القاهرة : الثلاثاء 26 سبتمبر 2017
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
ads
القبلة
الأربعاء 19/يوليه/2017 - 07:50 م

لا يا شيخ علي.. الرسول من برج القوس (اشتباك)

علي جمعة
علي جمعة
مهدي مبارك
dostor.org/1474888

هى حكمتك يا رب بلا شك، ونحن جميعًا أسباب لنفاذ قضائك، تعز من تشاء، وتذل من تشاء، وترتفع بمن تريد إلى مراتب القديسين، لا تكرمه بل تمنحه فرصة للعودة إلى الطريق القويم، تنفحه من العلم والمناصب والقنوات الفضائية وأرصدة البنوك ما لا يستحق لأجل أن يعمل لله، ويغسل ذنوبه، لأنك غفور رحيم، وحنون على عبادك مهما فجروا وأثموا، لكن أكثرهم لا يعلمون. 
أنت وحدك صاحب المصير، والقضاء والقدر، والنجاح والفشل، والبداية والنهاية، وأنت الذى اخترت موعد كل شىء، ووزّعت الرزق بالقسطاس، وسخرتنا له جميعًا، هى إرادتك ولا رادّ لها، اللهم لا اعتراض.. كلها أسئلة وخواطر إذا كانت متجاوزة فهى اجتهاد، ولو كان بها مس شيطانى، وسوء ظن.. فلتكن دلالًا من مسلم عاص. 
لماذا تصر - يا رب - على منح على جمعة من عطاياك ونفحاتك الكريمة رغم أنه يصنع الفتن فى دينك؟ 
الرجل نزل من مرتبة «مفتى مصر» إلى رتبة «الضيف الدوار» على القنوات الخاصة، ولكى يظلّ دوَّارًا ومطلوبًا لابد أن تكون عنده مادة مثيرة وممتعة ومتجددة يوميًا وقادرة على هز «تويتر» ليلة كاملة حتى ساعة بث برنامجه غدًا لكى يكسب حرب «الفضائيات الدينية» التى دخلها منافسًا لعمرو خالد ومعز مسعود، ومصطفى حسنى وخالد الجندى. 


 

 بماذا يقابل الله غدًا؟
سيقول، كما قال، إن محمدًا - عليه الصلاة والسلام - من مواليد برج الحمل، ويضيف: «بحثت ووجدت أنه ولد يوم 22 أبريل تحديدًا». انتشر التصريح، الذى ألقاه خلال إحدى الندوات أو الجلسات الخاصة، مصوَّرًا أمس، على فيسبوك فسمع ما لا يرضيه.. سخرية وشتائم واستهزاءً.. لم تنَل من ثوبه الكريم لأنه يتصدق بنفسه على الله. 

فتوى بفتوى.. الرسول من برج القوس
هل يدخل على جمعة بهذا الكلام فى باب التنجيم؟.. الإجابة تحمل اختلافًا فقهيًا، وهناك ما هو أكثر سخونة فيما يقوله المفتى السابق، ويحمل أدلة كذبه داخله، وهو أن رجل الحمل - وفقًا لمراصد فلكية - أنانى، وغير صبور، وعنيد، ومتسرع، وكئيب، وفاقد للحيوية والإيجابية وكسول، لا يحمل أجندة أو رؤية لتحقيق إنجاز، وتحقيق الإنجازات ليس بين أهدافه. 

قال على جمعة: بحثت فى صفات برج الحمل، ووجدت الرسول يحمل كثيرًا منها، هذا البرج مناسب للنبى محمد. 

هل يقصد «جمعة» أن الرسول محمدًا – المنزّه عن كل سوء – أنانى ومتسرع وكئيب؟
ليس إرهابًا لرجل دين أن تسأله هذا السؤال.. لكن صفات النبى - كما ثبت فى السيرة النبوية - ليست كذلك، فالرجل صبر متحمّلا عذاب قريش، كان يصلى أمام الكعبة، وجاء عقبة بن أبى معيط وخنقه بشدة فى بدايات الدعوة فلم يتراجع، وقدم نفسه فداءً لدين وأمة كان يراها حين كان لا أحد يرى أى شىء.
وتروى عائشة، رضى الله عنها، إنها حين سألته: هل أتى عليك يوم كان أشدّ من يوم أحد؟.. قال: «لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشدّ ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسى على بن عبد يا ليل بن عبد كلال فلم يجبنى إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهى».
بحسبة مفتى مصر الفلكية، فإن الرسول محمد أقرب إلى برج القوس من الحمل. 
رجل «القوس» طَموح وقيادى (محمد بنى ملكًا ودينًا امتدّ وسيعيش آلاف السنين من بعده)، ويحب السفر (الغزوات والهجرة)، ومتفائل ومحظوظ (النبوة والملك وملايين المريدين والتابعين)، ويكره الارتباط لكنه إذا أحب كان خير حبيب بعطائه الذى لا ينقطع وفى الزواج يكون زوجًا مثاليًا (راجع سيرته مع نسائه)، وأب ودود وكريم مع الأطفال (اقرأ قصة عُمير الذى ماتت قطته، وغناها وائل جسار فى «قلبك حنين يا نبى»).

تكفير فضيلة المفتى.. هاتها جمايل يا رب
السؤال الآن: كيف يقول على جمعة ما إذا قاله غيره لخرج جموع السلفيين ومشايخ الأزهر يكفرونه؟ 
الرجل يتاجر مع الله ولكن بطريقته، يتلقى المنح الربانية بمزيد من العطاء، يقدم معلومات صادمة ومواقف مثيرة كأنه صحفى بجريدة فضائح، مخترقًا مجموعة ثوابت يؤمن بها المصريون، والمسلمون جميعًا، بفتاوى ساخنة تشنق «حالة الإيمان العامة» بأمعاء «آخر شاب انتحر ملحدًا». 
حتى الشباب الذين يقترفون ذنوبًا تأخذهم إلى النار، ولهم باع فى ارتكاب خطايا تضعهم فى جهنم لكنهم يتضرّعون إليه كل ليلة بكلمة «يا حبيبى يا رب هاتها جمايل»، اعتبروا ما يقوله على جمعة من الكبائر. 

هل النبى محمد «أبوعيون جريئة»؟
يؤسس على جمعة لمصطلح ليس جديدًا لكنه تائه وغامض، لم يجد من يربط خيوطه معًا لتكتمل الصورة.. إنه «إسلام السوق».
يضع المفتى السابق ثوابته ومبادئه وقيمه ويدعو إليه دون أن يدرى، هو نوع من الإسلام يكسب الجمهور على الشاشات، ولا يخسر النبى، يقرِّب الدين من الناس ولا يقرب الناس من الدين (والفرق يشبه الفرق بين الجنة والنار)، يجعله لعبًا وهزارًا وضحكًا وغناءً ولهوًا وعبثًا كالواقع المنحط الذى نعيشه.
أن تقول للناس عودوا إلى أخلاق النبى فهذا صعب وعسير، أما أن تقول لهم: «أحبوا النبى وخلّوا أخلاقه علينا فالأعمال بالنيات»، فهذا سهل وجميل، وكلنا نحبه. 
يفرض إسلام السوق على «جمعة» أن يرد من يسب النبى قائلًا: «ده سافل ابن سافل».. حين ردّد هذه الشتائم على الهواء كان لديه مرجع يتبع سنته، وهو الشارع الذى يتخذ من الشتيمة بالأب والأم مذهبًا وعقيدة وسنة.

ما يفعله مفتى مصر السابق ببساطة، أنه ينزل بالدين إلى الشارع بكل حقارته وانحطاطه فهو «الأب الشرعى» لإسلام السوق الذى يبنى جمعة إمبراطوريته الآن، ولا يطلب من الناس أن «يصعدوا» إلى مراتب الدين والأولياء والأنبياء والقديسين. 
من بين ما يقوله جمعة أيضًا، أن عبدالحليم حافظ غنى «أبوعيون جريئة» للنبى، عليه الصلاة والسلام، ويؤكد - فى تصريحات تليفزيونية قديمة - أن «العندليب كان مؤمنًا وبيحب النبى قوى وعمل له الأغنية دى مع عبدالوهاب». 

إسلام السوق يحرض الشيخ «جمعة» على فتاوى يمكن أن تكون «مصائب قوم عند قوم فوائد»، فالذين أخذوا فتوى من رجل دين لا يحاسبون عليها، إنما يؤخذ هو بذنوبهم، وسجل سوابق المفتى السابق ضخم، ومتخم بساعات الهواء. 
قال إن السجائر طاهرة والحشيش طاهر والأفيون طاهر، ولا تنقض الوضوء، ويجوز الصلاة بها. 


 
طلب من الرجل الاتصال بزوجته قبل وصول البيت: «قل لها إنك جاى، افرض معاها رجل؟ أعطه فرصة يمشى». 

أباح الإفطار للمصيفين فى رمضان، أكَّد أن «أبوالهول» هو سيدنا إدريس، عليه السلام، وشجع سياحة العرى: «أن تتعرى سائحة.. هذا حلال».

ثم جلس ومدّ قدميه، مستندًا إلى ظهر الكرسى الذى يجلس عليه، وأفتى: «مزيكا بيتهوفن تدعو إلى الإيمان بالله». 

هذه الفتاوى - إن اعتبرها الرجل تجديدًا للخطاب الدينى - لا تمثّل إلا إزالة لقشرة الدين ووضع قشرة جديدة على مقاس تصوّرات الشيخ جمعة، لتنال السخرية و«الشير والريتويت»، ولا تشتبك مع تصورات الناس، فبالتأكيد لن يخرجوا من قوله إن «الأفيون طاهر» إلا بالدعوة إلى تعاطى الأفيون، لذلك يتعطّل مشروع الخطاب الدينى الآن، ويثقل كاهل الجميع وأولهم الرئيس السيسى، الذى دعا إليه.. لأن القائمين عليه، وهم - كما أعرف - 3 مشايخ يديرون فرق عمل، لا يجددون الخطاب إنما يستبدلون الكلام الخشن بكلام ناعم ولا يقتربون من الدين. 

وهم إسلام السوق فى مصر
فتاوى على جمعة - حتى لو صحّت - لا تقترب من خط دار الإفتاء التى كان يتولى أعلى مناصبها، ولا تناسب معتقدات أقل الناس إيمانًا بصحيح الدين فى مصر. 
يصدق من يصدق، ولا يصدق من لا يريد، المهم أن تحمل الحلقة جديدًا يرجّ عرش «فيسبوك وتويتر». يلقى على جمعة قنابله ويرحل فى صمت، لا يطلب من أحد أن يصدقه، يطلب - فقط - من الجميع أن يبقى متشوّقًا للحلقة المقبلة لأنه سيدوس على لغم «سينفجر ويقلب الدنيا». 

هل تختلف مع «إسلام السوق»؟ 
السؤال بصيغة أدق.. متى تختلف معه وترفضه؟.. حين ترى فيه ما لا يناسبك، إنما أعداء على جمعة رفضوه من بابه، اعتبروا الشيخ النقى رجلًا يريد أن يسرق البيضة والجمل، يسب ويشتم وينزل بالإسلام إلى مساحات مشبوهة لا تليق به، والأسوأ أنها بعيدة عن صحيح الدين. هذا ميزان بعضهم.. لم يلتفتوا إلى نيته الطيبة، ومحاولته دفع عجلة تجديد الخطاب للأمام ولو خطوة واحدة.. لكن قدره أنه يحسن الظن فى الناس، ويعتقد أنهم عباقرة وسيفهمون ما يريد أن يقوله (الدين سهل وبعيد عن التشدد وأبسط من كده)، بينما يفهمون هم ما يريدون (اشربوا حشيش وأفيون وافطروا فى رمضان والبسوا عريان على الشاطئ واشتموا مخالفيكم وصلّوا وسلّموا على أبوالهول فهو سيدنا إدريس). 

على جمعة يرى أنه ناجح، وتاجر شاطر مع الله، ولا يشك فى سوء تجارته، فلايزال حاضرًا بقوة على الشاشات، لا شىء يمحوه من الخريطة - الدينية أو البرامجية - وينتظر إنجازات جديدة بعد نجاحه فى مهمة التليفزيون الصعبة، قنوات أخرى، وجمهورًا أوسع ينتظر حلقاته يوميًا ويحب أن يسمع له ويشقى - شقاءً أبديًا - بما يقوله!

ads