القاهرة : الإثنين 29 مايو 2017
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
ads
عالم
الجمعة 12/مايو/2017 - 06:45 م
خالد-عكاشة
خالد-عكاشة

كيف تشكلت «المناطق الآمنة » فى سوريا؟ (تحليل)

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

قدم معهد العالم للدراسات بالمملكة الأردنية قراءة مهمة لاتفاق أستانة الموقع مؤخرًا الذى ربما يدخل الأزمة السورية فى فصل جديد تمامًا، وتبدو لها علاقة وثيقة بما سيتباحث أيضًا فيه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى زيارته للمنطقة وطلبه الاجتماع مع الزعماء العرب، وفى هذا كتب رائد الحامد تلك الورقة البحثية التى تعد قراءة موقف جيدة، وضعت بعض الخطوط المهمة قيد الاستشراف بعد التوقيع وقبل اللقاء والصياغات الأخيرة.




روسيا وتركيا وإيران تفرض الالتزام بوقف إطلاق النار



وقع الخميس 4 مايو ممثلو الدول الراعية لمفاوضات أستانة «روسيا، وتركيا، وإيران»، على اتفاق لإقامة مناطق خفض التصعيد فى سوريا، على أن يدخل حيز التنفيذ السبت 6 مايو، وأكدت روسيا أنه سيتم تطبيقه خلال ستة أشهر قابلة للتمديد، بينما أعلن وفد المعارضة أنهم ليسوا جزءًا من الاتفاق الذى أيده رئيس وفد الحكومة السورية ودعا لتنفيذه فى «أقرب وقت ممكن».

وشاركت الولايات المتحدة فى المفاوضات بصفة مراقب من خلال حضور ستيوارت جونز، مساعد وزير الخارجية، كما أن الوفد الرسمى السورى رأسه ممثل الحكومة فى الأمم المتحدة بشار الجعفرى، ورأس وفد المعارضة محمد علوش، من هيئة المفاوضات.

قدم وفد المعارضة السورية، ورقة تضمنت المطالبة بانسحاب قوات النظام من المناطق التى سيطرت عليها بعد توقيع وقف إطلاق النار فى 30 ديسمبر 2016م، ومنها وادى بردى وحى الوعر والمعضمية والزبدانى، وتسهيل عودة المهجرين إليها، كما شددت على خروج كل الميليشيات الموالية لإيران عبر اتخاذ إجراءات فعلية وصارمة تفضى إلى ذلك.

واتفقت الأطراف الموقعة على اتفاق «أستانة 4»، على عقد جولة قادمة من المفاوضات فى منتصف يوليو القادم، يسبقه اجتماع تشاورى للخبراء يعقد فى العاصمة التركية مطلع الشهر نفسه. وكما فى جميع جولات مفاوضات أستانة السابقة، افترض البيان الختامى لمفاوضات «أستانة 4» بشكل قطعى أن الأزمة السورية «لا يمكن حلها عسكريًا، وبالتالى لا يمكن حلها إلا عبر الجهود الدبلوماسية، وقرارات مجلس الأمن الدولى». كما أكد فى المرات السابقة «عزم الدول الراعية، على محاربة تنظيم الدولة وجبهة النصرة «جبهة فتح الشام» والفصل بينهما وبين مجموعات المعارضة السورية المسلحة».

ولم ينص اتفاق «أستانة 4» على إقامة مناطق آمنة استجابة للمطالب التركية المتكررة، وحدد الاتفاق عددا من المناطق ستكون خاضعة لتعريف «مناطق خفض التصعيد». ولإقامة المناطق تشترط روسيا عدم تسجيل أى نشاطات عسكرية فى مقابل وقف إطلاق النار، ووقف تحليق الطيران العسكرى فى تلك المناطق، مع الاستمرار فى قتال جبهة فتح الشام وتنظيم الدولة والجهات القريبة منهما.

اقتصر اتفاق «أستانة 4» على تحديد أربع مناطق رئيسية، يتم اتخاذ الخطوات لخفض التوتر فيها، تبدأ من قيام الدول الثلاثة روسيا وتركيا وإيران، بفرض الالتزام بوقف إطلاق النار على جميع الأطراف المتحاربة، وفى الجانب العملياتى تتطلب مثل هذه الخطوات، نشر قوات عدد من الدول المحايدة إلى جانب قوات من الدول الثلاث، للفصل بين قوات النظام وفصائل المعارضة المسلحة. وحدد الاتفاق مناطق رئيسية لخفض التصعيد فى محافظات إدلب وشمال حمص والغوطة الشرقية وجنوب سوريا، بهدف «وضع حد فورى للعنف، وتحسين الأوضاع الإنسانية، وتهيئة الظروف للنهوض بالتسوية السياسية للنزاع الداخلى»، إضافة إلى ضبط الأعمال القتالية بين الأطراف المتنازعة، بما فى ذلك «استخدام أى نوع من الأسلحة بضمان الدول الراعية للاتفاق».

لم يتضمن البيان الختامى، أى إشارة إلى عدم السماح للولايات المتحدة بتنفيذ ضربات جوية داخل مناطق خفض التصعيد، واقتصار عملياتها على مناطق سيطرة تنظيم الدولة. لكن المبعوث الخاص للرئيس الروسى لدى سوريا إلكسندر لافرنتييف اعتبر أن «عمليات التحالف الدولى، ليست واردة إطلاقًا سواء بإنذار مسبق أو غير ذلك»، وشملت مناطق خفض التصعيد «كامل محافظات إدلب واللاذقية وحلب، وأجزاء من محافظات حماة وحمص ودرعا والقنيطرة، ومنطقة الغوطة الشرقية بريف دمشق، إضافة إلى أجزاء من محافظتى درعا والقنيطرة».

لتطبيق الاتفاق، سيتوجب على روسيا التفاوض مع تركيا مباشرة، فيما يتعلق بمناطق خفض التصعيد فى «إدلب، وريف اللاذقية، وريف حلب الشمالى، وريف حماة الشمالى» وهى مناطق سيطرة الفصائل المعتدلة القريبة من تركيا.

كما يتوجب على روسيا التفاوض مع الأردن والولايات المتحدة ودول خليجية، مثل السعودية والإمارات، فيما يتعلق بمناطق خفض التصعيد فى «الجبهة الجنوبية، وغوطة دمشق الشرقية».

وسيكون على روسيا التفاهم مع الولايات المتحدة، بعد زيادة نشاطاتها العسكرية على الحدود الشمالية للأردن، واحتمالات توسيع انتشارها إلى مناطق «جنوب سوريا فى محافظة درعا» بالاشتراك مع قوات أردنية وبريطانية، وتعد أجزاء من جنوب سوريا من المناطق المشمولة باتفاق خفض التصعيد فى الجبهة الجنوبية.





22 مايو.. الموعد النهائى لاستكمال تعريف خرائط مناطق خفض التصعيد



وفقًا لنص الوثيقة الروسية، فإنه على الدول الضامنة «روسيا وتركيا وإيران» تولى مهمة تشكيل فريق عمل مشترك فى غضون خمسة أيام، لتحديد المناطق المشمولة بخفض التصعيد، على أن يكون يوم 22 مايو موعدا نهائى لاستكمال تعريف خرائط مناطق خفض التصعيد. وسيتوقف «الطيران الروسى، والطيران السورى» عن التحليق فوق مناطق خفض التصعيد، كما سيتم اتخاذ التدابير اللازمة لمواصلة القتال ضد جبهة فتح الشام وتنظيم الدولة، وغيرهما من المنظمات التابعة لهما فى داخل مناطق خفض التصعيد، ويتم ذلك عن طريق مساعدة القوات السورية وفصائل المعارضة المسلحة.

ومن بين آليات تنفيذ الاتفاق، وضع «نقاط تفتيش، ومراكز مراقبة» لضمان تنفيذ وقف إطلاق النار بمشاركة القوات السورية وفصائل المعارضة المسلحة، ونشر وحدات عسكرية للدول المشاركة فى تنفيذ الاتفاق.

وركزت روسيا على أن «تكون مناطق خفض التصعيد، متضمنة آليات ضبط العمليات القتالية، يتم الاتفاق عليها لاحقا عبر مشاورات خبراء عسكريين من الدول الثلاث». لكن هذه الدول لا تملك ما يكفى لفرض رؤيتها على جميع الأطراف التى تحمل السلاح، التى يمكن لتركيا مثلا أن تلعب دورا فى التأثير على بعض الفصائل المسلحة، لكنها لا تستطيع فرض ذلك على الجميع.

ستكون المناطق المشمولة بالاتفاق خارج مناطق سيطرة جبهة فتح الشام أو تنظيم الدولة، وسيفرض الاتفاق على فصائل المعارضة المسلحة فصل مناطق سيطرتهم عن مناطق سيطرة الجبهة والتنظيم. لكن مناطق سيطرة جبهة فتح الشام تقع فى مناطق جغرافية مشمولة باتفاق خفض التصعيد ضمن محافظة إدلب وجنوب سوريا وفى الغوطة الشرقية أيضا، وهى مناطق متداخلة مع مناطق سيطرة الفصائل المعتدلة، التى تنتظم بعضها فى تحالف هيئة تحرير الشام الذى تشكل الجبهة الفصيل الأكثر قوة فيها.

ستواجه تركيا صعوبات فى الضغط على المعارضة المسلحة، أو إقناعها بقتال جبهة فتح الشام، طالما ظلت قوات النظام غير ملتزمة بوقف الأعمال العدائية. كما أن كلا من إيران وروسيا بصفتهما الدولتين الضامنتين لالتزام قوات النظام، لم تفعلا ما يكفى لفرض اتفاق وقف إطلاق النار منذ توقيعه فى 30 ديسمبر 2016م.

كما أن قوات النظام واصلت خرقها لاتفاق وقف إطلاق النار واستغلال التزام فصائل المعارضة المسلحة، باستعادة المزيد من الأراضى فى ريف حماة والغوطة الشرقية وريف حلب الجنوبى والجبهة الجنوبية، ومواصلة سياسات التهجير القسرى ومحاصرة المدن والمناطق، ومنع دخول المساعدات إليها، وهو ما يعنى أن النظام السورى قد لا يلتزم هذه المرة أيضا ببنود الاتفاق.

روسيا الطرف الأهم بين الدول الراعية لمفاوضات «أستانة»، لم تتخذ ما يكفى لتنفيذ التزاماتها، بوقف هجمات قوات النظام على مناطق المعارضة والقصف الجوى، وبدت روسيا أمام احتمال عدم قدرتها على ممارسة الضغط على الحكومة السورية، أو أنها غير راغبة فى تنفيذ الالتزامات التى وقعت عليها.

ستواجه المعارضة المسلحة صعوبات فى تنفيذ اتفاق «أستانة 4» فيما لو وقعت عليه، كما أن موقفها سيكون معقدا فى الاستجابة للمطالب التركية، بصفتها الطرف الضامن لالتزام الفصائل فى فصل الجماعات «الإرهابية» عن المعتدلة. بما فيها جبهة فتح الشام التى تتحالف فى هيئة تحرير الشام مع عدد من الفصائل المصنفة على قائمة الفصائل المعتدلة، التى ستلعب دور المراقبة إلى جانب قوات الحكومة السورية فى خطوط التماس بين مناطق سيطرتهما.




حظوظ الحكومة السورية فى البقاء

لا تبدو فى الأفق، علامات تشير إلى احتمالات نجاح اتفاق «أستانة 4» فى إقامة مناطق خفض التصعيد، وتطبيقه فى المدى المنظور، طالما أن الدول الضامنة فشلت فى إلزام الأطراف المتحاربة بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وتثبيته طيلة الأشهر الماضية، لكن ثمة متغيرات يمكن البناء عليها، لافتراض التزام الأطراف المتحاربة والدول الضامنة باتفاق مناطق خفض التصعيد، وسيترتب على هذا:

أولا: سوف لا يكون بمقدور القوات السورية مهاجمة محافظة إدلب، مركز تجمع مقاتلى الفصائل السورية الذين تم إخراجهم من مناطقهم، بموجب سلسلة من اتفاقات الهدن، والمصالحات على مستوى المناطق بين القوات السورية ومقاتلى المعارضة المسلحة.

ثانيا: سيتيح الاتفاق للقوات السورية، ترشيد استخدام مقاتليها وسحبهم من خطوط التماس مع فصائل المعارضة المسلحة، إلى مناطق سيطرة تنظيم الدولة فى ريف حمص الشرقى ودير الزور والرقة، إضافة إلى تأمين سيطرته على المناطق الحدودية مع تركيا والأردن فى مراحل لاحقة.

ثالثا: سيعزز الاتفاق حظوظ الحكومة السورية، فى البقاء ضمن أى تسوية سياسية مقبلة.

رابعا: فى قراءة للبند المتعلق بقتال جبهة فتح الشام وتنظيم الدولة، يمكن أن يكون وقف إطلاق النار مع المعارضة المسلحة، بداية التركيز بشكل أكبر على قتال التنظيمين، وسيمثل هذا دافعا للدول الأخرى لتقديم المزيد من المساعدات للمعارضة المسلحة.

خامسًا: فى حال قبول المعارضة المسلحة بمخرجات «أستانة 4» والبند المتعلق بقتال المجموعات «الإرهابية»، فإن ذلك سيوفر لها فرصا للحصول على الدعم الدولى، بما يتيح إعادة رسم خريطة توازنات القوى المسلحة على الأرض مع قوات النظام السورى والقوات الحليفة، بما يحسن ظروف التفاوض مستقبلا فى جنيف.



ads