القاهرة : الخميس 19 أكتوبر 2017
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
ads
الخميس 12/أكتوبر/2017 - 06:09 م
محمود-عابدين
محمود-عابدين

الأم «مدرسة» فلنحسن إعدادها

dostor.org/1585916

رأيتها وسمعتها.. أصيلة وطنية تعشق تراب أرضها وتذوب حبًا فى مواطنى شعبها.. هى باختصار شديد، امرأة تتجاوز السبعين عامًا.. لم تنلْ تجاعيد الزمان المطبوعة على وجهها من حيويتها وفصاحتها رغم أميتها.. ترتدى جلبابًا وقورًا.. شاهدتها وسمعتها تلقن أحفادها من الشباب والصبية، المتفقين منهم والمختلفين على حب مصر، دروسًا فى الوطنية ونبذ الخلاف حفاظًا على وحدة صف المصريين بطريقة فاقت توقعاتى.
بهرتنى كلماتها وثقافتها وحسها الوطنى وصدقها فى الحديث.. صدقونى إذا قلت إن وعيها السياسى تعدى بمراحل سياسيى ومثقفى وإعلاميى ونشطاء السبوبة «المقرفين» الذين ملأوا الفضائيات والصحف والمواقع الإلكترونية بتفاهاتهم وحقدهم وعمالتهم.. من ضمن ما قالته هذه السيدة العظيمة ناصحة أمينة لركاب إحدى عربات مترو الأنفاق أن الله، عز وجل، وعد فى كتابه الحكيم بحفظ مصر، حينما قال: «فلما دخلوا على يوسف أوى إليه أبويه، وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين» «يوسف الآية ٩٩».. وأن الحبيب المصطفى، صلى الله عليه وسلم، أوصى صحابته بمصر وشعبها، حينما قال: «إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا بها جندًا كثيفًا فذلك الجند خير أجناد الأرض، فقال أبوبكر الصديق، رضى الله عنه وأرضاه: «لم يا رسول الله؟ فقال الحبيب محمد: لأنهم وأزواجهم فى رباط إلى يوم القيامة».. ولم تكتفِ الحاجة «مريم» وهذا هو اسمها، بذلك.. بل أشادت فى حديثها بما قاله البابا شنودة «مصر وطن يعيش فينا وليس وطنًا نعيش فيه».
أخذنى الفضول وسألتها: كيف تنظرين إلى ثورة ٣٠ يونيو والنتائج التى وصلنا إليها الآن؟.. نظرت إلىّ باستغراب.. وحينها تمعنت فى وجهها فقرأت فيه حضورًا ذهنيًا لم أعهده لكبار المفكرين.. وفجأة اندفعت فى الإجابة كـ«الصاروخ» فقالت: شوف يا ابنى.. الشعب ثار على عصابة تاجرت بالدين والدنيا معًا.. الشعب رفض الكهنوت وصفع كهنة المعبد بالنعال وأزاحهم عن السلطة بعد عام أسود كشفوا فيه عن سوءاتهم.. هذه المفردات وقعت على قلبى قبل عقلى كالبلسم الشافى.. ثم سألتنى الحاجة مريم عن عملى؟.. فلم أجد مفرًا أمام الركاب من أن أقول لها إننى صحفى يعشق تراب مصر مثلك تمامًا.. هنا ابتسمت، وقالت لى: «أوصيك وغيرك بصدق الكلمة وأمانتها فى ظروف تعانى فيها مصر من العملاء والأفاقين والمرتزقة والخونة الذين يملأون فضائيات من يدفع».. قلت لها: «حاضر يا حاجة.. نصيحتك غالية وسأعمل بها بإذن الله تعالى».
وقبل أن تقترب المحطة التى أقصدها.. استأذنت الحاجة مريم فى الانصراف ودعوت الله لها بالصحة وطول العمر.. وردد جميع الركاب، الذين شاهدوها وسمعوها خلفى هذا الدعاء.. ثم قبلت رأسها وانصرفت.. وبمنتهى الصراحة.. طوال حديث هذه السيدة فى المترو.. كنت أنظر إليها وكأنها إحدى ملكات الأسر الفرعونية «كليوباترا» و«حتشبسوت» و«نفرتارى» و«نفرتيتى»..ملامحها تؤكد لى ذلك.. ثم تذكرت أيضًا كيف استطاعت ملكات أجدادنا الفراعنة أن يلدن بطلًا، مثل أحمس الأول ليقضى على الهكسوس، ويطهر منهم مصر «طيبة» إلى الأبد.. ثم ربطت بين هذا التاريخ وما مررنا به طوال الفترات الماضية.. وهنا أدركت كلمات شاعرنا العظيم حافظ إبراهيم، حينما قال: «الأم مدرسة إذا أعددتها.. أعددت شعبًا طيب الأعراق».. حفظ الله مصر ونساءها الفضليات الوطنيات المخلصات.

ads
ads
ads