القاهرة : الأربعاء 22 نوفمبر 2017
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
ads
الأحد 16/يوليه/2017 - 07:03 م
د-أحمد-الخميسى
د-أحمد-الخميسى

الثانوية العامة.. الموت أو النصر

dostor.org/1472476

تجرى امتحانات الثانوية العامة فى مصر، فى أجواء أقرب إلى معركة ساخنة، يخوضها أكثر من نصف مليون تلميذ، شعارهم «الموت أو النصر». معركة شرسة يتقدم فيها بواسل ليفكوا حصار الأسئلة، ويهدموا قلاع الامتحانات، يسقط منهم شهداء، ويصاب بعضهم، فينقل على محفات إلى الخطوط الخلفية للعلاج، تنهار أعصاب الضعفاء، وتنتهى الملحمة بأن تصعد مجموعة الأبطال المنتصرين إلى منصة احتفال بمجموع يتجاوز تسعين فى المائة! حرب طاحنة ينجلى غبارها كل عام عن عدد من التلاميذ المنتحرين على أرض القتال. لماذا؟ كيف؟ هل ذلك الانتحار ظاهرة فردية، أم أن هناك قانونا عاما يحكم تلك الحالات، ويمكن لنا تعديله وتغييره؟!
نشرت الصحف فى ١٢ يوليو الحالى أن الطالبة «رشا. ج» – من قرية بالمنيا- تناولت سم فئران بقصد الانتحار بعد حصولها على مجموع ٦٥٪ فى الثانوية العامة، ولفظت أنفاسها بعد نقلها إلى المستشفى بدقائق.
إليك أيضا: انتحار طالب داخل بيته فى بولاق الدكرور بسبب صعوبة الأسئلة فى امتحان اللغة الإنجليزية! طالبة أخرى من شبين الكوم انتحرت بإلقاء نفسها من أعلى كوبرى لصعوبة امتحان مادة الفيزياء وخوفها من الفشل. فى أواسط يونيو ٢٠١٣ نشروا أن «علاء. ع» فى محافظة البحر الأحمر تناول مادة سامة بعد عجزه عن إجابة أسئلة امتحان اللغة الانجليزية! وأن الطالب «محمد. ص» بمدرسة أحمد لطفى السيد بالهرم علق نفسه بحبل فى حجرته منتحرا من الخوف من امتحان الكيمياء قبل موعد الامتحان بيوم! وتتوالى الأمثلة كثيرة، بلا توقف عاما بعد عام. ويمكن بطبيعة الحال أن ننفض أيدينا من الموضوع بأن نرد حالات الانتحار تلك إلى السمات الفردية للمنتحرين، فنقول إنهم تلاميذ بنفوس مهتزة ومقاتلون انهارت أعصابهم على الطريق.
لكن تلك النظرة التى ترى كل حالة على حدة لا تكفى لفهم الموضوع. المسألة تحتاج إلى مراجعة تمس العملية التربوية، سواء على صعيد المدرسة أو الأسرة. تلك العملية التربوية التى تخلق الذعر من الامتحان والخوف من الفشل وتنميه وتغرزه فى نفس التلميذ إلى أن ينهى حياته على نحو فاجع، مبكرا فى عمر الزهور قبل أن يفيد وطنه ويستفيد منه وطنه. بعضهم ينتحر خوفا من الفشل حتى قبل لحظة المواجهة وقبل أن يتجه إلى الامتحان! إن الأسرة والمدرسة هما اللتان خلقتا للتلاميذ شعار الموت أو النصر، ولم تتركا لهم الباب مفتوحا لحلول أخرى. إما النجاح أو الفشل.
لم يقل أحد لأولئك التلاميذ ما قاله توماس أديسون، مخترع المصباح الكهربائى، حين فشل مئات المرات فصاح: «أنا لم أفشل، لكنى ببساطة وجدت عشرة آلاف طريقة لا تؤدى لنتيجة». لم يقل لهم أحد إن العلم تحصيل مستمر، والانتصار فيه ثمرة تراكم، والفشل عشرة آلاف مرة هو طريق النجاح الوحيد! بل كرروا لهم صباح مساء أن العالم كله سينهار إذا هو رسب، والعالم كله سيولد من جديد إذا هو تفوق وامتاز! ويرتعد التلميذ خوفا من الفشل! ومن ثم نخلق بأيدينا كائنا هشا خوافا ينكسر عند أول صدام وإخفاق. فهل هذا ما نريده لأبنائنا؟ وهل هذا الخوف هو ما يرجوه الوطن منهم؟
من ناحية أخرى تغرز المدرسة والأسرة معا فى عقل ونفس التلميذ أن التعليم النظامى المتجسد فى الامتحانات، وليس فى الفهم، هو كل شىء، لا شىء قبله ولا بعده. ولا يقول أحد للتلميذ إن هذا النوع من التعليم المدرسى جزء من التعليم وليس التعليم كله. لا يوسع أحد مفهوم التعليم لدى التلاميذ، منذ الصغر، بحيث يشمل فى عقولهم قراءة الأدب، ومشاهدة الأفلام الجيدة، والتردد على المسرح، وتذوق الموسيقا الكلاسيك وغيرها، لكننا نقدم مفهوما ضيق الأفق، أحادى الجانب، يضغط العالم ويشوهه، ويصبه فى أنبوب ضيق هو الامتحان والنتيجة.
لا يقال للتلميذ: إنك إن لم تستطع القيام بدورك كشخص يحمل شهادة جامعية، فإن بوسعك القيام بدورك فنانا، أو إنسانا، يسهم فى نشاط جماعة محو أمية، أو مواطنا مدافعا عن حقوق الغير. لا يلقنون التلاميذ أن أعظم شعراء العرب المتنبى لم يحصل على الثانوية العامة، وأن درجات أينشتين فى المدرسة كانت رديئة جدا، وأن توماس أديسون، صاحب الألف اختراع، طرد من المدرسة بدعوى أنه «غير قابل للتعليم»، ولا أن عباس العقاد لم يحصل إلا على شهادة الابتدائية، وأيضا مصطفى صادق الرافعى، وأن بيل جيتس- مخترع نظام ووندور للبرمجة- لم يكمل تعليمه فى كلية الحقوق بجامعة هارفارد، ولا يحدثونه عن أن توفيق الحكيم حصل على درجة صفر فى الإنشاء حين استكتبته حفيدته موضوع إنشاء لتقدمه باسمها فى المدرسة، فنالت عنه صفرا، وعادت إلى أمها، ودفعت إليها بالكراس وهى تقول لها: تفضلى. والدك الذى تتباهين به كاتبا حصل على صفر فى الإنشاء! إنهم فى المدرسة وفى الأسرة لا يوسعون أفق التلاميذ بنظرة أشمل لمفهوم التعليم، بل يخوفون أبناءهم من بعبع الثانوية العامة وغول الفشل إلى أن يخلقوا كائنا مرتعدا مذعورا ضيق الأفق ثم يقدمونه إلينا بصفته الأمل فى المستقبل! ترى هل يحتاج الوطن شبابا من هذا النوع سريع الانكسار، لا يرى الكون إلا ورقة أسئلة وقلما للإجابة عنها؟.
لابد لنا من مراجعة الطرق التى نربى بها أبناءنا فى المدرسة وداخل الأسرة لكيلا نحرمهم من الحياة ولا نحرم الوطن من حياتهم.

ads
ads
ads