القاهرة : السبت 16 ديسمبر 2017
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
ads
مرايا الابداع
الإثنين 09/أكتوبر/2017 - 04:24 م

سحبت رمشها وتركت الباب مواربًا إلى الأبد (قصة قصيرة)

سحبت رمشها وتركت
شريف صالح
dostor.org/1581460

سافرتْ مع خالتي إلى شقة ابنتها في بندر كفر سعد. أظن أن اجتماعًا عائليًا عُقد وانتهى إلى أنني الوحيد المناسب لأداء هذه المهمة. كنت دون السادسة عشرة، وكانت الشقة ضيقة وبلا أي مزايا. ليس فيها تلفزيون، والمتعة الوحيدة الاستمتاع بالغروب من البلكونة. في الأسفل كان هناك مصرف مائي، على جانبيه كل أنواع المخلفات، ويبدو في طريقه إلى الزوال.

كنتُ أستمتع بالشمس وهي تتلاشى وراء أشجار الكافور، ثم أعود لقراءة "المقامر" لدوستويفسكي. لا أتذكر منها الآن سوى أن البطل قال لحبيبته إنه مستعد لإهانة "البارون" علنًا كي يثبت لها حبه.

كان هناك "مسجل"، نسيته ابنة خالتي قبل سفرها إلى الإمارات، وكان به شريط واحد، على الوجه الأول أغنية "حكم علينا الهوى" وعلى الآخر "ليلة حب". الأغنية الأولى حزينة مثل وداع.. والثانية مبهجة مثل لقاء. فكرت أن صوت أم كلثوم المجروح وهي تغني "حكم علينا الهوى.. نعشق سوا.. وندوب سوا"، كان يصل ـ بطريقة ما ـ إلى بطل دوستويفسكي وهو يقف متذللًا أمام حبيبته.

سمعت الأغنيتين عشرات المرات، حسب حالتي المزاجية..وانتبهت إلى الجار العجوز الذي كان يتمشى أسفل البلكونة، رافعًا ذيل جلبابه في يده. كان ثقيل السمع، ويبدو بملابسه ومشيته البطيئة مثل رجل قديم تجاوزته المدينة الصغيرة.

في عصر أحد الأيام سمعتهيخبر شخصًا لا أراه، أنهم يستعدون لزفاف ابنته. لم أكن رأيتهاحتى هذه اللحظة، فقط جاءت زوجته وجلست مع خالتي، ودار الكلام المعتاد عن الزواج والمهر وأفضل قاعة للزفاف في رأس البر.

امرأة ثرثارة وعجوز ثقيل السمع لديهما ابنة غير مرئية تستعد للزفاف!

لا أذكر ما الذي طلبته مني خالتي واستوجب أن أطرق باب الجيران، فالمعتاد أن الجارة هي التي كانت تأتي وتطلب أشياء كثيرة، لن تستطيع شراءها مع انشغالها بالتجهيز للزفاف.

طرقت ثلاثًا، فتوارب الباب وظهرت يد بيضاء.. خطفتني نعومتها بمجرد رؤيتها. كان لها هذا الوجه شبه المستديرمع شفتين مكتنزتين على شبح انفراجة.

كانت تداري وجهها بوشاح شفاف، لا يخفي بقدر ما يضاعف الإغواء. السحر الأكبر كان في عينيها بكحلهما الرباني. نظرة فيها مزيج من اللطف والإغواء والحنان.

كأنها كانت تعرفني وتنتظر طرقاتي الثلاث منذ وقت. كان لرموشها هذا الحضور اللافت للانتباه. كشفت لي عن عين وأبقت الأخرى وراء وشاحها.

حين استدارت لتلبية طلب خالتي.. الذي نسيته الآن. صعقتني أكثر، فقد أبقت الباب مواربًا وتهادت أمام عيني مثل فرس تجر عجيزة مرتفعة تامة الاستدارة، ينسدل عليها شعر أسود ناعم بالغ الطول. وفي رجلها اليسرى رن خلخال فضي.

في هذا الصيفكنت قرأت "ألف ليلة وليلة" وفتنتني بقصصها ونسائها اللواتي اعتبرتهن ساحرات ممسوسات بالشبق ولا وجود لهن في حياتنا التي كنا نعيشها، حيث كنت أرى الشقوق في أيدي وأرجل الفلاحات ومشيتهن المتخشبة. أما هذه، فليست أقل من إحدى ساحرات ألف ليلة وليلة، هربت من بين سطور الكتاب، وراحت تتهادى باستداراتها مثل الموج.

انتظرت عودتها، لكن أمها هي التي جاءت وراحت تثرثر معي ببحة صوتها البغيضة كأنني ابنها. اللعنة!

ليلتها لم أنم. ظللت أعيد المشهد على نفسي. أراها مقبلة ثم أعيد كاميرا الذاكرة لأراها مدبرة. أخشى أن أفقد لذة استحضار ما رأيت. مشهد لم يكن ينقصه شيء. رائحة عطرة بمذاق البخور. موسيقى الخلخال. إغواء وهفهفة الوشاح.

لم ترحب بي. أيضًا لم تجفل من رؤيتي. بهدوء واربت الباب وأبقتني عالقًا بين عالمين.

استأذنت من خالتي وخرجت أمشي في شوارع المدينة. بيوت قليلة ذات حدائق صغيرة بجوارها عمارات الإسكان الشعبي. قلة كانوا يعبرون ويسعلون هنا وهناك. العتمة والسكون يطغيان على كل شيء رغم أن الوقت لم يتجاوز العاشرة مساء.

أمام محل باتا المغلق سألت نفسي: كيف أنجب عجوز لا يسمع وامرأة ثرثارة مثل هذه اللؤلؤة؟! "كأمثال اللؤلؤ المكنون".. لو كانت تلك الآية تنطبق على امراة في الحياة الدنيا، لانطبقت عليها.

كنت أسير في شوارع لا أعرف أين تذهب بي. لم يخطر على بالي أنني أحببتها، ولا أنني سأذهب إليها مثل بطل دوستويفسكي كي ألقي بنفسي من فوق الجبل لأثبت لها حبي. كانت تكبرني بخمس أو ست سنوات، ولم يتبق على زفافها سوى أسابيع.

في صلاتي، كانت تقطع عليّ فجأة مناجاتي مع الله مثل شيطانة مرحة، مقبلة ومدبرة.

دقيقة واحدة من حياتي، ظلت تلازمني مثل لعنة. لا.. بل مثل التجلي. وهي توارب الباب،وضوء النافذة يتكثف حول ليونة واستدارة جسدها الريان. لا معنى آخر لكلمة التجلي سوى ما رأيت.

ليس كل النساء مهما كن جميلات، يملكن القدرة على التجلي. أذكر بعد سفري إلى القاهرة هبطت كي أدفع الأجرة لصاحب العمارة، ففتحت لي زوجته وهي لا ترتدي أكثر من قطعتين. كان جسدها يفيض خارج حواف السوتيان المشدود، فتركت الإيجار في يدها وغادرت مسرعًا. في المشهدين لم يكن هناك كلمة، لكن هنا فارقًا باتساع ما بين السماء والأرض. بين لحظة التجلي ولحظة الابتذال. في المرة الأولى كنت صبيًا أصابتني صاعقة جمال بالدهشة والذهول.. أما الأخرى فلم تشعرني سوى بالحرج والرثاء لها.

تلك الدقيقة قضت على براءة طفولتي، فلم أعد كما كنت قبلها، أصبحت أقيس بها أي امرأة. إلى أي مدى هي جميلة مقارنة بالفتنة الهائلة التي رأيتها عبر الباب الموارب؟ شعرها ليس بنفس الطول. عيناها لا تملكان نفس الاتساع والحور الخفيف.

لماذا لم أكرر الطرق على بابها؟! كان بإمكاني أن أطلب مشابك غسيل لخالتي.. أي كذبة تتيح لي أن أقف في حضرة تجلٍ آخر لها. حتى لو اكتشفوا أن خالتي لم ترسلني. كانت ستبتسم وتتفهم.

صلاتي منعتني من كذبة المشابك.. من التعرض لصدمة الجمال مرة أخرى. لا أدعي أنني كنت مثاليًا آنذاك.. كنت أيضًا أشاهد أفلام البورنو، وأحتفظ بأعداد الشبكة والموعد.

هذه الفتاة كانت أكثر جلالًا من استدعائها في استمناء مبتذل. وددت لو تكلمت معها. كنت سأخبرها أنني بالأمس حلمت بها. رأيتها تسير عارية، إلى أن تقترب من نافذة غرفتي المطلة على الشارع، وتطرق طرقة خفيفة. نهضتُ وفتحت النافذة فابتسمت لي ثم فرت مسرعة. قفزت وراءها. بياض جسدها مثل تمثال نوراني يهرول وسط العتمة. كنت أجرى وقطرات الندى تتساقط عليّ من أكوام القش فوق البيوت. مع سطوع نور الفجر كان مجسم نورها يتلاشى إلى أن اختفى. وقتها كتبت أول قصة لي بعنوان "عابدة نور". لا أتذكر نهايتها الآن. أظنني اعتبرتها ملاكًا جاء لإيقاظي لصلاة الفجر. نهاية تناسب سذاجة مراهقتي.

هروبها في الحلم مثل سراب، يشبه ما حدث في الواقع. ذلك التجلي المراوغ الذي لم يدم أكثر من دقيقة.

حاولت أن أستدرج خالتي إلى أي معلومات عنها. تجسست على ثرثرة أمها. حوارات أبيها في الشارع أسفل البلكونة. كأنها غير موجودة إلا في خيالي. حتى عريسها المنتظر لم أعرف عنه أيشيء. كل ما عرفته شذرات بائسة. أيامها كنا نقرأ في الصحف عن زواج مصريات من أثرياء في الخليج. وقلت في نفسي: لو رآها أثرى الأثرياء لن يتردد في الزواج منها.

أذكر أن والدتها تناقشت مع خالتي أن عريسها طلب منها ارتداء "النقاب".. وضحكت المرأتان عن هذا "النقاب".. لأننا حتى أواخر الثمانينيات لم نكن نعرف ما هو، وأنهت خالتي النقاش بأنه زوجها ومن حقه أن يفرض عليها ما يشاء، بشرع ربنا.

هل حقًا شرع ربنا أن يختفي كل هذا الجمال عن أعيننا؟ لابد أن هناك نساء مثل الورد يجب أن يبتسمن لكل العيون.. أليست أنانية مفرطة أن يتمتع رجل واحد بكل هذه الفتنة؟

أسئلة، كانت تتناقض مع قناعتي بأن هذا هو شرع الله وعليها أن تمتثل لزوجها.من كل هذه التناقضات طورت نظرية أن هناك نساء خلقهن الله للفراش. ليس لهنفي العزق بالفأس وحش البرسيم والانحناء أمام لهيب الكانون. هي خُلقت كي تتبغدد في الفراش.

وأثناء دراستي في كلية الآداب قرروا علينا معلقة امرئ القيس التي تثبت أصالة نظريتي حيث كان يمدح المرأة نؤوم الضحى.. وفتيت المسك في فراشها.. كأنه كان يراها منذ أكثر من ألف وخمسائة عام ويصفها كما رأيتها.

وعندما سمعت أستاذنا عبد المنعم تليمة يلقي علينا مطلع قصيدة كعب بن زهير "هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة.. لا يُشتكى منها قصر ولا طول". قلتُ لابد أن كعبًا جُن بها مثلي.

هذا هو الجنون، أننيأصبحت أراها في القصائدوالأغاني. أراها في النساء وأرى النساء فيها.ثمة جمال مؤلم يدفعنا للبكاء. الجمال الذي فتننا وعجزنا عن فهمه وامتلاكه. لم يُكتب لنا أن نمسكه بأيدينا بل صدمنا وعبرنا مثل السحر.

بعد كل هذه السنين، مازلتُ أتذكر هذين الأسبوعين.. منظر الغروب.. رواية "المقامر" طبعة الهلال.. شيئًا فشيئًا تضيق عدسة التذكر وتقف مصعوقة أمام الفتنة التي أطلت ممسكة حافة الباب بيدها العارية.

أتذكرها كل يوم. الفتاة التي لم أعرف اسمها أبدًا ولم أسمع منها كلمة. كان يكفي أن تمر في يومي شهقة جمال، فأعتبرها نفحة من أثرها. من تجليها البعيد الفاتن.

أُغلق عليّ غرفتي. صوت قنديل يسحبني.. "سحب رمشه ورد الباب .. كحيل الأهداب.. نسيت أعمل لقلبي حجاب".لابد أن عبد الفتاح مصطفى رأى تجليًا مثل ما رأيت فكتب أغنيته بتلك العذوبة، الفتنة، الصوفية.

"كحيل والكحل من بابل.. وامتى عيونا تتقابل؟"

كحل أزلي من بابل القديمة تزينت به ساحرة ألف ليلة وليلة وهربت عبر الأزمنة ثم وقفت على باب شقة في كفر سعد، كي تصرع قلبَ تعيس الحظ مثلي.

أتخيلني أقف على مرج وأبكي منتظرًا تجليها الأخير. نعم يحدث هذا إلى اليوم.. رغم أن خالتي أخبرتني عرضًا ـ بعد شهور من ترك الشقة ـ أنا الجار العجوز مات فجأة، وأن ابنته ارتدت "النقاب" وانتقلت للعيش مع زوجها الترزي في قرية "العباسية".

ads