القاهرة : الإثنين 11 ديسمبر 2017
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
ads
النفسية إيه؟
الخميس 12/أكتوبر/2017 - 03:39 م

دكتور محمد سعيد محفوظ يكتب: التأهيل النفسي للمفرج عنهم.. ضرورة وليس رفاهية!

دكتور محمد سعيد محفوظ
دكتور محمد سعيد محفوظ
dostor.org/1585744

أحترم القانون، وأتفهم الإجراءات الأمنية، وأستوعب أسباب القلق والاشتباه، وأرحب بالمزيد من التحريات والتحقيقات إذا كانت بهدف الوصول للحقيقة، لكن حين يؤدي طول فترات الحبس الاحتياطي إلى إيداع الشباب المشتبه بهم وسط القتلة واللصوص، ثم إطلاق سراحهم بعد ثبوت براءتهم دون كلمة اعتذار أو تعويض من الإعلام الذي شهّر بهم وأساء لهم، ودون إعادة إدماجهم فى المجتمع الذي تعجّل فى الحكم عليهم، أو تأهيلهم نفسيًا لاكتشاف وعلاج التشوه الذي أحدثته هذه التجربة المؤلمة فى سلوكهم وعقولهم.. هنا يستحق الأمر وقفة، وسؤالًا جادًا: هل نحن نحارب الإرهاب فعلًا؟ أم ننشر عدواه فى المجتمع؟.
أفكر فى ذلك دائمًا، كلما لاحظتُ ما يكتبه الشباب المفرج عنهم على مواقع التواصل الاجتماعي وأعجز عن التعليق!، كثير منهم صار يعبر دون مواربة عن كراهيته للوطن، ويدعو أقرانه للهجرة، ويقرّ بالتحول فى أفكاره من معادٍ للتنظيمات الإرهابية، إلى متعاطف معها، بل صار يتشفى فى الأجهزة الأمنية حين يسقط منها شهيد أو جريح فى مواجهة مع الإرهاب! دخلت مع بعضهم فى كثير من الجدل لإثنائهم عن هذه الأفكار الهدّامة، ولتذكيرهم بالثوابت الوطنية، وإقناعهم بالضرورات الأمنية التي أدت للاشتباه فيهم واقتضت التحقيق معهم، فلم أجد فى ردودهم إلا العنف والسخرية والمرارة!
للأسف ما زلنا ننظر للبعد النفسي فى ملف الإرهاب كما لو كان رفاهية أو إهدارًا للوقت أو تدليلًا لمن نعتقد أنهم مجرمون! ونكتفي بتشديد القبضة الأمنية وتوسيع دوائر الاشتباه، بهدف الحد من العنف، فإذا بنا ننتج مزيدًا من العنف، بنشر عدوى الحقد والكراهية فى المجتمع، من خلال ترك المفرج عنهم بلا تأهيل نفسي، لعلاج آثار الاحتكاك بالمجرمين الحقيقيين، والمعاملة الخشنة فى السجون، والإساءة المفرطة فى الإعلام!.
هذه كارثة! وعلى الدولة أن تنتبه لها باعتبارها مصدرا متجددا للأفكار الإرهابية، التي تجد مرتعًا خصبًا فى عقول المفرج عنهم، فى غياب كامل لدور المؤسسات التعليمية، والإعلام، والمجتمع المدني، فى تفنيد هذه الأفكار، وإقناع الشباب صغير السن بضعف حجتها وخطورتها!. 
كلما دار مثل هذا النقاش بيني وبين مسئول سياسي أو أمني، أجد لديه اقتناعًا تامًا بضرورة التحرك العاجل لاتخاذ خطوة تنقذ الشباب المفرج عنهم من التحول إلى إرهابيين حقيقيين.. لكن حين نأتي للحلول العملية، نتحول من القناعة والإيمان اليقيني بالمبدأ، إلى الوعود والتمنيات والتأجيلات.
الخطوة المطلوبة ببساطة تتلخص فى سرعة تشكيل هيئة مستقلة تضم أساتذة متخصصين فى علم النفس والاجتماع والتربية والدين والتنمية البشرية والسياسة والإعلام والقانون، وغيرها من المجالات ذات الصلة بإعادة بناء الشخصية، والبدء بتنظيم زيارات داخل السجون للتحاور مع الشباب الخاضعين للحبس الاحتياطي، لضمان عدم تشويه أفكارهم، واستغلال محنتهم، وتحويلها إلى طاقة شر وهدم وقتل وإرهاب.. ثم متابعة هذه الحالات بعد إطلاق سراحها سواء بانتهاء التحقيقات أو العفو الرئاسي، والعمل على إعادة تأهيلها نفسيًا، وإدماجها مرة أخرى فى المجتمع، بضمان عودتها للعمل أو الدراسة، وتصحيح الصورة الذهنية التي اهتزت بالضرورة بعد إلقاء القبض عليهم..
إذا سارعنا بالاستجابة لهذه المبادرة، فسنغلق الباب أمام تسلل فيروس الغضب والحقد والكراهية إلى المجتمع، مع تعاطف أصدقاء المفرج عنهم وأفراد أسرهم وجيرانهم وزملائهم مع الحالة السلبية التي سيبدو عليها شاب بريء فقد شهورًا أو سنوات من عمره خلف الأسوار، وفى النهاية تركناه على باب السجن يواجه مصيرًا مظلمًا فى مجتمع لم نربه على الموضوعية والعدل!.
هذه الصرخة موجهة للرئيس السيسي وكل الأجهزة المعنية: قرارات العفو الرئاسي والإفراج لانتهاء الحبس الاحتياطي يجب أن تتبعها إعادة تأهيل للمفرج عنهم نفسيًا واجتماعيًا، وإلا فسنكون أحد مصادر الإرهاب، ونحن فى حرب معه!.

ads