إلى التعيين فى مكاتب بعض الوزراء ورؤساء الجامعات.
واستمر تعيين هؤلاء الأوائل حتى عام ٢٠١٣، وربما ٢٠١٤ وتوقف الأمر بعد ذلك، رغم أن عدد هؤلاء الذين كان يتم تعيينهم سنويًا من الأوائل المتفوقين لا يمكن أن يصل إلى ألف متفوق سنويًا، وذلك لمن لم ينجح فى العثور على فرصة عمل بنفسه بعيدًا عن التعيين الحكومى.
ومنذ أن توقفت الحكومة، ممثلة فى الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة، فى وقف تعيين هؤلاء الأوائل المتفوقين، ومعظم هؤلاء فى أزمة شديدة، خاصة المتفوقين الذين يعجزون عن العثور على أى واسطة، حيث لاتزال الواسطة لها مفعولها الشديد حتى الآن، رغم التصريحات الحكومية التى تؤكد اختفاءها ولكن هذا لم يحدث فى أماكن كثيرة خاصة عالم الشركات والهيئات الاقتصادية، ووصل الحال بالكثير من المتفوقين الأوائل الذين توقفت الحكومة عن تعيينهم، إلى الدخول فى أزمات نفسية شديدة، خاصة أن المتاح من فرص عمل- إذا وجدوها- تحتقر التفوق وتقدير الامتياز الذى حصلوا عليه مثل العمل فى الرد على المكالمات ببعض شركات الموبايل لفترة ثم الاستغناء عنهم أو التدرب فى بعض الأماكن لفترات محدودة ثم يتم الاستغناء عنهم أيضًا.
أتكلم هنا عمن لم يجد واسطة للتعيين أو العمل فى مكان يتناسب مع تفوقه وحصوله على تقدير امتياز.
وهنا أنقل ما دار بينى وبين خريجة متفوقة من العشرة الأوائل فى أحد أقسام الإعلام التى لم تعين معيدة، ولم تجد واسطة ولم تجد تعيينًا من الدولة رغم أن اسمها وصل ضمن العشرين الأوائل للجهاز المركزى للتنظيم والإدارة عن عام ٢٠١٥، قالت: وماذا عاد علىّ من التفوق أنا وزملائى المتفوقين مثلى، تخلت عنا الحكومة، لم نجد عملًا يليق بنا كمتفوقين، هل هذا جزاء التفوق فى مصر، لا عمل، لا اهتمام، لا تمييز، والأمر المؤكد أن الحاصلين على تقديرات أقل حتى المقبول يجدون فرص عمل أفضل بسبب الواسطة فى معظم الأحوال. واستطردت تقول: نحن من الشباب الذين يتحدثون عنهم، نحن لا نطالب بوضع استثنائى ولكننا نطالب الحكومة بالالتزام بقرارها وتعيين العشرين الأوائل، نحن نطالب بأن يكون للأوائل فرصة للعمل فى جميع الأماكن، البنوك والشركات والهيئات فى كل جهة فى مصر، طالما أوقفت الحكومة تعيين العشرين الأوائل.
واستطردت: أصبحنا فى وضع نفسى سيئ أنا وزملائى المتفوقون الذين لم يجدوا فرصة عمل، ألسنا من شباب مصر الذين يتحدثون فى المؤتمرات المختلفة؟.
وقالت: نحن لسنا عاجزين بل لدينا مهارات تفوق تقدير الامتياز الذى حصلنا عليه، مهارات تكنولوجية وعلمية وهذا فى حد ذاته أصابنا بلعنة التفوق، إذ من الصعب أن نقبل بأى عمل لا يقدر تفوقنا.
تلك شهادة تعمدت أن يثبتها هذا المقال حتى لا يسجل التاريخ أننا أمة لا تقدر التفوق، أمة تكره الاجتهاد والتميز العلمى.
لذا أطالب الحكومة بالبحث عن مخرج للاستفادة من هؤلاء المتفوقين حتى لا تقضى عليهم لعنة التفوق أو نقمة التفوق، فتقدير المتفوقين ليس بدعة وإنما بتوفير العمل المناسب لهم دون واسطة ودون مشقة حتى لا يصبح كأى طالب دخل الجامعة وأوشك على التخرج، وما الفرق بين المتفوق وغير المتفوق؟، ويصبح السؤال الأخطر: ولماذا نتفوق إذا كان لا يوجد تقدير للمتفوق؟.

ads