hedad
القاهرة : الجمعة 24 نوفمبر 2017
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
ads
مصر
الأربعاء 23/أغسطس/2017 - 06:40 م
أحمد بهاء الدين شعبان
أحمد بهاء الدين شعبان

رفعت السعيد.. رجل من طراز فريد

الدكتور رفعت السعيد،
الدكتور رفعت السعيد،
dostor.org/1521490

برحيل الدكتور رفعت السعيد، الجمعة الماضى، تكون قد انقضت مرحلة كاملة، لا من مراحل نضال اليسار المصرى وحسب، وإنما من مراحل التاريخ والفكر المصرى، المعاصرين، كان خلالها الراحل الكبير أحد اللاعبين المهمين، ليس على الساحة المصرية وحدها، وإنما على الساحة العربية كذلك، من خلال كتاباته الغزيرة، ورئاسته حزب «التجمع التقدمى الوحدوى»، ثم المجلس الاستشارى له، ومشاركته الفعّالة فى العديد من الأنشطة المؤثرة، خاصة فى الحوار مع المجلس العسكرى.

وبعد ثورة ٢٥ يناير، ومن خلال عضوية قيادة «جبهة الإنقاذ الوطنى»، خلال سنة حكم الجماعات الإرهابية، وكذلك بفعل علاقاته الوثيقة بالعديد من فصائل العمل التقدمى العربى والعالمى، وعلاقته المتميزة بنضال وتشكيلات الشعب الفلسطينى، وفى مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية.

وإذا كانت الجنازات دالة، لدى البعض، عن قيمة الراحلين، فلعل موكب تشييع الدكتور السعيد المهيب، إلى مثواه الأخير، فى مقابر الغفير، لكى يرقد إلى جوار جثمان زوجته المناضلة الراحلة الكبيرة، «ليلى الشال»، وتدفق المئات من محبيه، وأصدقائه، وعارفى قيمته، إلى لقاء تأبينه فى جامع عمر مكرم، أكبر دليل على كونه رجلا من طراز فريد بالفعل، ترك بصمة لا يمكن إغفالها، على امتداد فترة طويلة، لا تقل عن ستة عقود متواصلة، كان فيها مسموع الكلمة، مؤثر الحضور، وبذل خلالها جهدًا منظمًا ومستمرًا ومثمرًا، ضخم النتائج والتأثيرات، وضرب بسهمه فى اتجاهات شتى: العمل السياسى المباشر، والعمل التنظيمى، والعمل الفكرى، وفيها جميعًا كان رقمًا يصعب تجاوزه أو تجاهل أثره، واتخذ مواقفَ جلبت له وعليه الغضب العارم، والقبول الواسع، فى آن واحد، وفى كل الحالات أشهد، عن متابعة دقيقة، أنه كان صُلب المراس، لا يتراجع عما يعتقد فى صوابه تحت أية ضغوط، ولا يتردد فى الإفصاح عن رأيه فى الوقائع والشخصيات والتطورات، مادام اقتنع به، غير عابئ برأى الخصوم، أو متراجعًا عن موقفه، بفعل هجوم الناقدين!

ومن وجهة نظرى، ففضلًا عن التأثيرات المباشرة على دور وحضور اليسار فى المشهد السياسى المصرى، إيجابًا فى نظر البعض، وسلبًا لدى الآخرين، فإن أهم ما سيذكره التاريخ للدكتور رفعت السعيد، ويتوج سيرته الممتدة، دوره العظيم فى كشف وتعرية المنابع الفكرية، والمآلات السياسية للإرهاب الدينى، أو التيارات «المتأسلمة»، كما اصطلح على تسميتها دائمًا.

فعبر آلاف المقالات واللقاءات الصحفية والتليفزيونية، والمحاضرات والمناظرات، لم يتوان د. رفعت عن شن حرب لا هوادة فيها ضد هذه الجماعات الإرهابية وتعرية رموزها، وفى مقدمتها جماعة «الإخوان»، فى عز سطوتها الاقتصادية والسياسية، وفى ظل تواطؤ وتآمر الدولة الساداتية معها ضد اليسار والخط الوطنى المستقل، وأيضًا فى ظل غض نظر الدولة المباركية عن أنشطتها وتغولها، وشبكات مصالحها وثرواتها، واختراقها جهاز الحكم والدولة، بل حتى فى ظل حكم الجماعات الإرهابية المباشر، فى أعقاب وثوبها على السلطة قبل ٣٠ يونيو.

وفى كل تلك الحالات، وعن معرفة مباشرة، ومعايشة مستمرة، خاصة فى فترة اجتماعات «جبهة الإنقاذ»، أشهد له بمواقفه الواعية والشجاعة، التى كانت تقف بالمرصاد لكل «ميول» تصالحية لدى البعض، كانت تريد أن تجنح إلى الموادعة، إن خشيةً أو طمعًا.

وككل الشخصيات المتميزة، فإن الجدل حول دورها وأثرها سيظل مفتوحًا وممتدًا، وهو أمر إيجابى ومطلوب، شرط أن يكون جدلًا إيجابيًا، ينأى عن التجريح والشخصنة، ويتجه إلى مناقشة الأهم والأعم، وفى ظنى أن الأهم والأعم الواجب طرحه الآن، هو مستقبل اليسار المصرى ووحدة فصائله، بعد رحيل أحد أهم اللاعبين الأساسيين فى تاريخه وتاريخ مصر المعاصر.

ads