القاهرة : الإثنين 11 ديسمبر 2017
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
ads
مصر
السبت 30/سبتمبر/2017 - 09:10 م
محمد العسيري
محمد العسيري

يوميات صعيدي في بلاد إبليس «3»: حكيم.. من مسرح عربات الكارو في مغاغة إلى خشبة الأوليمبيا

رحله باريس
رحله باريس
dostor.org/1569693


أى زائر لباريس قطعًا يحلم بليال حمراء.. عطور وخمر وغناء ونساء.. مش إحنا برضه فى مدينة الجن والملائكة؟!
ارتبطت باريس فى الذهن العربى بالنساء ربما لما صدرته لنا بيوت الموضة والعطور.. وشهرة معارضها وأفلامها القديمة.. لكن من سيذهب إلى هناك سيعرف حتمًا أنها مدينة لسحر الفن أولًا..
من أول لحظة تمرق فيها فى شوارع العاصمة الفرنسية ستعرف أن اللى بنى باريس كان فى الأصل حلوانى بجد.. حلوانى من «الحلاوة» مش من الفهلوة.. لكنه من المؤكد لم يكن مجرد «بنّا».. فالهندسة التى بنيت بها المدينة.. افترضت فى البشر الذين سيسكنونها أنهم يقدرون قيمة الفن الذى رسمت من خلاله.
البيوت واحدة تقريبًا.. لا ارتفاعات فى المساكن.. الطراز المعمارى محدد بشكل مزعج.. وتعليمات الحكومة بتوحيد ألوان المبانى والواجهات ومعاقبة أى شخص «يحط أى حاجة فى البلكونة».. صارمة حتى الورد.. حتى الورد لا بد أن تذهب للحى ليعطوك النموذج المناسب للبلكونة.. حتى لا تفعل شيئًا لا يقوم جارك بفعل غير متناسق معه..

يوميات صعيدي في بلاد


اليهود يسيطرون على شركات الإنتاج الفنى فى باريس
أعتقد أن من بنى باريس وصمم مبانيها التى تشبه تمامًا مبانى وسط البلد فى القاهرة.. كان يقصد النظام قبل الفن.. لكنك لا تستطيع أن تتجاهل أنك تعيش فى «متحف».
بالتحديد هذا ما شعرت به.. باريس متحف يمشى على الأرض.. وبما أننا نتكلم عن المتاحف فلابد أنك ستمر بسيدها، وإذا كنت مصريا مثلا فلا بد أنك ستذهب لرؤية الجناح المصرى فى «اللوفر».
١٥ يورو فقط هى رسم دخول المتحف، الذى يضم بين مقتنياته أشهر اللوحات التى رسمها الفنانون فى العالم.. وعلى رأسها طبعًا «الموناليزا»، التى فوجئت بأن من يذهب لرؤيتها لا بد أن يقف فى طابور طويل لا ينتهى.. ولن تستطيع أن تقف أمامها أكثر من دقيقة تمنحك فيها تلك النظرة المراوغة وصورة تذكارية، ويدفعك الطابور لتخرج ليدخل غيرك يحتفى بنفس اللحظة.. جدران المتحف وأسقفه هى مجموعة لوحات.. طرقاته أيضًا.. ومطبوعاته.
داخل اللوفر يغمرك الإحساس بالفخر.. فمصر تحتل الجزء الأهم فيه.. على مساحة دور كامل تقريبًا.. وفى مقابلتك يجلس الكاتب المصرى، وكأنه يحكى للزوار عزلته فى هذه المدينة الهادئة فيما تعود هو أن يمارس الصخب فى بلاده.. إحساس الغربة «اللى بينط من عيون تمثال الكاتب المصرى» فيما يداهم كل المصريين المتجولين فى قسم المصريات تساؤل: كيف خرجت كل هذه القطع الأثرية من القاهرة؟!.. ثم سيهاجمك إحساس آخر.. لكنهم يعرضونها بطريقة قمة فى الروعة.. ولولا هذا العرض ما عرفنا أحد.. ولم يسمع بنا أحد.. ولو كنا نحن من عرضنا تلك القطع فى مصر لأهملت وتكسرت.
لا أحد يشرح لك أى شىء فى اللوفر.. فمعظم الرواد مهتمون بالفن.. وكل منهم جاء وهو يعرف إلى أى طابق سيدخل.. لأن زيارة المتحف بكل ما يحويه تحتاج لأربعة أيام.. يمكنك ببساطة أن تجلس فى القسم المصرى ليوم كامل.. وممكن تفوتك حاجات ما تلحقش تشوفها..
٤ ساعات من المشى أرهقتنى.. وشىء من «الحنقة» داهمنى، لكن الزميل محمد عبدالجليل المفتون بالمسرح والفن التشكيلى، وقد وجد فى المتحف ضالته، لم يكن سيغادر دون أن يلتقط بكاميرا الموبايل كل ما تطوله عيناه، وكأنه يريد أن يصور «القسم المصرى بحالة فى عينيه»..
طبعًا سعادتك عمال بتضرب أخماس فى أسداس وعمال تقول فين السحر والستات وكده؟! متاحف إيه وهم إيه؟!
أقولك يا سيدى.. بنات الليل يعملن بشكل شرعى فى منطقة اسمها «ستراس بورساندونى».. لديهن رخصة للعمل.. ويملكن شققا صغيرة تسمى «الاستوديو».. يقفن فى شوارع المنطقة.. عربيات وإفريقيات وأوروبيات أيضًا.. يتفقن مع الزبون، والليلة ما بين خمسين ومائة يورو.. ومعظم رواد المنطقة من الباحثين عن المتعة من «المجنسين».. أو «الزوار» فلا يوجد فرنسى يذهب إلى هناك.. لأنهم وبالبلدى «تشبعوا» لدرجة أن القناة الرابعة الفرنسية تعرض أفلامًا جنسية بعد الثانية عشرة ليلا «يكون العيال ناموا» لتنشيط الحياة الجنسية بين المتزوجين.. «لأنها عطلت».
أما من يعملون فى الدعارة فى «الشانزليزيه».. وهؤلاء لا يملكون رخصة عمل.. فيمارسون الأمر من «خلف أعين الشرطة».. والأسعار تبدأ من ٢٠٠ يورو.. والزبائن والعاملات معظمهم من العرب.. والاتفاقات تتم فى كافيهات الشارع الشهير..
الحديث عن نساء باريس يدفعنا للحديث عن الليل هناك.. فكما قلت لكم من قبل.. باريس هادئة بعد التاسعة مساءً باستثناء العرب الذين يسهرون فى كافيهات الشانزليزيه.. التى تبدأ فى طلب «المنيمم تشارج».. كافيهات عادية مثل تلك الموجودة فى مدينة نصر أو المهندسين.. وبها مطربون «على قدهم» بمصاحبة أورج.. ويحصلون على رواتبهم يوميًا.. شرط أن يكونوا من الحاصلين على الجنسية أو الإقامة.. مش مهم صوته وحش.. أما الأغنيات التى يقبل عليها الرواد فهى القادمة من الشرق حتمًا.. ومعظمها شعبى.. وآخرها طبعًا «آه لو لعبت يا زهر»..
أما أهل باريس فهم يسهرون يوم الإجازة.. وغالبًا ما يتوجهون إلى السينما.. وهى هناك نوعان.. سينما شعبية تعرض الأفلام المحلية.. وأخرى خاصة تعرض الأفلام القادمة من كل أنحاء العالم.. وعددها قليل لتشدد السلطات فى منح تراخيص عرض الأفلام القادمة من الخارج.
سعر تذكرة السينما لا يزيد على ٢٠ يورو.. ومن لا يذهب إلى السينما يذهب للمسرح.. والأشهر أن نذهب إلى الليدو أو «المولان روج» لمشاهدة عروض الفلكلور الفرنسى.
أما العرب المقيمون فى باريس ممن يحبون الغناء، فلارتباطهم بأعمال ومهن يغلب عليها طابع الحرفيين فهم يشتاقون إلى الموسيقى الشعبية التى غادروها فى بلادهم.. ويبقى سعد لمجرد والشاب خالد فى المقدمة.. ثم المصرى حكيم.
لمجرد له قصة مهمة هنا فى باريس.. ربما تكشف سر ما حدث له مؤخرا.. اليهود يسيطرون على معظم شركات الإنتاج الفنى.. وهم المتعهدون للحفلات أيضًا.. ولمجرد بعد نجاحه فى أمريكا.. «طمع» وحاول أن يعمل بمفرده فى باريس.. فقام بتأجير مسرح وقرر أن يكون هو المنظم لحفلاته.. فذهبوا لمفاوضته ليعمل معهم أو من خلالهم.. لكنه ركب دماغه فكان أن أوقعوه.. أو وقع هو من دون أن يدرى فى شر أعماله.. وكان مصيره السجن.
أما المطربون الفرنسيون الذين تجد أعمالهم رواجًا فى باريس فيأتى فى المقدمة «جارد» وهو مطرب كندى الأصل أعاد توزيع أشهر الأغنيات القديمة لمطربين آخرين.. ونجحت إحدى أغنياته واسمها «belle» فى الحصول على تصنيف أفضل أغنية فى الخمسين سنة الماضية.. وبعد «جارد» تأتى أيقونة فرنسا «أديث بيان» وعشرات آخريات منهن سيلين ديون، وهى كندية الأصل أيضًا.

يوميات صعيدي في بلاد


٤ محطات راديو ناطقة بالعربية
من اليوم الأول الذى هبطت فيه إلى شوارع باريس كنت أبحث عن كل ما هو عربى.. فى الصحف وأشهرها لوفيجارو والكتب.. والتليفزيونات.. والجدران..
الراديو الذى ينطق بالعربية هنا لا يتعدى ٤ محطات.. اثنتان منها للجزائر.. ومحطة لبنانية.. وصوت العرب. أما محطات التليفزيون الفرنسى فهى مجموعة قنوات عامة.. مملوكة للدولة.. تأسست عام ١٩٩٢.. وبينما كنت هناك أخبرنى نبيل الشوباشى، مدير التليفزيون الناطق بالعربية «فرانس ٢٤»، أنهم سيطلقون هذا الأسبوع النسخة الناطقة بالإسبانية، وعمومًا لا يشاهد الفرنسيون التليفزيون كثيرًا.. ولا وجود لمحطاتنا الفضائية الخاصة هناك.. أطباق الدش لن تشاهدها على أى سطح.. والقنوات المدفوعة - بالاشتراكات - لا يقبلون عليها إلا فى حدود.
أما الفنادق فقد ضبطت إريال إرسالها على عدد محدود من القنوات العربية فى مقدمتها الـ«mbc».. و«الجزيرة»، وأخيرًا الفضائية المصرية.. إلى جانب مجموعة القنوت الفرنسية طبعًا.

يوميات صعيدي في بلاد

حلم حكيم يتحقق بعد ٣٥ عامًا
بما أننى كنت أبحث عن الغناء العربى.. كان من الطبيعى أن تداهمنى النشوة وأنا أراقب صور النجم المصرى حكيم على جدران وحوائط عدد من الشوارع المحيطة بمسرح الأوليمبيا، أحد أهم مسارح أوروبا.. الذى وقفت على خشبته سيدة الغناء العربى أم كلثوم عام ١٩٦٧ فى سياق حملتها لدعم المجهود الحربى أثناء حرب الاستنزاف.
فى مساء اليوم ذاته أخبرت حكيم بفرحى بصوره فى شوارع باريس، وكان قد جاء لزيارة الوفد الإعلامى المصرى فى الفندق.. وفاجأنى بأنه كان يحلم بالوقوف على خشبة هذا المسرح منذ ٣٥ سنة وهو لا يزال فى مدينة مغاغة بالمنيا.. وقتها كانت أسرته ترفض دخوله لعالم الفن أصلًا.. ويتذكر حكيم تلك الليلة، التى تمكن فيها من تجهيز مسرح فى قرية بمركز مغاغة من عربات الكارو.. فيما «الميكروفون.. اللى كان اسمه هورن».. ينطلق فى نواحى القرية.. يومها نظر حكيم إلى السماء وكانت قصة أم كلثوم وغناؤها على مسرح الأوليمبيا تطارده.. وسأل «يا رب أنا ممكن أروح فين بعد الليلة دى»، ثم أجاب.. مش كتير على ربنا يا أخى تروح الأوليمبيا».
ويضيف: «انت ممكن تقول عليا مجنون أو بيكدب، يا أخى أنا كل حاجة حصلت فى حياتى فيها حاجة روحانية.. كل اللى حصل من عند ربنا.. اتمنيت أروح الكعبة.. لقيت نفسى فى يوم من الأيام مع اللى بيفتح لى أهم مكان فيها.. وبنفس الطريقة زرت قبر الرسول.. والمكان الذى غسل فيه المسيح.. وقبة الصخرة.. وفى فلسطين كذلك رحت صليت فى المكان الذى أسرى فيه الرسول الكريم.
إتمنيت آخد جايزة نوبل فى المزيكا.. طبعا مافيش نوبل فى المزيكا.. ولقيت بعدها اللى بيكلمنى ويقولى.. تعالى عايزينك تغنى فى الاحتفال بجائزة نوبل لدرجة إنى فى الأول افتكرته بيلاعبنى عشان أمضى عقد أسطوانة.. لكن الأمر طلع بجد وغنيت فى الاحتفال.. غنيت لبابا الفاتيكان..
قلت له: لكن من غنى من العرب على الأوليمبيا بدعوة منهم ثلاثة فقط.. أم كلثوم.. وفيروز.. وأنت.
ابتسم وقال: «أعرف ما تلمح إليه.. أنا جيت من كام شهر عشان أشوف المسرح.. وأعرف تفاصيل البروفات والحفلة وكده.. وأول ما دخلت سألت عن الغرفة التى جلست فيها أم كلثوم وغيرت فيها ملابسها.. وأقسم بالله أول ما خطيت برجلى بكيت.. ومش عارف ليه.. لقتنى بارتعش وأعيط.. أنا مش بحسب أى حاجة.. لا شهرة ولا فلوس.. ولا مجد.. ولا كلام كبير.. يمكن الفرصة دى هى اللى هتخلينى أحس إنى سبت لولادى حاجة عليها القيمة».
كان حكيم قد جاء إلينا وقد أصابته متاعب فى المعدة.. لم يستطع أن يقاومها.. فسألته مش جايز ده خوف فقال: «أكيد خايف» أنا فى كل حفلة بخاف.. بس أول ما بشوف الناس بنسى.. مش هتصدق إنى المرة دى مش خايف.. بس عشمان فى ربنا إن الحفلة تطلع كويسة لأنى باغنى باسم بلدى..
كان حكيم قد أعلن أنه متبرع بأجره فى مجموعة الحفلات التى يقيمها فى أوروبا لصالح صندوق «تحيا مصر» ومرضى معهد السرطان.. ولأنه لم يكن قد بقى على موعد الحفل سوى ساعات تركناه يذهب مع زوجته ونجله عمر، ابن الرابعة عشرة، لينام قليلا.. لكنه فاجأنى برسالة فى العاشرة صباحًا.. يعنى قبل موعد البروفة بساعات قليلة يسأل عن أحد الزملاء الإعلاميين، وكان قد حاول التواصل معه.. ولم يتمكن من ذلك.. فسألته عن المسئولين المصريين ودعمهم له فى الحفل فأجاب بأدبه المعتاد «هشام الدميرى اللى ماسك تنشيط السياحة دعمنى كثيرًا.. وكفاية أقولك إنى على مدار ٢٠ سنة كنت باروح وزارة السياحة وأقولهم يا جماعة سياحة المهرجانات والسياحة الثقافية أمر مهم جدًا.. ادعمونا حتى معنويًا ولم يكن أحد يعبرنى بالمرة.. وهذا ما فعله هشام الدميرى.. لازم أشكره».
إجابة حكيم كانت كافية.. لأننى وفى مسرح الأوليمبيا لم أجد أحدًا من السفارة المصرية.. لا ملحق ثقافى ولا سفير.. ولا غيره..
الحفل الذى امتلأت قاعاته الثلاث بخمسة آلاف متفرج معظمهم من العرب والهنود وقليل من الأوروبيين لم يشهد أى دعم رسمى.. لكن رسالة الرئيس السيسى عبر صفحة مؤسسة الرئاسة منحت حكيم فرحة غير محدودة، لدرجة أنه أرسلها لى وأنا فى طائرة العودة..
ساعتان من البهجة امتلأت بهما صدور الجميع فى المسرح.. والكلمة التى بدأ بها حكيم حفلته كانت كافية لتخليص المشهد الذى نحتاج إلى تكراره كثيرًا فى بلاد تعتقد أننا عنصريون وإرهابيون وقتلة..
بعد دخول الفرقة الموسيقية وعزفها موسيقى أولى الأغنيات.. دخل حكيم مع استقبال مدٍو من الجمهور.. ثم ساد صمت قطعه بغناء مقطع قصير من «السلام عليكو».. ثم وقف صامتًا ليقول وهو يلهث «على الخشبة دى وقفت كوكب الشرق أم كلثوم.. سيدة الغناء العربى فى نوفمبر ١٩٦٧ لتقول للعالم إن مصر لم تنهزم ولم تنكسر وستعود.. واليوم أقف فى نفس المكان.. شاكرًا كل من منحنى الفرصة لأقول للعالم.. مصر ستعود.. و«رجعت فعلًا وتعالوا شوفوها».. ليهتف جميع من فى القاعة «تحيا مصر».
وأجدنى وأنا أهبط من سلم طائرة العودة.. أهتف معه أيضًا «تحيا مصر مليون مرة».

ads