القاهرة : السبت 18 نوفمبر 2017
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
ads
تحقيقات
الخميس 18/مايو/2017 - 07:28 ص

السنوات العجاف.. كيف دمر الإرهاب و«الصينى» ما تبقى من السياحة؟

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية
رامي حسين
dostor.org/1404160

عالم كامل بكل تفاصيله ظل مغلقا على أصحابه منذ الستينيات من القرن الماضى، دائرة مغلقة من الصانع إلى التجار إلى المستهلك، والمستهلك هنا ليس مصريًا ولا يتحدث لغتهم، ولكنه لا يخطئ لغة التحف التى يصنعونها بأيديهم فهى التى تتحدث عنهم، الاستقرار بالنسبة لهم هو الحياة هو «أكل العيش».. إنهم فنانو المهن اليدوية أصحاب الأصابع الذهبية وصنايعية القطاع السياحى.

 

6 سنوات عجاف عاشها أصحاب الحرف اليدوية منذ قيام ثورة 2011 حتى الآن، قطاع كامل يضم عشرات الحرف الدقيقة أصبح مهددًا بالانقراض، بعد أن تسببت حالة عدم الاستقرار الأمنى فى ضرب قطاع السياحة، الذى كان أرباب هذه الحرف يقتاتون منه.

 

«الدستور» اقتربت منهم وتعرفت على مشاكلهم وتنقل رسالتهم طلبا للإنقاذ، خوفا على مستقبل «التراث الشعبى» الذى يقولون إنه سينقرض خلال 3 سنوات على أقصى تقدير إذا ما استمر الحال على ما هو عليه.

 

صاحب «ورشة صدف»: سيبت الشغلانة.. وبقيت أصنع «عود»

اضطرت حالة الركود، التى ضربت قطاع السياحة، الحاج محمد البالغ من العمر 57 عاما إلى ترك المهنة التى ظل يعمل بها منذ أن كان عمره 7 سنوات، فهو يؤكد أن هذا الركود لم يشهد له مثيلا طوال حياته، حتى أيام نكسة 67، وقتها لم تطل فترة الانحسار مثلما هو حادث الآن: «يا أستاذ الورشة دى كان فيها 4 و5 صنايعية طفشوا عشان مفيش شغل».

 

محمد عبدالمهيمن، صاحب ورشة لأعمال الصدف، وشهرته لدى أصحاب البازارات بمنطقة نزلة السمان «محمد أبوشرطة» وهو يعشق الرسم والفن ويستطيع دمج الصدف مع أى شىء، سواء على الزجاج أو الخشب، وهو يقول: «دلوقتى خلاص أنا اتجهت للموسيقى وبقيت أصنع أعواد بدل من الشغل السياحى».

 

قبل الثورة كان عبدالمهيمن يصنع فى شهرين 3 صناديق مطعمة بالصدف والأحجار الكريمة ويزينها بالأشكال الفرعونية، يرسم الشكل فى البداية على ورق ثم يعيد تصميمه على الخشب، ومع تراجع أعداد السائحين أصيبت بضاعته بالركود فتوقف واتجه إلى مجال آخر.

 

يشير «أبوشرطة» إلى أن «الشغل الصينى» أصبح منتشرا لرخص ثمنه، وأدى إلى «وقف حال» العاملين بالحرفة، ويضيف: الشغل اليدوى الذى كنا نصنعه، يعشقه السائحون لأننا كنا نعتمد فيه على الصدف الطبيعى ولكن الصينيين يستخدمون الصدف البلاستيك أشبه بالورق، فأعمالهم خالية من الروح والبريق، ولكن رسمتى أنا «بتنطق من على الصندوق عشان شغل طبيعى».

 

بقرار من الحكومة تم وقف استيراد الصدف اليابانى، الذى يعتبر أعلى جودة، فوصل سعر الكيلو جرام منه إلى 10 آلاف جنيه بعد أن كان ثمنه 70 جنيهًا، وهناك أيضا الصدف الأستر الذى وصل سعره الآن إلى 125جنيهًا، بعد أن كان يباع بـ40 جنيهًا، وهناك أيضا الصدف الأحمر، الذى يجلب من البحر الأحمر، وصدف المحار الموجود فى الأرياف.

 

مالك معرض لـ«البردى»: «المضروب» خرب بيوتنا.. والسياح بيزورونا للمشاهدة فقط

لم يختلف الحال بالنسبة لصناعة لفائف البردى عن غيرها من الحرف المعتمدة بشكل أساسى على الرواج السياحى، فقد ضربها الركود فى مقتل وأجهز عليها دخول المنتجات المقلدة «والمضروبة»، ويشير سامح الجابرى، صاحب معرض لبيع ورق البردى، إلى أن انتشار الأعمال الصينية شوه سمعة المنتجات المصرية التى تتميز بالدقة والجودة العالية.

 

كانت صناعة البردى فى مصر، حتى وقت قريب، قائمة على واردات قرية القراموص بمركز أبوكبير بالشرقية، إذ كان الفلاحون يقومون بزراعة ما يقرب من 50 فدانًا من نبات البردى سنويًا لوجود طلب كبير عليه، أما حاليا فلا تتم زراعة سوى حوالى 4 أفدنة فقط، بسبب انخفاض الطلب عليه، ما اضطر الفلاحين للاتجاه لزراعات أخرى لكى يستطيعوا مواجهة صعوبات الحياة.

 

ويضيف الجابرى: يبلغ طول نبات البردى 4 أمتار، وبه نسبة سكر تصل إلى 25% ولهذا يخضع لعدة عمليات لاستخلاص السكر الموجود فيه، فيتم تقطيعه إلى شرائح ويترك فى الماء لمدة أسبوع فى حال إذا أردت أن تكون الورقة بيضاء، وأسبوعين إذا أردت أن أحصل على ورقة قديمة، وبعد ذلك يتم توضيب الشرائح طولا وعرضا ووضعه تحت المكبس لمدة 6 أيام وتساعد النسبة القليلة من السكر المتبقية فيه على التصاق الشرائح ببعضها تحت الكبس لتصبح ورقة كاملة، ثم تدخل بعد ذلك إلى مرحلة الرسم ويقوم الرسام باستخدام ألوان الماء الخاصة به فى ذلك.

 

العمليات التى تخضع لها أوراق البردى لاستخلاص السكر بحسب الجابرى هى التى تميز الصناعة المصرية عن «الورق المضروب»، فهى تعطيها عمرًا أطول وتمنعها من التمزق، بخلاف الورق الآخر الذى يتمزق بسهولة بالغة، كما أنها لا يمكن الرسم عليها فيقوم المقلدون بطباعة الرسومات عليها، ولهذا لجأ الرسامون لوضع علامات مميزة على ورقة البردى تظهر عند وضعها فى مكان مظلم فى شكل رسمة أخرى غير الرسمة الأصلية ليستطيع السائح التفرقة بين الأصلى والمضروب.

 

دفع عزوف الصناع عن الحرفة أسعار ورق البردى إلى الارتفاع، فالورقة التى كانت تباع بنصف جنيه قبل الرسم، وصل سعرها 6 جنيهات، أما سعر الرسم فيختلف على حسب شهرة الرسام فى السوق، وتتمركز المراسم فى مدينتى بنها والمحلة، ومن أشهر الرسامين هناك مراد الزهار وجمال المسيرى ومنصف لبيب وغيرهم من خريجى كلية الفنون الجميلة، ويبدأ سعر الورقة الأصلية من 200 جنيه ويصل إلى 4 آلاف جنيه أو أزيد، على حسب تقدير الرسام.

 

رسومات كثيرة ينفذها الرسامون، لكن أشهرها كارت الزواج عند قدماء المصريين الذى يجمع بين الزوج والزوجة ويتوسطهم نبات البردى، وكارت المحاكمة الفرعونية التى يظهر فيها الميزان رمزًا للعدل عند أجدادنا و14 إلهًا يحملون مفتاح الحياة، وهناك أيضا الرسومات القبطيه للسيدة مريم العذراء والسيد المسيح والرسومات الإسلامية وتتمثل فى كتابة الآيات القرآنية.

 

ويضيف الجابرى: حركة البيع والشراء أصبحت منعدمة، فالموجود حاليا سائح هندى أو صينى يأتى إلينا للمشاهدة فقط دون الشراء، فبعد أن كانت منطقة نزلة السمان تعج بالمئات من البازارات والسلع السياحية حولت نشاطها إلى كافيهات ومطاعم وهناك من هجر المهنة لارتفاع الإيجارات، فأقل إيجار للمحل يصل إلى 6 آلاف جنيه «إحنا بقالنا 6 سنين بنصرف من لحمنا الحى ومفيش حاجة بتخشلنا والشغل مرصوص على الحيطان زى ما إنت شايف».

 

الدكرورى: البضاعة مرصوصة على الأرفف

ورش تصنيع الذهب والفضة طالها هى أيضا ما طال غيرها من الحرف، وفى هذا الصدد يشير ناصر الدكرورى، صاحب ورشة لتصنيع الذهب والفضة، إلى أن ورشته كان يعمل بها 7 أو 8 صنايعية هجروا الورشة لعدم وجود سائحين وعدم قدرته على دفع يوميتهم، فأقل يومية للعامل تصل إلى 100 جنيه، وبعد تراجع السياحة لجأ هؤلاء الحرفيين للعمل بالمصانع بأكتوبر والعاشر من رمضان، كما أن جميع ورش تصنيع الذهب حولت نشاطها إلى الفضة بعد ارتفاع سعر جرام الذهب.

 

وأضاف الدكرورى «الزبون جاى من بلده بـ50 دولارًا.. عايزينه يشترى إزاى؟» فى الوقت السابق كان المرشد يطلب منى أن أقوم بعمل خرطوش أو أكثر، سواء فضة أو ذهب مدون عليه اسم السائح بالفرعونى وكان «فيه مكسب لينا وللمرشد»، ولكن حاليا منذ 6 سنوات ونحن لم نعد قادرين على الإنفاق على بيوتنا، خاصة مع الغلاء الفاحش لأسعار المنتجات، الأمر الذى زاد الأمور صعوبة، فكل ما لدينا من بضاعة مرصوص على الأرفف منذ قيام الثورة والورش لا تملك أى سيولة لتصنيع منتجات جديدة، وكل الموديلات الموجودة بالسوق قديمة.

 

الجابرى: 50% من الورش أغلقت أبوابها.. وحركة البيع «منعدمة»

رغم أن حركة السياحة آخذة فى التحسن منذ ديسمبر الماضى إلا أنه حراك وهمى، هذا ما يؤكده حازم الجابرى، صاحب بازار سياحى بمنطقة الهرم، أحد أبناء عائلة الجابرى، التى تعد من أقدم العائلات التى عملت فى مجال بيع السلع السياحية وقد بدأ نشاطها عام 1945 على يد مرسى الجابرى، مؤسس غرفة السلع السياحية، التابعة للاتحاد المصرى للغرف السياحية.

 

تعتمد المحلات المتواجدة فى منطقة الهرم مثل نظيرتها فى الأقصر وأسوان على حركة السياحة الثقافية التى تعانى بشدة خلال السنوات الماضية، وبحسب الجابرى فقد أصبح أصحاب البازارات متعطشين لرؤية السائحين، كما اضطر عدد كبير من بازارات خان الخليلى أو نزلة السمان وكذلك ورش التصنيع إلى إغلاق أبوابها، ووصلت نسبة الورش المغلقة إلى ما يقرب من 50% من إجمالى الورش.

 

وأضاف الجابرى أن حركة البيع والشراء تكاد تكون منعدمة، فهناك 40% من الورش التى كانت تعمل فى مجال الذهب الفرعونى حولت نشاطها إلى الفضة خاصة مع ارتفاع سعر جرام الذهب، كما أن باقى الحرف اليدوية كالخشب المطعم والنحاس وغيرها من السلع السياحية ستنقرض خلال السنوات القليلة المقبلة، أى أن التراث الشعبى الذى كان يمثلنا سيذهب أدراج الرياح.

 

ويتابع الجابرى: مناطق الجمالية والغورية والحسين التى كانت تعج بالورش والحرفيين اختفت، وحتى إذا وجدت ورشة لن تجد فيها إلا أصحابها دون صنايعية، كما أن عزوف العمالة الماهرة أدى إلى انتشار المنتجات الصينية التى لا تحمل الروح المصرية ولا جودة الصناعة اليدوية. أثر ضعف الإقبال على البازارات على قطاعات السحب الإلكترونى والبطاقات الائتمانية بالبنوك لاعتماد السائحين على الدفع بالبطاقه الائتمانية –الفيزا - وبالرغم من التخفيضات التى قامت بها المحلات كتحفيز للسائحين على الشراء بخصومات وصلت إلى 75% و50% لكن لم تعد هناك أى قوة شرائية للسائح الموجود حاليا.

 

عضو «مستثمرى جنوب سيناء»: الدولة مطالبة بالتدخل

شدد الدكتور عاطف عبداللطيف، عضو جمعية مستثمرى جنوب سيناء، على أهمية الحرف اليدوية مثل صناعة النحاس والسجاد والكليم والزجاج والبردى والرمل والخوص وغيرها من سلع «التراث الشعبى» باعتبارها مصدرًا للعملة الأجنبية، فهذه المنتجات اليدوية يتم بيعها للسائحين الذين يعشقونها ويقدمونها لذويهم كهدايا تذكارية من مصر.

 

وأبدى عبداللطيف أسفه على ما لحق بهذا القطاع من الحرف بسبب الأحداث السياسية والأمنية التى شهدتها البلاد خلال الفترة الماضية، علاوة على غياب الدعم والرعاية عن أصحاب هذه المهنة، ما أدى إلى هروب العمالة الماهرة منها، لافتًا إلى أن الصناعات الحرفية تراجعت وحل محلها الصناعات الصينية المقلدة التى تمثل عبئًا على الدولة كونها تأتى من الخارج بالعملة الصعبة ولا تكون بجودة وجمال المنتجات المصرية.

 

وطالب عبداللطيف الدولة بضرورة إنشاء مدارس فنية ومهنية لمثل هذه الحرف وتدريب الشباب عليها حتى لا تندثر، فهى تعبر عن تراث مصر، كما شدد على ضرورة قيام الدولة ممثلة فى وزارة التجارة والصناعة وهيئة المعارض ومركز تحديث الصناعة بمشاركة منتجاتنا من الصناعات الحرفية المختلفة من كليم وسجاد ونحاس وغيرها فى مختلف المعارض الدولية والعالمية، لأنها تسهم فى نقل الصورة الحضارية عن مصر للعالم وتجذب السائحين لزيارة مصر، للتعرف على هذه الحرف وتحقق عائدًا من العملة الصعبة.

ads