القاهرة : الثلاثاء 25 أبريل 2017
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
ads
تحقيقات
الجمعة 24/مارس/2017 - 08:06 ص

المفكر السورى قال إن السعودية فى «موقف دفاعى» أمام «توسعية خامنئى»..

برهان غليون: إيران فجرت الصراع السنى الشيعى لخدمة مشروعها الإمبراطورى.. «حوار»

برهان غليون
برهان غليون
حنان عقيل

فى اللحظات الحرجة والضبابية من تاريخ الأمم، عندما تصير مآلات الأوضاع أكثر خزيًا مما ينبغى وأبعد ما تكون عما أرادته الشعوب، يصبح الرجوع إلى التاريخ ضرورة لا يمكن الحيد عنها، ليس من باب الهروب إليه، ولكن لاستنطاقه عما تسبب فى كل هذا الخراب والمصائر السوداوية للبلدان العربية، يصير استيعاب دروس الماضى ضرورة لفهم الحاضر واستقراء المستقبل.

بدأ هذا الحوار مع المفكر السورى برهان غليون انطلاقًا مما قاله فى كتاب له بعنوان «الوعى الذاتى»: «إنه لا يمكن لممارسة جديدة أن تنشأ اليوم ما لم تستوعب دروس الماضى، ولن يتمكن النقد من القيام بدوره ما لم يضع نصب عينيه حركة جديدة وممارسة جديدة، وهذا يتطلب التزامًا أوليًا بمبادئ ومُثل لا يمكن أن يتجنب الانطلاق منها أى نقد جذرى»، ومن هنا بدأ الحديث عن الأيديولوجيات المتصارعة عبر التاريخ، الفكر العربى وأزمته مع التنوير، لننطلق بعدها للحديث عن التنظيمات المتطرفة وتناميها فى ظل خطاب إسلامى مأزوم، ثم تبيان أوجه الأزمة السورية التى تستفحل يومًا بعد الآخر وسط عجز عربى وتخاذل دولى.. وإلى نص الحوار:



■ يعيش الفكر العربى منذ عدة عقود فى صراع مع أيديولوجيات تُشكِل خطوطًا متوازية لا يكتب لها اللقاء، ما بين العلمانية والأصولية والاشتراكية وغيرهما، ما الذى جنته الدول العربية على مدار تاريخها من هذا التنافر الفكرى؟ ثم كيف ننظر الآن لكل تلك الأيديولوجيات المتصارعة؟

- هذا التنافر هو جزء من الصراع الفكرى والأيديولوجى الذى هو جزء من الصراع الاجتماعى والسياسى. وأقصد أن هذا واقع تاريخى تكّون عبر حقب طويلة ولعبت فى تكوينه عوامل كثيرة أيضا، وأهمها الأزمة التى تعيشها المجتمعات العربية منذ نهاية عصر الهيمنة العثمانية والسلطانية عمومًا وبزوغ شمس الحداثة وما أطلقته من أفكار ونمته من قيم تحررية، بالمقارنة مع الاستقرار الفكرى والسياسى الطويل الذى واكب نشوء الإمبراطوريات التقليدية. وهو شكل من أشكال الفوضى الفكرية والسياسية التى نعيشها. وتغييره يستدعى فهمه، حتى تخرج النخب بخلاصة وقيم ومعايير وأفكار مشتركة ومناهج واضحة للتعامل مع الاختلافات وإدارتها فى مناخ من السلام والقبول المتبادل.


■ كثير من القيادات الفكرية تدعو للدوران فى فلك الغرب كسبيل للتقدم والنجاة، وهو ما أطلقت عليه فى وقت سابق «التمحورية الأوروبية».. هل ترى من ضرورة للتخلص من تلك الفكرة؟

- كنا مستلبين للغرب بمقدار ما كنا نفتقر لتجربة عميقة ذاتية، وكانت أفكارنا التحررية مرتبطة بالفعل بالتجربة الغربية ومحيلة دائما إليها. ثورات الربيع العربى أخرجتنا من هذه الإشكالية. الصراع من أجل الحرية لم يعُد ثقافة غربية، لقد أصبح حقيقة عربية. 


والوصول إلى نظام الحرية يمثل، اليوم، التحدى الأكبر للنخب المثقفة والسياسية فى مجتمعاتنا، سواء حققت ثورات الربيع العربى بعض أهدافها أو فشلت فيها فى الجولة الأولى من هذه المعركة التاريخية.


■ قلت فى وقت سابق «من أجل ألا نسير إلى الاستلاب للماضى أو الحاضر الغربى والآخر، علينا أن نبدأ من الكفاح من أجل الحرية». بعد ست سنوات من الربيع العربى هل ترى أن الحل لايزال كامنًا فى الكفاح من أجل الحرية؟

- نحن اليوم فى مناخ وسياق مختلفين تماما. الشعوب نفسها رمت بنفسها فى المعركة من أجل الحرية والخلاص من الاستلابات الفكرية والسياسية. ونحن جميعا اليوم منخرطون فيها، بعضنا مع الشعب وبعضنا ضده من أجل مصالح خاصة احتكارية. وما أسهم فى تعثر الثورات الديمقراطية ليس غياب الأيديولوجية الفكرية ولكن مصالح النخب الحاكمة والسائدة.


 هناك نخب تريد الحرية لها وحدها، وترفض أن تفتح النظام على الجمهور الواسع، إما لأنها لا تثق به أو لأنها تستهين بحقوقه ومقدراته.


■ هل تعتقد أن هناك ضرورة راهنة لتجديد الفكر القومى العربى؟

- نحن «نوصى» بتجديد الفكر كما نوصّى على طبق «فلافل» فى مطعم. الفكر يتجدد فى الصراع الفكرى والاجتماعى، تتبلور المفاهيم وتتنقح وتنضج الإشكاليات وتتحدد المناهج وتتعرف المجتمعات على الأهداف والغايات أو توحدها. فالتجديد جار منذ عقود، وهو الذى أنتج الثورات، لكن لا يستطيع أن يلحظ ذلك إلا المشاركون فى المعارك الفكرية والسياسية. الذى يعيش خارج الصراع لا يرى إلا ثباتًا وجمودًا دائمًا.


■ فى كتابه «صراع الحضارات» يؤكد المفكر الأمريكى صمويل هنتجون أن الإرهاب نتج عن حروب بين المسلمين قد تتطور إلى صدام كبير للحضارات بين الإسلام والغرب، أو بين الإسلام وبقية العالم.. إلى أى مدى تعتقد أن هذا الطرح يُمثِل الواقع الراهن؟

- لا علاقة للإسلاموفوبيا بصراع الحضارات. الخوف من الأجنبى والعنصرية كانا موجودين فى أكثر المجتمعات حتى لا نقول كلها، وفى كل العصور. الذى اختلف فى مجتمعاتنا هو أننا أصبحنا نفكر بشكل أوسع، ونرى المجتمعات فى ضوء ثقافة أو حضارة إنسانية واحدة، ونرفض فى أخلاقنا مفاهيم العنصرية والتمييز بين البشر لأننا نتبنى لا شعوريا عقيدة المساواة والمشاركة فى إنسانية واحدة. ولا توجد اليوم قوى منظمة يمكن أن تجمع أبناء حضارة واحدة، ولم يعد أبناء أى حضارة أو ثقافة يعيشون بشكل واحد وفى إطار ثقافى وجيوسياسى وسياسى واحد. العالم أعقد من ذلك بكثير. داخل الدوائر الحضارية توجد ثقافات ومجتمعات وشعوب متميزة ومنظمة بصورة مستقلة ومتعددة، وتعيش نزاعات سياسية وفكرية وقومية داخلها وفيما بينها تؤثر فى مصير الدول أكثر مما تفعله مشاعر انتمائها للإسلام أو المسيحية، التى تحولت بالفعل إلى انتماءات رمزية. الحسابات الاقتصادية والجيوسياسية والاستراتيجية هى اليوم بالنسبة لجميع الدول والمجتمعات ذات الأثر الأكبر فى حسابات الحرب والسلام.


■ كيف يمكن التأسيس لمشروع نهضوى تنويرى عربى؟ وما تقييمك لحال الثقافة العربية اليوم؟

- أفنى المثقفون العرب أجيالهم فى التأسيس لمشاريع نهضوية تنويرية وغير تنويرية ولم يجنوا أى فائدة من ذلك. التأسيس للتنوير والحرية والنهضة يتم مع الشعب وبه وبالعمل ضمن صفوفه. فى الواقع كل ما قام به المثقفون أو أكثر ما قاموا به كان بدافع الاستقلال عن الشعب والخوف منه وبعضهم العداء له والسعى إلى تحييده وتكبيله وكسر إرادته ووضعه فى الأقفاص والقيود. هذا هو أصل المشكلة الفكرية والثقافية العربية. مثقفون مخصيون لأنهم مقطوعون عن شعوبهم ولا قاعدة حقيقية لهم، يحلمون بجنة موعودة تأتى من خارج الشعب والمجتمع وعلى أنقاضهما. النتيجة هى مجتمع معاد للنخب وللثقافة وبعضه للحياة نفسها.


■ إلى أى مدى تعتقد أن الصبغة الطائفية صارت محركة لأزمات المنطقة العربية؟ وكيف يمكن التغلب على ذلك؟

- لا أعتقد ذلك. الطائفية أداة من أدوات الصراع السياسى وبشكل خاص الجيوسياسى فى المنطقة اليوم، وليست محركه. المحرك هى مصالح دنيوية محضة. طهران فجرت الصراع السنى الشيعى لتستفيد من تعبئة الأقليات الشيعية العربية وتحويلها إلى مقاتلين فى خدمة مشروعها الإمبرطورى التوسعى فى المشرق.


 طائفية السنة، فى هذه المعركة القائمة، دفاعية محضة. وليست دوافع الحركات السلفية الجهادية المتطرفة بالأساس طائفية ولكنها سياسية وقومية مقنعة: العداء للغرب وللولايات المتحدة بشكل خاص. وأكثر فأكثر ستصبح معادية لروسيا أيضا بعد تدخلها فى قمع التطلعات العربية.


■ متى يمكن التأسيس لديمقراطية حقيقية فى العالم العربى فى ظل استبداد سياسى وآخر دينى ملازمين للعرب؟

- لم يبدأ العد بعد لولادة الديمقراطية العربية. يبدأ العد فى اللحظة التى تتسلم السلطة فيها نخب تعترف بالشعب وتعتبره أمانة فى رقبتها وتعتبر أن واجبها هو خدمته وتطوير حياة الفرد وتحسين وضع البلاد. نحن لا نزال بعيدين جدًا عن هذا. لا تزال النخب تتصرف كما لو كان عدوها الأول هو الشعب لأن ثقافته ليست نسخة طبق الأصل لثقافتها وقيمها واعتباراتها. العلمانية تعتبره متدينا أكثر من اللزوم، والإسلامية تعتبره فاسد الدين يحتاج إلى أسلمة وتأهيل دينى جديد.


■ هل تعتقد أن الخليج فى مأمن من تداعيات تفاقم أزمات المنطقة؟ وما التداعيات الحالية والمستقبلية للصراع الخليجى «السعودى تحديدًا»- الإيرانى على المنطقة؟

- لا أحد فى مأمن من الأزمة، لأن نظمنا العربية جميعها تسبح فى أزماتها. الفرق بين أزمة متفجرة وأزمة تنتظر. والصراع فى المنطقة ليس سعوديًا إيرانيًا، كما يوحى السؤال، ولكنه صراع إيران الخامنئية، أى ذات النزعة الإمبراطورية والتوسعية، ضد العرب، فى سوريا والعراق ولبنان واليمن والسعودية والخليج عموما. وإذا لم نفهم حقيقة الصراع هذا فلن نستطيع أن نرد عليه. السعودية كبقية عرب المشرق فى موقف دفاعى وضعيف أيضا لا فى منطق هجومى وتوسعى. التوسعية هى سياسة إيران لا العرب. ولا توجد أى ميليشيا عربية فى أراضى إيران، ولا حتى فى الأراضى العربية التى تتعرض للهجوم الاستراتيجى الهمجى الخامنئى.


■ كيف تنظر إلى تنامى ظاهرة التنظيمات المتطرفة ومنها داعش، وما العوامل التى دفعت ببزوغها وتمددها؟

- «داعش» والتطرف والإرهاب فى العالم العربى وغير العربى- رد فعل خاطئ على السياسات الخاطئة التى اتبعتها الدول العربية ولكن، بشكل أكبر، السياسات الغربية والولايات المتحدة، ثم الآن الروسية التى لا تخفى عداءها للإسلام كدين. وجوهر خطئها هو سياسة الغش والخداع التى اتبعها الغرب وقلدتها نخبنا العربية، تجاه الشعوب العربية، وتجنيدهم فى معاركها ولخدمة مصالحها ثم رميهم للكلاب.


 وهذا ما حصل منذ بداية القرن الماضى عندما دفع العرب للثورة على الإمبراطورية العثمانية مقابل السماح لهم بتأسيس مملكة عربية تضم عموم الناطقين بالعربية فى آسيا، قبل أن تنقلب الوعود إلى خناجر لتقسيم المملكة التى ولدت ميتة وتقطيع أوصالها لإرضاء الحركة الصهيونية وبعض الأسر المالكة العربية. وهذا ما لا يزال يحصل من دون خجل ولا تأنيب ضمير إلى الآن. 


وهو ما حصل تجاه الشباب العرب الذين توجوا «المجاهدين» وقامت المخابرات المركزية الأمريكية بتدريبهم وتنظيمهم وتسليحهم لحربها فى أفغانستان قبل أن تطلب من حكومات دولهم بعد انتهاء مهمتهم قتلهم أو رميهم فى السجون حتى الممات. أسوأ ما جاءت به السياسات الاستعمارية وما بعد الاستعمارية الغربية هو الخداع والتلاعب بمصير الشعوب والجماعات. الخديعة تولد الانتقام. وليس للحركات والمنظمات الإرهابية سوى هدف واحد هو الانتقام. ولذلك لا تتوجه هذه الحركات نحو الصين وإفريقيا وآسيا، بالرغم من اختلافها فى الدين، ولكن نحو الدول التى استخدمتها لخدمة مصالحها الخاصة وحولتها أو أرادت تحويلها إلى أدوات.


■ وما السبيل نحو التخلص منها برأيك؟

- لا يمكن مواجهة التطرف والإرهاب اليوم من دون تجفيف المستنقعات التى ينبت فيها، وهذه المستنقعات ليست سوى القهر والاحتقار والذل التى تعامل بها الدول الكبرى المتقدمة الشعوب الفقيرة. المنظمات الإرهابية عارض لمرض خطير أكبر هو مرض احتقار الشعوب وتهميشها وتدمير أسس استقرارها وتقويض مستقبلها.


■ لننتقل إلى الوضع الراهن فى سوريا.. ما الدور المرتقب لكل من روسيا وأمريكا فى التوصل لحل الأزمة السورية؟

- هما يبحثان عن حل لنزاعهما وتنافسهما فى المنطقة، على جثة الشعب السورى، لا عن حل للقضية السورية التى هى قضية واضحة كالشمس: وضع حد لنظام العنف والقتل والمجازر الجماعية المسمى نظام الأسد. ليس فى سوريا قضية أخرى غيرها. وهذا هو الحل الذى يريده الشعب السورى والمعارضة والذى لا تريده أمريكا ولا روسيا.


■ كيف تقرأ الموقف الإيرانى من الأزمة السورية؟

- إيران هى الموقدة الرئيسية للحرب على الشعب السورى، وهى التى حرضت الأسد على استخدام أقصى درجات العنف وضغطت عليه لمنعه من الدخول فى أى تسوية.


 إيران تريد أن تدفع المشرق إلى فوضى عارمة حتى تستطيع أن تتصيد فى الماء العكر وتحقق برنامجها التوسعى، وأداتها استخدام الأقليات المذهبية وتشجيع التشيع وبناء مستوطنات تابعة لها فى المناطق الاستراتيجية فى سوريا، على أمل أن تستطيع السيطرة على بلد تفصله عنه آلاف الكيلومترات عدا الخلافات المذهبية والدعم اللامحدود للديكتاتورية الدموية لعائلة الأسد.


 وسوف تخرج بالتأكيد خاسرة من هذه الحرب بعد أن تكون قد دمرت المشرق بأكمله لصالح إسرائيل وحدها.


■ ماذا عن الدور العربى فى الأزمة السورية؟ هل خرج من المعادلة كلية فى المنطقة؟ وبم تفسر الغياب عن طاولة اجتماعات الأزمة السورية؟

- الدور العربى يليق بالجامعة العربية التى ظهرت خلال الأزمة السورية والعربية عموما على أنها قوقعة فارغة. 


أما الدول فقد تباينت سياساتها، بين داعم للمعارضة السورية ومحايد ينتظر النتيجة حتى يقرر موقفه، وضالع فى السعى للقضاء على الثورة.


■ ما توقعاتك للجولة القادمة فى جنيف بعد إدراج «الانتقال السياسى» كملف رئيسى؟

- لا شىء. طبخة حصى. هى محاولة لتسكين ألم السوريين بانتظار أن تتفاهم الدول المتنازعة على تقسيم مناطق النفوذ وتوزيع المصالح والحصص فى سوريا المحتلة والمحطمة.


■ كيف تقيّم أداء المعارضة السورية «السياسية والمسلحة»؟ وهل هى بحاجة لمراجعة آلياتها وأدواتها؟

- لا توجد فى النظم الدموية معارضات إلا فى زنازين السجون وفى الأقبية المغلقة تحت الأرض. وليس لهذه النظم برنامج سياسى آخر سوى قتل المعارضة وتصفيتها وسحقها حتى لا يبقى من يسألها عما تفعل أو يحرض الشعب عليها. هذه كانت حالة السوريين.


 وما ظهر كأنه معارضة بعد الثورة لم يكن سوى لفيف من المثقفين والفنانين والطلبة والأطباء والمحامين تحمسوا للثورة وحاولوا أن يدعموها، من دون أن يحلموا بقيادتها، لكنهم يفتقرون للخبرة، وقبل ذلك، للانسجام الذى لا ينجم إلا عن تجربة مشتركة طويلة. لا تولد ممارسة حية وفاعلة إلا عبر تجربة حقيقية معيشة.


 وتجربة المعارضة السورية الوحيدة كانت فى سجن تدمر وصدنايا وغيرهما من السجون التى لا تحصى، والتى اكتشفت المنظمات الإنسانية أخيرا أن الاسم الصحيح الذى ينطبق على عملها هو المسالخ البشرية، ومضمون هذه التجربة هو مقاومة الموت وتحمل التعذيب الوحشى وسلخ إنسانية الإنسان لا الممارسة السياسية من أى نوع.


لكن ليس المهم فى الثورة السورية المعارضة ولكن الشعب الثائر الذى قدم أبناءه للموت دفاعا عن حقه فى العيش بكرامة، من دون تهديد يومى بالاعتقال والموت تحت التعذيب، ومن دون تمييز وتحقير وإذلال فى كل مؤسسات الدولة ولأى معاملة. 


وقد عوضت روح الفداء والتضحية التى أظهرها الشعب ضعف المعارضة ونقص خبرتها، وكادت تسقط النظام فى السنة الأولى وتقوض أركان جيشه العرمرم، وتفت فى عضد أجهزته الاستخباراتية. لم ينقذه إلا تدخل الدول التى كان وجوده أكبر خدمة لمصالحها، وعلى رأسها إيران الطامعة إلى مد سيطرتها حتى المتوسط باسم الهلال الأخضر أو الشيعى لتصبح قوة إقليمية معتبرة ودولية مهابة، واسرائيل التى حققت حلمها بحدود آمنة مع سوريا لم تعكرها طلقة واحدة لنصف قرن، بالرغم من ضم الجولان المحتل وإلحاقه بها وروسيا التى تريد أن تنتقم لنفسها وتستعيد كرامتها التى أطاحتها العقوبات الغربية.


فى سوريا لم تكن المعارضة موجودة إلا رمزيا قبل 2011. إنها تولد اليوم فى الثورة وعلى هامشها. وهى تواجه قبل أن تولد تحديات لا حدود لها: تصفية الاستبداد، وتطهير البلاد من الميليشيات الأجنبية والمحلية، وإعادة بناء الدولة ومؤسساتها التى تحولت إلى إقطاعات شخصية لعصابات الشبيحة، وتحرير البلاد من الاحتلالات والوصايات الأجنبية.


 وهى تحديات تبرز دفعة واحدة، فى الوقت الذى يتراجع فيه الموقف الدولى ويصيب الشلل الجسد السياسى العربى الهزيل، بينما تبدو مئات ملايين العرب ضائعة من دون إرادة ولا قيادة ولا اتجاه.. فى سوريا دفنت الديمقراطية العربية ومنها سيكون بعثها.

ads