القاهرة : الجمعة 27 أبريل 2018
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
تقارير ومتابعات
الأحد 05/فبراير/2017 - 10:37 م

الحاخام المصري.. حكاية إسحاق كوهين من عابدين إلى تل أبيب

إسحاق كوهين
إسحاق كوهين
سارة شلبي
dostor.org/1301872

فى العاشر من مارس 2016، سمحت سلطات مطار القاهرة لـ«حاخام يهودى» يدعى «إسحاق كوهين» بالدخول لأرض البلاد قادمًا من ولاية شيكاغو فى أمريكا، وقتها قال «كوهين» فى تصريحات صحفية إنه جاء لزيارة مصر ضمن وفد أمريكى جامعى مختص بالشئون الشرقية والعربية، بعدها ولمدة 3 أيام ظهر الرجل بشكل مريب ولافت للنظر فى شوارع المحروسة، خاصة شارع باب اللوق فى القاهرة، ودخل بعض كنائس وسط البلد وتحدث إلى الأقباط وبعض الأساقفة، وفجأة ظهر فى محافظات الصعيد ثم الإسكندرية، حيث يقطن قدامى اليهود، وأخذ يلتقط الصور الفوتوغرافية مع الأهالى هناك.

المفاجأة التى تكشفها «الدستور» أن الحاخام الإسرائيلى الذى تخطى الـ60 عاماً من عمره، ولد وتربى صغيرًا فى منزل شعبى بشارع عابدين فى القاهرة، لكنه رحل وأسرته بعد اتهامه من قبل جمال عبدالناصر بالتجسس لصالح إسرائيل، وحين تم اعتقال والده على إثر تلك التهمة، هرب إلى إيطاليا ومنها إلى إسرائيل، حيث استقر وأصبح حاخامًا بالوراثة، ثم انتقل بعد ذلك إلى الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن السلطات المصرية وضعت اسمه هو وأعضاء عائلته على القائمة السوداء للممنوعين من دخول مصر.


اتهامات بالخيانة
عام 1956 قرر الرئيس جمال عبدالناصر ترحيل كل من لديه أى اتصال مع إسرائيل «العدو»، بحسب ما ذكره إسحاق، لتكون تلك الأحداث سبباً فى اعتقال مئات اليهود فى مصر الذى كان من ضمنهم فيتا كوهين، والد إسحاق، الذى كان آنذاك فى جامعة فى مونبلييه بفرنسا، ليعلم فيما بعد من أسرته ما حدث لهم.

وقال كوهين إنه فى إحدى ليال شهر أكتوبر عام 1956، وبينما كانت رحى الحرب مستمرة، جاءت الشرطة المصرية أو ضباط الجيش إلى صيدلية والدى، والتى كان اسمها «آل الشفاء»، وكانت تقع فى الجيزة.

وتذكر كوهين من التفاصيل التى قيلت له من والدته وأخته ووالده بأن رجال الأمن طلبوا من والده الحضور إلى مركز الشرطة لاستجوابه، مؤكدًا أن والده كان يعمل لساعات طويلة عادة، لكن غيابه عن المعتاد فى تلك الليلة كان سبباً لتقلق أسرته عليه، لعلمهم أن اليهود كانوا يتعرضون لمضايقات سياسية وأمنية. وتابع، واصفاً تفاصيل تلك الليلة التى كانت بداية رحيلهم من مصر، قائلا: إنه فى وقت متأخر جدًا فى تلك الليلة طرق أحدهم الباب الأمامى لمنزلنا، وعندما فتحت والدتي، كان والدى شاحبا تماما وفى حالة إغماء، مكبل اليدين ويحيط به الضباط، راحت شقيقتى لوليتا تصرخ فى وجههم وتحاول سحب أبى إلى داخل البيت، وهو ما كان سبباً لتتعرض للصفع من أحد الرجال، صرخت والدتى وطلبت منها أن تصمت، وحينها أظهر الضباط أمرًا بالتفتيش للبحث عن أدلة على أنشطة مع العدو.

وأكمل: «بكى والدى، وكان آخر شىء قاله لأمى قبل مغادرته إلى قسم الشرطة مرة أخرى: اتصلى بالقنصلية، لم نعلم آنذاك عن ماذا يتحدث. فنحن مصريون ونعيش فى مصر، لكن أبى كان لديه الجنسية الإيطالية.


قبل الرحيل
يحكى الحاخام: كان أمام اليهود فى مصر خياران فقط إما السجن بتهم التجسس لصالح إسرائيل أو الرحيل، لم يمكن أمامنا سوى الاختيار الثانى، فنحن لم نتجسس لصالح إسرائيل لذلك كان السجن أمرًا قاسيًا جدًا علينا لأننا كنا نشعر بالظلم، لأنهم سجنوا والدى الذى لم يكن له أى علاقة بأى شىء سياسى – على حد وصفه.

ويستطرد: «كانت والدتى قد عرضت كل ممتلكاتنا للبيع، وكانت تنزل إلى الجيران والمحلات تعلن عن ذلك عن طريق الفم، تلك التفاصيل الصغيرة هى الأكثر إيلامًا علينا، حيث بيع كل الأثاث والأجهزة المنزلية مقابل أجر ضئيل للمشترين الذين استفادوا من هذا الوضع، حيث سرقت أشياء كثيرة، لولا عم حسن البواب، الذى كان حارسًا لعمارتنا كان موقفاً شجاعا منه، كان نوبيًا من أصول سودانية يتولى رعاية المبنى، ليقف وجها لوجه مع كل من كان يحاول أن ينهش أشياءنا ويسرقها وسط الزحام، لكن والدتى كانت قد نجحت فى الحصول على 250 جنيهًا مصريًا، أى ما يعادل ربما 400 دولار اليوم». واستكمالا للتفاصيل، قال الحاخام إن القنصلية الإيطالية رتبت لأسرته السفر من الإسكندرية على متن سفينة، ووعدتهم بأنهم سيجتمعون مع والدهم على متنها، ثم السفر عبر المياه الإقليمية المصرية، كان هنالك عدد من الشرطة المصرية الذين يتابعون اليهود الذين أتوا للرحيل من مصر، حيث غادر معظم أفراد عائلته إلى الكيان المحتل.


تبادل الرسائل
بعد ترحيل اليهود من مصر انقسم بعضهم متوجها إلى الأراضى الفلسطينية المحتلة وآخرون توجهوا إلى أوروبا وأمريكا، وكان من ضمن الذين توجهوا إلى إسرائيل أسرة إسحاق، اختاه ووالدته وأهله من جانب والدته، بينما كان والده مسجونًا فى مصر بتهمة الخيانة والتجسس، كان بحسب ما ذكر يتبادل الأخبار عن طريق الرسائل، التى يتم إرسالها من إسرائيل إلى مصر من خلال أقاربهم فى إنجلترا، حيث كانت ترسل الرسائل إلى إنجلترا ومنها إلى مصر، وبعد فترة من الترقب والتحقيقات، ذكر إسحاق أنه تم استدعاء والده إلى وزارة الداخلية، حيث واجهه الأمن بإحدى الرسائل التى تم إرسالها إليه بطابع بريد عليه علامة الكيان المحتل، لكن والده بحسب تصريحاته قال لهم الحقيقة وأكد لهم أنه لم يشأ أن يترك مصر هو وأهله وأسرته، مشيرًا إلى أنه يحب مصر حبًا شديدًا فقد عاش وتربى هنا، وأصله من مصر، وهو ما كان سبباً لأن يطلق الضابط سراحه فى ذلك الوقت مع إدراجه فى القائمة السوداء.


العودة إلى مصر
كان «كوهين» يحصل على دروس عن مصر القديمة فى معهد الدراسات الشرقية التابع لجامعة شيكاغو، وفى أحد الأيام أرسل المعهد للدارسين فى ذلك القسم رسالة عبر البريد الإلكترونى مفادها أن هناك زيارة قريبة إلى مصر، حيث ستقام هنالك جولة من القاهرة إلى الصعيد، كانت تلك الرسالة شيئًا كالكنز، بحد قوله، ليقوم على الفور بالتسجيل لتلك الرحلة، لكنه عندما عرض الأمر على أسرته وإخوته قالوا له تأكد من السفارة المصرية، لأن أسرتهم كانت ممن وضعوا على القوائم السوداء ويمنع عودتهم حيث كان كل يهودى يوقع وثيقة بعدم العودة.

ووصف كوهين أنه كان منذ رحيله عن مصر يحلم بالعودة للبحث عن أصدقائه ولزيارة منزلهم وحيهم ومدرسته، لذلك قام بالاتصال بالقنصلية المصرية فى شيكاغو، وطلب لقاء مع أحد المسئولين فى القنصلية، وفى خلال يومين وصلته دعوة من القنصل المصرى العام، «ماجد رفعت»، مفادها أن يحضر للقنصلية لتناول فنجان من القهوة فى مكتبه، كانت تلك الرسالة أمرًا أذهل كوهين، حسب ما وصف، حيث لم يتوقع أن تقوم القنصلية بالرد السريع عليه، بل ودعوته بلطف أيضا، وأكمل كوهين فى سرده، أنه كان يظن أن ذلك فخًا، وأنه سيلقى معاملة سيئة فى القنصلية المصرية، لكنه صدم من كم المعاملة اللطيفة التى وجدها من كافة العاملين ومن القنصل نفسه، الذى بدوره استمع إلى قصته بهدوء ثم قال له: «مصر لم تهجر اليهود، ولم يكن هنالك أبداً لاجئون يهود كما تذكر، لكن فيما يتعلق بالتأشيرة لن تكون هنالك مشكلة فى الحصول عليها للدخول إلى مصر، بل ستحصل عليها مجاناً».


دخول مصر
وصل كوهين إلى مطار القاهرة الدولى فى يوم 10 من مارس عام 2016، يحكى عن ذلك اليوم: «كان قلبى ينبض بشدة، شعرت أن قدمى وطأت مسقط رأسى بعد 60 عامًا تقريبا، 60 عامًا أتساءل كيف كانت لتكون حياتى أن عشت هنا، سرت بخطوات هادئة وأنا بداخلى توتر شديد، وتوجهت إلى شباك الجوازات قدمت جواز سفرى الأمريكى، نظرت ضابطة الشرطة إلى وجهى مبتسمة، كانت سيدة لطيفة، وسألتنى هل ولدت فى القاهرة؟ أجبتها: نعم، عادت وسألتنى ما أسباب زيارتك لمصر، أجبتها: أريد أن أتعلم اللغة العربية ولأعرف كيف أصبحت مصر التى رحلت عنها إلى إسرائيل، ومن ثم إلى أمريكا، بما أننى فى الأصل مصرى.

وتابع واصفًا الموقف بأن الضابطة استمعت إليه بلا أى رد فعل، ما جعل كوهين يشعر بالقلق من أن يتم ترحيله مرة أخرى وعدم السماح له بالدخول، خرج الضابط لدقائق قليلة ثم عاد وصافح إسحاق وقال له: «مرحبًا بك، زيارة سعيدة استمتع بإقامتك». وصف إسحاق ذلك الموقف بأنه شعر بأنه سيبكى من فرحته، لم يكن مستوعبًا أنه حقًا سيدخل الآن إلى مصر لرؤيتها بعد 6 عقود من الرحيل




شوارع المحروسة




ذكر فى تصريحاته أن تجربته فى مصر كانت إيجابية جدًا مع الشباب، حيث تحدث اليهم عن تاريخه وعن حق اليهود فى مصر، وهو ما لاقى حزنًا من بعض الشباب ورضا من آخرين، ووفقًا لما ذكره، أنه التقى بمجموعة من الشباب أثناء تجواله فى شوارع وسط القاهرة، حيث توجه إليهم متحدثًا باللغة العربية المتكسرة، معرفًا بنفسه وشارحًا باختصار قصته كمصرى رحل منذ سنوات ليعود بعد فترة طويلة، لغته وقصته كانا وسيلة سهلة جذب بها المستمعين الذين توقفوا يسألونه عن التفاصيل وعن قصة حياته، وفى غضون 10 دقائق استطاع أن يجلس معهم ساردًا كيف تم ما حدث فى عائلته، وسط استجابة البعض وحزنهم وتأييد البعض لخيانة اليهود ونصرة الكيان الصهيونى على العرب.

قصة إسحاق لم تتوقف بل استكملت فى كونه كان اليهودى ذو الأصول المصرية الوحيدة بين جميع الأمريكيين فى هذه الجولة، كان كلما التقى مصريًا وتحدث معه عن تاريخ حياته وجد صعوبة من الآخرين فى استيعاب ما يقوله ورفضًا فى المجمل لكونه ذهب إلى إسرائيل، على حد قوله.

استطرادًا لحديثه، ذكر كوهين أن الناس فى مصر كانوا لطفاء معه للغاية، حيث كانوا يلتقطون له الصور، ويمازحونه ويعاملونه بمودة. بحسب ما ذكر.