القاهرة : السبت 18 نوفمبر 2017
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
ads
مرايا الابداع
السبت 09/سبتمبر/2017 - 08:25 م

غفوة (قصة)

محمد عطية محمود
محمد عطية محمود
محمد عطية محمود
dostor.org/1541381


بمقدمة حذائها، نقرت مقدمة حذائه المرتكز بكعبه على الأرض أمامها، مستندًا بطوله الفارع إلى حائط ممر ما بين ردهات الانتظار المزدحمة بالعيادة..
جزَّت بأسنانها على شفتيها الممتلئتين، وهى تصعد بعينيها.. تغرزهما فى عينيه، بصمت متقد، ضاغطة يديها فى جيبى بنطلونها الجينز، ثانية جذعها على خصرها المكتنز والمضغوط بفخذيها بالمقعد.. تجتلب دفئًا، تدفع به عنها برودة الأرض الصاعدة.
ندَّت عن السيدة العجوز الملتصقة بكتفها ـ عن يسارهاـ على المقعد الثنائى الذى يحتويهما، آهة، فتمايلت برأسها المثقل على كتفها، واستسلمت لشبه إغفاءة..
ثبتت عينيها فى عينيه، وتمادت فى زحزحة حذائها نحو حذائه الذى انزاح إلى الخلف. انبثقت من وجهه الطفولى نظرة استسلام تختلط بنشوة.. خبأها وداراها بانزياح ساقيه مع ظهره إلى الخلف، وعيناه ترمقان الوجوه عن يمينه وعن يساره.
غمزت بإحدى عينيها.. أطلقت تنهيدة.. أشارت بيدها نحو قلبها، ثم بحركة تنم عن الوجع أعلى بطنها، وتحت قلبها، ثم تمثلت الضحك ملء شدقيها، متجهة نحوه بكلمات كالفحيح تحرك بها شفتيها..
عن يمينها ويساره.. تناوبت على وجهيهما نظرة البنت الصغيرة، ذات الأنف الملتهبة بإحمرار واضح، الملتصقة بأمها الشابة، والملتحفة رقبتها بإيشارب.. تزدرد قضمات من باكو بسكويت يستقر بيمينها، بينما تسعى يسراها لترفع طرف الإيشارب كلما انسدل مع خصلة شعرها على جبينها، بسهوم وتلذذ.
انضغط كتفها مع بدنها الذى تمادت فى تنشيطه بتحريك قدميها داخل حذائها، وهزهزة ساقيها، مع فخذيها، مع نظرات عينيها التى لم تفارق وجهه. فى حين احمرت أذناه، وتوجهت عيناه نحو صدرها الذى بدأ يرتج محدثًا ألقًا فى عينيه، واتقادًا؛ فانسحب بقدمه، مزحزحًا ساقيه بظهره إلى الوراء..
ازداد ثقل رأس العجوز على كتفها.. تململت.. ضغطت على أضراسها.. حركت كتفها باتجاه العجوز؛ لتعتدل بالرأس مزحزحة إياه فى عكس اتجاه ثقله.. حركت لسانها ما بين فكيها، فعاودتها الابتسامة المرتاحة ـ كمن يوصد بابًا بحرص شديد ـ والعجوز مازالت فى غفوتها.
جاهد همسه، الذى يزدرده مع ريقه الذى جف، حاولت كلماته التشكل على شفتيه؛ فتمثلت وضع غير السامع واضعة أطراف أناملها خلف أذنها التى لاحت من خلف طرحتها الصغيرة مطرزة الحواف، وانحنى معها رأسها مائلاً، بالتفات فمها وشفتيها نحوه بنظرة جانبية؛ فلاح فص القرط القرمزى، وومض فى ضوء المصباح النيون المتدلى من السقف، ولمعت بشرة رقبتها التى كشفت عن بياضها الناصع.. فازدرد فضاء كلماته.
افترت شفتا البنت الصغيرة ـ التى تزحزحت قليلاً عن جسد أمها، وازداد التصاق نظراتها بهما ـ على ابتسامة بادئة فى الاتساع؛ لتشمل وجهها الصغير، وتنسدل خصلتها، وينزلق معها طرف الإيشارب، فيلتبسها اضطراب ردة فعلها بين الحلوى التى وقعت من يمينها على الأرض، ويسراها التى لم تلحق الإيشارب فنزل على عينيها.
ابتسمت ضاغطة بأسنانها على شفتيها، اللتين ازداد بريقهما، وانتفختا بحرارة سرت فى وجهها، وعلا جبينها التماع، وإحمرار خفيف.. حركت خاتمها الذهبى فى بنصرها الأيمن.. أشارت بطرف لسانها من خلال أسنانها نحو خاتمه فى بنصره.. عاودت لكز مقدمة حذائها بحذائه الذى لم يتزحزح، والالتصاق به، فى حين انطلق صوت نداء الممرضة على اسم العجوز التى ثقلت غفوتها..

ads