القاهرة : الإثنين 11 ديسمبر 2017
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
ads
القبلة
الأربعاء 11/أكتوبر/2017 - 08:39 م

جوزيف سكاتولين: هناك متصوفة مسيحيون ويهود وملحدون

جوزيف سكاتولين
جوزيف سكاتولين
عمرو رشدى
dostor.org/1584719

الدكتور جوزيف سكاتولين، أستاذ التصوف الإسلامى بالمعهد البابوى للدراسات العربية والإسلامية فى العاصمة الإيطالية روما، واحد من أهم الباحثين المتخصصين فى الشئون الصوفية حول العالم، وهو من المستشرقين الذين انتموا لمصر والعالم العربى فكريا، وانجذب لدراسة الإسلام كدين، والصوفية كمنهج.

سكاتولين عمل راهبا وباحثا فى الكنيسة الكاثوليكية وتخصص فى دراسة «اللاهوت» فى إيطاليا، لكنه حصل على الدكتوراه فى التصوف الإسلامى، فى فكر وشعر شيخ الصوفية وسلطان العاشقين عمر بن الفارض، من الولايات المتحدة الأمريكية.

تحدث سكاتولين إلى «الدستور» وفتح العديد من القضايا المهمة على الساحة الأوروبية والعالمية وتحديدًا الأمور المتعلقة بالإسلام والتصوف حول العالم ليكشف الواقع الخفى للصوفية فى أوروبا، والفرق بينها وبين الجماعات المتطرفة، لاسيما أن الكثيرين فى مصر والعالم العربى لا يعرفون شيئا عن الجماعات الصوفية الروحية فى إيطاليا خاصة، وأوروبا عامة:

■ ما الذى جذبك إلى الدين الإسلامى والمنهج الصوفى حتى أصبحت أستاذًا فيه مع أنك راهب وباحث فى الشئون الكاثوليكية؟

- الأمر الذى جذبنى إلى الإسلام هو الروحانيات فى هذا الدين، وعلى ذلك أردت التعرض للإسلام، ووجدت مبادئ مشتركة بين الإسلام والمسيحية، وفى الواقع فإن التصوف الإسلامى ملىء بالقيم الروحية، التى تجعل الجميع مهتما به، كما أن جميع القيم والعادات الروحية لها طابع خاص عند المسلمين والمسيحيين واليهود أيضا، فهناك أرضية مشتركة فى القيم الروحية بين المسلمين والمسيحيين خاصة.

■ هل وجدت فى التصوف الإسلامى تطرفا أو عنفا مثل الجماعات الدينية الأخرى؟
- التصوف الإسلامى له اتجاه معين، والسلفية والإخوان اتجاه آخر، حيث إن التصوف ينمى البعد الروحى فى الإنسان، فقد قرأت «الحياة الروحية» للشيخ التفتازانى، ووجدت أن التصوف هو عنوان الوسطية الإسلامية وعلى ذلك لا يوجد فى التصوف أى مظهر من مظاهر العنف أو التطرف الموجود فى التيارات الأخرى كالسلفية والإخوان، كما أن الصوفى إذا ترك منهجه يفقد الوقار الروحى.

■ ما الأمر الذى شدك إلى فكر وتصوف ابن الفارض.. رغم الشهرة الأكبر لـ«محيى الدين بن عربى» والحلاج وجلال الدين الرومى؟

- عمر بن الفارض سلطان العاشقين، وجزء كبير من ديوانه مرتكز على الحب الإلهى، الذى يجعل الإنسان محبًا للجميع، ولا يكره أحدا، ولذلك ارتبطت به فكريا، خاصة أن الإنسان دون حب لا يستطيع أن يكون إنسانًا، ولذلك فالمسلم دون أن يكون صوفيا لا يستطيع أن يكون مسلمًا، لأن التصوف هو التعبير الحقيقى عن الإسلام، أما بالنسبة لابن عربى فمدرسته مدرسة عظيمة، ولكن ابن الفارض مدرسته مستقلة، حيث إنه شاعر وليس فيلسوفا، وتفوق على شعراء عصره من الصوفية.

■ كيف استقبل الإيطاليون والأوروبيون عامة مؤلفاتك عن الإسلام والتصوف الإسلامى؟
- المجتمع الإيطالى متعطش للمنهج الصوفى، لأنه ينظر إليه على أنه أفضل المناهج الدينية الموجودة حاليا، كما أننى لم أجد أى معارضة من قبل القساوسة فى الكنيسة الكاثوليكية، أما بالنسبة للأوروبيين فقد وجدت أن هناك احتياجا فى الغرب الأوروبى للقيم الصوفية الروحية، ولذلك فى الغرب تجد الكثير من أصحاب الديانات كالإسلام والمسيحية واليهودية يريدون ممارسة البعد الصوفى الروحى، حيث إنهم وجدوا فى التصوف الراحة النفسية والبعد عن التشدد الذى تعتنقه الطوائف الأخرى.

■ ما المؤلفات التى كتبتها عن التصوف الإسلامى.. وكم كتابا كتبته عن الإسلام؟
- كتبت الكثير من الكتب والمؤلفات عن الإسلام والتصوف، وترجمت «التجليات الروحية فى الإسلام» الى اللغة الإيطالية، ومن أشهر مؤلفاتى عن التصوف كتاب «التصوف فى الإسلام»، الذى انتشر بين الأوروبيين، خاصة فى إيطاليا، وكتبت «تحقيق ديوان ابن الفارض» و«تأملات فى التصوف»، ونشرت أخيرا «شرح التلمسانى للتحية الكبرى لابن الفارض»، وهناك جمهور كبير يشترى هذه الكتب، حيث تمت طباعة ٢٥ ألفا من كتاب «التجليات الروحية»، وتم بيعه بصورة كبيرة فى دول أوروبا، وإيطاليا تحديدا.

■ هل التصوف موجود فى أوروبا منذ البداية.. وما الطرق الصوفية هناك؟
- يجب أن نميز «التصوف الإسلامى»، حيث إن اسمه البعد الروحى فى الإسلام، لكن فى اللغات الأوروبية نقول عنه «الحياة الروحية»، التى هى قلب كل دين من الأديان، مثلما قال الشيخ التفتازانى، وأيضا يوجد فى أوروبا الكثير من الطرق الصوفية مثل «الطريقة المولوية والنقشبندية والرفاعية والقادرية» والمتصوفة فى أوروبا ليسوا مسلمين فقط، بل هناك متصوفة مسيحيون ويهود وبوذيون، ويوجد ملحدون متصوفون أيضا، والملحد فى حد ذاته يسير فى الاتجاه الخاطئ، ولكن إذا مارس الرحمة والمحبة والسلام والحق والعدل، فسيكون ملحدًا باللفظ فقط.

■ ما الفرق بين الصوفية والجماعات الإسلامية الأخرى كالإخوان والسلفية فى العالم الإسلامى؟
- يجب علينا أن نفرق جيدًا بين الإسلام السياسى وبين الإسلام الروحى، حيث إن الجماعات الإسلامية كالإخوان والسلفية يهمها المظاهر فقط ولا يهمها الجوهر، مما يجعلها كاذبة فى عقيدتها الإسلامية، وكذلك المسيحيون منهم من يهتمون بالشكل الظاهرى فقط دون الاهتمام بالجوهر وتصفية النفس وتزكيتها.. والصوفية هى قلب وروح الإسلام، وهى الوسطية الحقيقية الموجودة فى الإسلام، أما التيارات الأخرى كالإخوان وغيرهم يبحثون عن السلطة وكسب المال ولا يبحثون عن مرضاة الله، فهم يستخدمون الدين كوسيلة للوصول إلى المناصب والكراسى فقط، ولا يتمسكون بالدين من أجل الآخرة.

■ كيف تنظر إلى دور الحركة الصوفية العالمية فى حماية المجتمعات من التطرف؟
- الصوفية هى الحل الوحيد لحماية المجتمعات الإسلامية وغير الإسلامية من التطرف الذى نراه فى الكثير من المجتمعات، فهناك متشددون فى الديانات الأخرى، كالمسيحية واليهودية. وأصحاب المنهج الصوفى هم الوحيدون المؤهلون لمواجهة ذلك، ويجب على العالم أن يدعم المتصوفة، سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين للحماية من خطر التشدد والعنف الذى ظهر بصورة كبيرة خلال الحقبة الأخيرة.

■ ما رأيك فى الاتهامات التى توجه إلى الإسلام بأنه دين إرهاب؟
- الإسلام دين سلام ومحبة، ولكن للأسف هناك جماعات متطرفة، قرنت نفسها بالإسلام، وهى بعيدة كل البعد عن رسالة المحبة التى جاء بها الإسلام إلى أصحاب الديانات الأخرى، وعلى ذلك أقولها وأكررها: الرسالة الحقيقية للإسلام موجودة فى التصوف الإسلامى فقط، وأقصد بذلك التصوف الحقيقى، وليس التصوف الظاهر فقط.

■ من خلال دراساتك عن الصوفية.. هل ترى أن التيار الصوفى من الممكن أن يصبح بديلا لتيار الإسلام السياسى؟

- السياسة هدفها دائما خدمة المجتمع والشعوب وليس إلحاق الضرر بالمجتمع، وإذا مارس الصوفيون المبادئ المبنية على العدل والسلام والمحبة والرحمة، فسيكون لهم دور عظيم فى العالم، واذا وصلوا للحكم وقتها سيرفعهم الناس على الرءوس ويدعمونهم أيضا، خاصة أن الصوفية تمارس السياسة الوسطية التى لا يوجد فيها تشدد أو عنف، ولكن بحكم خبرتى ودراساتى الكثيرة عن الصوفية فى العالم الإسلامى، فإنهم لا يبحثون عن السلطة كغيرهم، بل عن القرب من الله والوصول إلى معيته وإرضائه.

■ ما أوجه التشابه بين الصوفية الإسلامية ونظيرتها المسيحية؟
- رغم الاختلاف فى البحث عن الله ووجوده، إلا أن جميع التيارات الدينية تتفق فى العقيدة الروحية التى تقربها من الله، وإذا نظرنا إلى التصوف فى المسيحية، فسنجده يظهر فى صورة الرهبنة، فهذه الصورة أقرب الصور إلى المتصوفة المسلمين، فالراهب يعيش حياته زاهدًا فى الدنيا، كذلك الصوفى الحق يترك الدنيا ويبحث عن الله.

■ هل هناك أوروبيون دخلوا الإسلام من خلال التصوف أو المنهج الروحانى؟
- هناك الكثير من الأوروبيين دخلوا الإسلام من خلال التصوف، وذلك لأنهم وجدوا المنهج الصوفى الروحانى منهجا وسطيا يميل للمحبة والتكامل والأخوة، مما جعلهم يحبون الإسلام، وينظرون إليه بنظرة العشق الإلهى الذى تحدث عنه سلطان العاشقين سيدى عمر بن الفارض، والتصوف دائما يعلم الناس التمييز بين الباطن والظاهر، والأفضل فى المتصوف أن يكون لديه حكمة وعقيدة حقيقية، ويجب على المجتمعات أن تعطى الحرية لأفرادها لكى يختاروا الدين الذى يرونه حقًا من وجهة نظرهم.

■ كيف رأيت الصوفية فى مصر.. وما الاختلاف بينهم وباقى المتصوفة فى العالم؟
- بعض الصوفية فى مصر، الذين التقيت بهم، يحبون الأولياء والصالحين، وأيضا هم يعشقون آل البيت، كما أننى أريد تسليط الضوء على بعض النقاط، وهى أن هناك الكثيرين فى مصر يقولون إنهم صوفية، وفى الواقع هم غير صوفية بالمرة، فهم يتظاهرون بالتصوف فقط، من أجل الحصول على بعض المكاسب ليس أكثر من ذلك، أما الصوفيون بشكلهم الحقيقى فلا نجدهم كثيرًا هذه الفترة، فالتصوف زهد وعبادة حقيقية وبعد عن المعاصى والذنوب، وهذا غير موجود بصورة كبيرة فى الوقت الحالى، أما بالنسبة للصوفية فى العالم، فهم لا يختلفون كثيرًا عن الصوفية فى مصر، لأن الصوفية جميعا منهجها واحد، وهو حب الأولياء والصالحين ومشايخهم وأساتذتهم الذين علموهم التصوف والأدب.

■ ما سر اهتمام إيطاليا والمعهد البابوى بالتصوف بإنشائهم مراكز بحثية تتناول أقطاب الصوفية؟
- لأن التصوف هو الجوهر الحقيقى للإسلام، وأى دين دون البعد الروحى ليس دينًا، وهناك الكثيرون دخلوا الإسلام والمسيحية والبوذية من خلال التصوف، لأن العقيدة الروحية الموجودة فى هذه الديانات لها دور كبير فى إقناع الجميع بحقيقة هذه الديانات المختلفة.

■ ما الفرق بين الشرق والغرب فى النظر إلى الدين والعقيدة سواء كانت إسلامية أم مسيحية؟
- الغرب حدث له تطور تاريخى معين مختلف تماما عن الشرق، ويجب على الحضارتين أن تتعلم كل منهما من الأخرى، خاصة أن الملحد نفسه إذا عاش حياة روحية هو أفضل من المؤمن بمراحل كثيرة، كما أننا فى الغرب نترك الفرد بحريته، فإذا رأى أنه يريد أن يكون مسلما أو مسيحيا أو يهوديا فله مطلق الحرية، بعكس الشرق تماما، حيث إنه هنا لا يصلح أن يتحول المسلم إلى مسيحى أو المسيحى إلى مسلم أو يهودى فهناك قيم وعادات مختلفة تماما عن أوروبا، ونحن ننظر إلى ذلك باعتباره مصادرة للحرية فى المجتمعات الشرقية، بمعنى أنه يجب أن تتوفر الحرية التى يستطيع من خلالها الفرد اختيار الديانة او الاعتقاد الذى يراه صحيحا من وجهة نظره.

■ هل شاركت فى أى موالد أو احتفالات صوفية فى مصر أو خارجها جعلتك متيما وعاشقا لهذا المنهج الصوفى؟

- نعم حضرت الكثير من الموالد والاحتفالات، خاصة حضرات الطريقة الحامدية الشاذلية، لأننى وجدتها طريقة معتدلة، فأصبحت من مريديها ومحبيها الكبار، كما أن المميز فى هذه الطريقة هو أنه يوجد فيها العديد من الحكم الروحية، التى تتعلق بمولانا أبوالحسن الشاذلى، الذى كان من كبار الصوفية فى عصره، وكل من يتعرض له ولكتاباته ومؤلفاته وحياته وزهده يكون سعيدًا جدًا بهذا الرجل العظيم، الذى كان يبحث عن الله، ولا يبحث عن الدنيا أو ملذاتها.

■ هل التقيت شخصيات إسلامية فى مصر أو خارجها تحدثت معك عن التصوف وسبب تعلقك به ودراستك له؟

- نعم فهناك الكثير من الشخصيات الإسلامية التى أرادت مقابلتى للحديث حول التصوف وكتاباتى ومؤلفاتى التى كتبتها عن التصوف، مثل رئيس جامعة الأزهر الأسبق أحمد عمر هاشم، ومن الشخصيات الإسلامية البارزة فى مصر التى لى علاقة بها حاليا شيخ الأزهر أحمد الطيب، الذى يعتبر من الشخصيات الصوفية البارزة، حيث إنه ترجم الكثير من المؤلفات والكتابات الصوفية، من الفرنسية إلى العربية، كما أننى تقابلت معه كثيرا عندما كان رئيسا لجامعة الأزهر، حيث إنه كان يدرّس «شرح عمر بن الفارض» وكنت أحقق له فى هذه الكتابات الخاصة بابن الفارض، ومنذ وقتها أصبحنا أصدقاء، وهو من المتصوفة الفعليين الذين عرفتهم فى مصر وتربطنى به علاقة جيدة جدًا.

ads