القاهرة : الخميس 21 سبتمبر 2017
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
ads
مرايا الابداع
السبت 09/سبتمبر/2017 - 08:21 م

هنيئًا بالنسيان حتى لو لم يكن!

دينا أبو حلوه
دينا أبو حلوه
دينا أبو حلوه
dostor.org/1541376

مازال كل شىء كما هو.. تلك الأريكة، وتلك الشجرة الضخمة ذات الفروع القوية والأوراق الكثيفة، وذاك الممشى المطل على منظر النيل وعلى جانبه الآخر تلك البنايات الباردة الشبيهة بالوجوه الحزينة رغم جمالِ منظرها..
نعم كل شىء مازال كما هو.. يبدو أننا نحنُ من بدلتنا السنين إلى وجوهِ مليئة بالتجاعيد رغم حداثة العمر، الأحلام الوردية صار مشككًا فى صحتها حتى مرحلة ما بعد الجامعة، حتى المشاعر صار لازمًا على العقل التحكم بها خوفًا عليها من عابر لا يصون. أما عنها فمازالت هى صديقتى ذات الحصن الدافئ من وجعِ كاد يقتات على ما تبقى منى.
بعد أن فرقتنا المسافات بينى وبينها، وسرقتنا الدنيا بمشاغلها، وسنواتِ قد انقضت وقطعت عهدًا باليأس فى الوصلِ من جديد، لا سيما بتلك الجزيرة التى ألَفتَنا قبل أن نألفها أنا وهى.. تلك الجزيرة التى شهدتنا فى أوج النجاح، وفى لحظات الانهيار.. كما شهدت لحظات أول اعترافاتِ وتمنينا أن يتوقف الزمان عندها، ودموع ظننا يومًا أنها لن تتوقف، وضحكات مصحوبة بالفرحة، وأُناس اعتقدنا يومًا أن الحياة توقفت برحيلهم، وفراق برهّنَ على حبِ صادق، وحكايا شتى عن ذاك الغريب الذى سرقنى من نفسى عندما رأيته لأول مرة.. وآمنتُ بل صدقتُ أن هناك شيئًا يُدعى الحب من النظرة الأولى، وبتُ أتحين كل مناسبة يكون هو فيها كى أراه.
لقد كنتُ أعمل صحفية بقسم المال الأعمال بإحدى الصحف الشهيرة ومن ثَّم أقوم بتغطية المؤتمرات التى يجتمع فيها رجال الاقتصاد والبورصة وممثلو الشركات العملاقة والتى كان هو من بين أبرز هؤلاء الحضور، ولم أنسَّ تلك المرة الأولى التى غامرتُ بالحديث معه، فقد انتهزتُ فرصة تواجده فى أحد المؤتمرات وبَادَرتُه بالحديث معلنةً له مهنتى بتلك الجريدة الشهيرة، وعن سعادتى بفرصة اللقاء به، ورغبتى فى إجراء حوار صحفى معه عن شركته، وما كان منه سوى القبول المصحوب بالسرور.. ومن هنا بدأت الحكاية وبدأ معها القلبُ ينبض بشدة عند رؤياه، وبَدأتُ أشعر بثمة إعجابِ منه هو الآخر. ونسيتُ أننا عندما ننخرط فى التمعُن بمزايا أحبتنا قد ننسى أو ربما نتناسى عيوبهم عن عمد مُطلق، نسيتُ أن ذاك الحب قد أفقدنى بصيرتى حتى شعرتُ بنفسى مجرد تابع له دون أدنى تفكير أو رفض.. تمنيتُ لو أن الزمن يتوقف عند البدايات فقط.
وما أن التقيتُ بها ثانية بعد ذاك الفراق حتى تبادلنا الأحضان سويًا، وتبعتها تلك النظرات المصحوبة بابتساماتِ تعلن عن رغبتها المكبوتة فى إطلاق الضحكات العالية دون الاهتمام بمن حولنا.. وكالعادة سبقتنا خطواتنا إلى ذاك الممشى دون أدنى تفكير، وبينما أنا أتأمل تلك البنايات البعيدة، نظرتُ إليها فوجدتها تتأمل ملامحى بدقة، وعلى ثغرها تلك الابتسامة الماكرة التى تعلن عن رغبتها فى تحويل مسار الحديث عن ذاك الغريب لا سيما وأنها تركتنى فى أوج قلقها لتعلقى الزائد به.
وإذا بى أضحك بشدة ثم أعلن لها فى ثبات أو ربما لا مبالاة أن أنثى أخرى أصبحت تعتلى عرش قلبه اليوم.
وكأنى كنتُ بانتظار نظرة دهشة على ملامحها لصدمتها بذاك الخبر ولكن فوجئت أنها على علم، ولكنها أرادت أن تختبر مشاعرى وربما مدى صمودى أو غيرتى عليه لا سيما بعد ذاك الحب الجارف منى، فدومًا ما يصفون غيرة المرأة العاشقة بأنها نار الله الموقدة على الأرض، ولكن كيف أَغارُ على رجل لم يعد ملكًا لى!
ثم رأيتها تضحك وتقول لى: هنيئًا لكِ بالنسيان رفيقًا بعد تلك الخيبات.. بل هنيئًا بتلك القوة التى اكتست ملامحكِ حتى ولو كان قلبك ينتفض.
وبينما هى تقول لى ذلك.. أخذتُ أتذكر آخر لقاء كان بينى وبينه، أكاد أُجزم أن الصمت حينها كان هو سيد الموقف، والملل هو الحليف الأعظم، حتى السلام صار باردًا، والحضورُ باهتًا، والقلب مُنهكًا.. وهو كما هو.. لم يتغير.
فقلت لها: لم أنسَّ، ولكن أستطيع أن أخبركِ أنى أصبحت امرأة ناضجة نوعًا ما.. بتُ أتعامل مع الأمور بواقعية كثيرة، ظننتُ يومًا أن الألم لم يتوقف، وأنها بداية نهايتى.. باتت عينى لا تدمع حين أرى اثنين يتبادلان تلك النظرة التى تذكرنى به، بل بتُ أضحك أنى يومًا استشعرتُ تلك اللحظات حتى إذا كانت نهايتها غيرُ عادلة، تعلمتُ أن أستعيد نفسى من براثن الحزن عُنوة، وأستفيق أكثر على أنه لم يعد قصرى الحصين الذى لا أقبل أن تنازعنى على عرشه ثمة امرأة أخرى.
ثم واصلتُ حديثى معها قائلةً: أتعلمين حقًا ما مِن عابر يصادفنا فى الطريق إلا ويحمل بين طياته رسائل مخبأة لنا.. ربما يعلنها القدر غدًا أو بعد غد، وربما نجهلها ونواصل السير ولكن ثمة حكمة فى الأمر.
كانت نظرتها كافية كى تقول لى، هل أنتِ تلك المرأة البائسة التى قابلتها يومًا ما؟.

ads